الخميس، 14 أبريل 2016

فطرة أم غسيل مخ؟




 

يؤسسون عقائدئهم منظمة قوية مهيمنة ، بمعابد و مدارس و جامعات و كتب لا حصر لها و كهنوت و فقهاء..

 تصبح تلك العقائد أديانا رسمية لإمبراطوريات أخطبوطية حكمت العالم و سعت في استئصال و تحجيم الفكر المخالف بشكل منهجي طوال قرون..

يترسخ فكرهم الديني في وجدان و ثقافات شعوب العالم و إلى اليوم، يستمر في الترويج لنفسه عن طريق آلة إعلامية ضخمة ملحة، يحشر نفسه في هيئات التعليم و المجتمع، يتم زرعه في عقول و قلوب الأطفال و الكبار ، مع ممارسة الرقابة الصارمة تجاه أي فكر مخالف..

بعد هذا كله، يأتي أحدهم و براءة الأطفال في عينيه قائلا لك :  "و لكن، ألا ترى معي أن الناس يميلون بتكوينهم الفطري النقي إلى عقيدتنا، فهي تريحهم و تناسبهم، بحيث يمكن القول أنه يوجد بداخل كل إنسان بوصلة تقود عقله و مشاعره بشكل أوتوماتيكي و دون تأثير إلى فكرنا نحن بالذات؟!"

هل أنت جاد؟!

بل لا أرى معك ذلك.. و لو أدركت أنت الفارق بين "الفطرة" و بين "غسيل الدماغ" لأدركت أن إيمانك ينتمي إلى المجال الثاني بامتياز؛  و لعلمت أن دينك و عقيدتك و إلهك الواحد ليست بديهيات فكرية أو نوازع غريزية فطرية كونية نولد بها جميعا كما تتوهم ، و إنما هي أفكار بشرية مصطنعة و مركبة تم زرعها في عقلك منذ الطفولة و عايشتها طويلا فيمن حولك، بل ربما لم تر غيرها، حتى اختلطت عليك الأمور و صرت تؤمن أن تلك الأفكار هي جزء من قوانين الطبيعة و تكوين الإنسان.

العقل البشري يبدو أن لديه مشكلة أساسية في فهم المعتقدات ، و هي أنه غالبا يعمل بشكل معكوس، فيؤمن أولا بالشيء (لأسباب عاطفية أو اجتماعية أو موروثة) ثم "بعد ذلك" يبحث عن الأسباب التي تدعم إيمانه هذا.. و لذلك تجد أن كل صاحب دين مقتنع أن دينه منطقي تماما بل بديهي بل فطري كما أن الأدلة التي تدعمه في منتهى القوة، ثم تجد هذا الشخص في نفس الوقت رافضا للأديان الأخرى و "أدلتها"-  التي بدورها تبدو مقنعة تماما لأصحابها!...  ذلك لأن المؤمن غالبا لم يؤمن بدينه لأن الأدلة مقنعة، و إنما هو صار يرى الأدلة مقنعة لأنه آمن بدينه.

و لكن منذ متى يعترف مغسول الدماغ أنه كذلك؟

و لو أنك صادفت إنسانا لم يتعرض إلى نفس غسيل الدماغ ، أو تعرض إلى نوع مختلف من غسيل الدماغ ، فستكتشف أنه لا شيء من فكرك هذا بديهة عقلية أو فطرة مشاعرية ، و ستدرك أن المسألة أقرب إلى حالة شخص تعرض منذ الطفولة إلى إدمان المخدرات، حتى صار يعتبرها من قوانين الحياة الرئيسية التي لا غنى لها، بينما سيندهش تماما حين يرى الشخص الآخر، الطبيعي، الذي لم يدمن المخدرات أبدا، فصارت بالنسبة له شيئا هامشيا لا أهمية له، بل هو شيء أقرب إلى الضرر منه إلى النفع.

السبت، 9 أبريل 2016

"المسيحية ليست دينا"...... حقا؟!





أكثر من تحاورت معهم من الأحباء المسيحيين يصرون على ترديد تلك العبارة بحماس في كل مناسبة، أو حتى بدون مناسبة : أن المسيحية لا تعتبر دينا و إنما هي علاقة شخصية مع الله.

هنا نتفحص مدى دقة تلك العبارة، فنسأل ما هو الدين و هل ينطبق تعريفه على المسيحية، و هل تم ذكر كلمة "دين" في الكتاب المقدس، و هل قال يسوع أنه جاء بدين جديد، و ما سبب تركيز المسيحيين و إصرارهم أن ما يعتنقونه ليس دينا.

---------------------------------------------
1-  ما هو الدين؟

بعيدا عن الأصل اللغوي لكلمة "دين" (الذي يعني باللاتينية "الصلة" و "الرابط" و "الإلتزام") فللدين اصطلاحا عدة تعريفات و توصيفات أكاديمية متنوعة موجودة ، سنمر ببعضها -  لنرى إن كانت تشمل المسيحية أم لا.

 الدين religion هو:
- الإيمان بإله أو بمجموعة آلهة.

- نظام  من المعتقدات و الطقوس و الشعائر و القواعد المخصصة لعبادة إله أو مجموعة آلهة.

- اهتمام أو إيمان أو نشاط مهم لفرد أو جماعة.

- خدمة أو عبادة إله أو قوى خارقة للطبيعة.

- حالة فردية أو نظام مؤسسي يتضمن سلوكيات و معتقدات و ممارسات دينية.

- قضية أو مبدأ أو نظام عقائدي يتم التمسك به بعاطفة و إيمان.

----------
- الدين هو الإيمان بقوة خارقة مهيمنة و عبادتها ، خاصة إله شخصي أو آلهة.

- نظام معين من الإيمان و العبادة.

- سعي أو اهتمام يتم اتّباعه بتكريس كبير.

----------
الدين هو علاقة البشر بما يعتبر مقدسا، مطلقا، روحانيا، أو جديرا بتوقير خاص.
----------

نجد أن الدين هو مجموعة من المعتقدات، الأطر الثقافية، و وجهات النظر العالمية، و التي تربط الإنسانية بنظام وجودي ؛ و تحتوي العديد من الأديان على قصص و رموز و تاريخ مقدس يهدف لشرح معنى الحياة و أصل الكون ؛ و من تلك المعتقدات حول الوجود و الطبيعة الإنسانية يستمد البشر أخلاقياتهم و شرائعهم الدينية ؛ كما نجد أن كثيرا من الأديان تتضمن سلوكيات منظمة، كهنوت، تعريف يحدد الأفراد المنضمين لها، أماكن مقدسة، نصوص مقدسة ؛ و ممارسة الدين قد يتضمن طقوسا و شعائر تقديس (لإله أو مجموعة آلهة) و قرابين و أعياد و ولائم و مراسم و تأملات و صلوات و موسيقى و فنون و رقص و خدمة اجتماعية بالإضافة إلى سائر عناصر الثقافة الإنسانية.

ثم تسرد ويكيبيديا عدة تعريفات لأكاديميين و فلاسفة، يحاولون تصنيف الدين بعدة أشكال لا تبتعد عما ذكرناه.
 
----------
فهل تلك التعريفات السابقة للدين تنطبق على المسيحية؟

الجواب القطعي بنعم؛ فالمسيحية تتضمن كل عنصر تقريبا من عناصر الأديان، بداية من الإيمان بإله و عقيدة و اتباع لنصوص كتابية مقدسة، مرورا باحتوائها على معابد و أماكن مقدسة و كهنوت منظم ، وصولا إلى ممارستها لطقوس و شعائر و مراسم و أعياد..إلخ، فهي ليست دينا فقط و إنما دين نموذجي يوافق كل تعريف ممكن للدين.

و كون المسيحية تحتوي على علاقة شخصية مع الله فهذا لا يغير من الأمر شيئا، إذ أن جميع الأديان تقريبا تتضمن علاقة شخصية مع الله- هذا لا ينفي كونها دينا بل يؤكده، ثم أن المسيحية تحتوي على عناصر دينية أخرى جوار ذلك كما ذكرنا.

و لهذا ليس من الغريب أن أي مصدر أكاديمي أو علماني حين يقوم بتعريف الدين فإنه يذكر المسيحية كمثال ضمن تلك الأديان ، و حين يقوم بتعريف المسيحية فأول صفة يذكرها عنها أنها دين - هذا ينطبق على ويكيبيديا أو غيرها، فعلى ما يبدو أن الوحيدين الذين لا يرون المسيحين دينا هم المسيحيون التقليديون حسبما تم تلقينهم.

---------------------------------------------
2- هل يوجد أي نص من الكتاب المقدس، على لسان يسوع أو غيره، ينفي بوضوح أن المسيحية دين؟

لا ؛  إخراج المسيحية من دائرة الأديان هي مجرد فكرة أخرى اخترعها المسيحيون دون أن يكون لها أصل في كتابهم.

---------------------------------------------
3- لكن الكتاب المقدس- يقولون - لا يحتوي على كلمة "دين".

خطأ.

في العهد الجديد نقرأ من رسالة يعقوب، الأصحاح الأول، 26 و 27 (إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِيكُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ دَيِّنٌ، وَهُوَ لَيْسَ يُلْجِمُ لِسَانَهُ، بَلْ يَخْدَعُ قَلْبَهُ، فَدِيَانَةُ هَذَا بَاطِلَةٌ. اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللَّهِ الآبِ هِيَ هَذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ).

هنا نجد الكلام عن الديانة الباطلة و الديانة الحقة؛ و الكلمة اليونانية المستخدمة في النص "ثريسكيا" تعني ديانة أو دين religion ، و هكذا تضعها الترجمات المختلفة للكتاب المقدس ؛  وفي موضع آخر استخدمت نفس الكلمة اليونانية أيضا بمعنى "ممارسة العبادة" (رسالة كولوسي 2:18).

و في مواضع أخرى نجد إطلاق لقب "مسيحيين" على أتباع يسوع، مما يؤكد أننا نتحدث عن جماعة إيمانية أخرى.

(وَدُعِيَ التَّلاَمِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلاً) أعمال الرسل 11:26.

(فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: «بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيّاً») أعمال الرسل 26:28.

(فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِلٍ، أَوْ سَارِقٍ، أَوْ فَاعِلِ شَرٍّ، أَوْ مُتَدَاخِلٍ فِي أُمُورِ غَيْرِهِ. وَلَكِنْ إِنْ كَانَ كَمَسِيحِيٍّ فَلاَ يَخْجَلْ، بَلْ يُمَجِّدُ اللهَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) بطرس الأولى 4:16.

---------------------------------------------
4- و لكن المسيح لم يقل أبدا أنه جاء بدين جديد.

صحيح، فعلا يسوع لم يقل أبدا أنه جاء بدين جديد؛ و ذلك لسبب بسيط جدا : أنه ولد و عاش و مات يهوديا!

المسيح من أصل يهودي (متى 1:1،17 ، و لوقا 3:23،38) والداه يهوديان متبعان للشريعة (لوقا 2:39 و لوقا 1:6) و تم ولادته في ظل الشريعة اليهودية (رسالة غلاطية 4:4) و تم ختانه (لوقا 2:21) و تم تقديم ذبيحة للرب (لوقا 2:24)، و كان يذهب إلى الهيكل منذ طفولته (لوقا 2: 42-46) و حين كبر كان مداوما على حضور المجمعات اليهودية يوم السبت (لوقا 4:16) و كان يقوم بالتدريس في هيكل أورشليم (لوقا 21:37) ؛ و في مواضع مختلفة نجده محافظا على تتبع جميع الأعياد و الطقوس اليهودية، كما سنجده مؤمنا بجميع القصص و التعاليم التي وردت في العهد القديم ؛ و في موعظة الجبل خاطب الناس قائلا أنه لم يأت لينقض الشريعة بل ليكملها (متى5:17) و أكد أن تلك الشريعة لن تزول أبدا (متى 5:18)، كما قرن الخلاص الأخروي بالإلتزام بتلك الشريعة و حذر الجميع من مخالفة أي وصية فيها (متى 5:19).

بعد هذا من الطبيعي أن لا يقول المسيح أنه يؤسس دينا جديدا، و على الجانب الآخر فهو لا ينفي أنه يتبع دينا – ذلك لأنه بالفعل بداخل دين قديم هو اليهودية.

و لكن لأن الأديان دائما لا تقوم على أفكار المؤسس وحده ، فقد تطورت المسيحية كمذهب يهودي تبلور و صار مع الوقت دينا مستقلا عن اليهودية ؛ و حسب الكتاب المقدس فهذا الإنفصال حدث عبر القرن الأول الذي شهد ولادة الدين الجديد.

---------------------------------------------
5 – و لكن لماذا كثير من المسيحيين حريصون للغاية على تأكيد أن المسيحية ليست دينا؟

لعل المسألة تتعلق بما يسمى "التوسل بالخصوصية" Special pleading ، و هي مغالطة منطقية تتضمن محاولة إظهار الشيء على أنه "ليس كالآخرين" بل هو استثناء من القاعدة و بالتالي يستحق معاملة خاصة.

مثال:
 - شخص يعترف أن الدكتاتورية أمر خاطئ و سيء.
- و لكن هذا الشخص يحب هتلر و  لا يريد إدانته.
- بالتالي لا يجد صاحبنا إلا أن يجادل بأن هتلر ليس كأي دكتاتور، بل لديه وضع خاص مختلف عن أي دكتاتور آخر.

و هذا ما يفعله البعض مع المسيحية، يسعون لمنحها أفضلية خاصة على بقية الأديان الأخرى بهدف إنقاذها من معايب تلك الأديان و إظهار أن دينهم متميز عنها.

قداسة = إرهاب





"فكرتي مقدسة" يعني:
1- أنها غير قابلة للخطأ، مهما قالت الأدلة.

2- أنه لا يجوز مناقشتها بشكل نقدي.

3- أن من يشكك فيها هو مخدوع ضال أو شرير معادي للحق، و بالتالي يجوز قتله أو اضطهاده أو تكميم صوته.

---------------------------------

"فكرتي غير مقدسة" يعني:
1- أنها قابلة للصحة أو الخطأ، و العبرة بالأدلة.

2- أن مناقشتها ضرورية، لتصويبها إن كان خاطئة، أو بهدف الوصول إلى تصورات أدق لها إن كانت صحيحة.

3- أن من يشكك فيها يرتكب حقه الطبيعي في التفكير و التعبير، و بالتالي لا يجوز إلا التحاور معه. 

---------------------------------

تقديس الأفكار هو الخطوة الأولى نحو التعصب و التطرف و الإرهاب.

و لا تحرر و إنسانية سوى بفتح الباب نحو نقد جميع المقدسات دون استثناء.

سيرك يسوع






في إنجيل متّى (متى 21: 6-7) نجد أن يسوع المسيح حين أراد دخول أورشليم فقد ركب على "أتان و جحش" في نفس الوقت!

(الأتان هي أنثى الحمار، و الجحش هو الحمار الصغير)،

 فنقرأ: "فَذَهَبَ التِّلْمِيذَانِ وَفَعَلاَ كَمَا أَمَرَهُمَا يَسُوعُ، وَأَتَيَا بِالأَتَانِ وَالْجَحْشِ، وَوَضَعَا عَلَيْهِمَا ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِمَا".

و قد أشار الكثيرون إلى صعوبة تصور المسيح جالسا على الحيوانين معا!!!

لكن حين ننظر في باقي الأناجيل نجد أنهم حكوا نفس المشهد باستخدام حيوان واحد- جحش- بدون الأتان:

(مرقس11: 7) "فَأَتَيَا بِالْجَحْشِ إِلَى يَسُوعَ، وَأَلْقَيَا عَلَيْهِ ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِ."

(لوقا 19: 35) "وَأَتَيَا بِهِ إِلَى يَسُوعَ، وَطَرَحَا ثِيَابَهُمَا عَلَى الْجَحْشِ، وَأَرْكَبَا يَسُوعَ".

(يوحنا12: 14) "14وَوَجَدَ يَسُوعُ جَحْشًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ".

فما الحكاية؟!

الملاحظ أن إنجيل متّى هو أكثر الأناجيل اهتماما بمسألة تحقيق النبوءات الواردة في العهد القديم عن المسيح، ففي مناسبات مختلفة حين يحكي متّى عن أحوال يسوع يحرص على ربط التصرف الفلاني أو المقولة العلانية بنص من العهد القديم يتنبأ بأن المسيح المنتظر سوف يفعل كذا أو يقول كذا، فكأن أكثر أفعال يسوع هي تحقيق للنبوءات الكتابية.

و حين نقرأ النبوءة التي يشير لها متى، عن دخول المسيح إلى القدس، نقرأ من العهد القديم: (زكريا9: 9) "ابتهجي جدا يا بنت صهيون وآهتفي يا بنت أورشليم هوذا ملكك آتيا إليك بارا مخلصا وضيعا راكبا على حمار وعلى جحش آبن أتان".

(نقلنا النص من أدق الترجمات و هي الترجمة اليسوعية)

راكبا على حمار، و على جحش ابن أتان.

باللغة العبرية التعبير قد يفهم بشكل مختلف، فالنص يريد إظهار تواضع المسيح الداخل إلى أورشليم ، فيقول بأنه راكب على حمار، بل على حمار صغير، جحش.

هذا يشبه قولنا- مثلا- أن ذلك الوزير ثري لكنه متواضع حتى أنه "يذهب إلى عمله راكبا على دراجة، و على دراجة قديمة"... العبارة لا تعني أنه يركب دراجتان طبعا، و إنما المقصود هو توكيد الوصف.

بعض الترجمات الإنجليزية أكدت هذا المعنى فصاغته بشكل أكثر وضوحا ، فنقرأ من ترجمة
American standard version

Rejoice greatly, O daughter of Zion; shout, O daughter of Jerusalem: behold, thy king cometh unto thee; he is just, and having salvation; lowly, and riding upon an ass, even upon a colt the foal of an ass.

"راكبا على حمار، بل و حتى على جحش ابن حمار".

هذا يوضح المسألة إلى حد كبير.

المعروف أن كتاب الأناجيل لم يكونوا يقرأون العهد القديم بالعبرية، و إنما اطلاعهم كان على الترجمة اليونانية المعروفة بالسبعينية، و بالتالي يبدو أن متّى- المهموم بتحقيق النبوءات- أساء فهم النص بشكل كبير، و هو ما انتبه له باقي الكتاب فأصلحوا المسألة.

المحبة الكريهة





أسأل نفسي أحيانا لماذا أجد أن مقولة "الله يحبك" أو "المسيح يحبك" عبارة منفرة و ثقيلة على القلب، حتى أعترف أنها أحيانا تستفزني أكثر من عبارة "الله سوف يحرقك!" و التي يستخدمها المؤمنون أيضا (حين لا يكون مزاجهم رائقا)؟

 هل يوجد إنسان عاقل يرفض الحب أو يعترض عليه؟! أكيد لا، فالحب من أجمل الأمور في الحياة بل لعله أجملها.

و لكن هل الحب هو دائما ذلك الشعور الجميل الراقي و فقط، أم أنه شعور يرتبط بأفكار و نوايا و رغبات و أهداف معقدة تحاول أحيانا التخفي خلف الكلمة السامية – مما يستدعي بعض الحذر و بعض الفحص؟

-------------------------------
1- هي عبارة غير قابلة للإثبات

أول ما يخطر بذهني حين أسمع تلك الجملة هو سؤال بديهي "كيف عرفت أنت ذلك؟!"، هل لديك قدرات شخصية خاصة تمكنك من قراءة أفكار الإله؟! في الأصل الحب شعور يمكن استقراءه من أقوال أو أفعال من يحيطون بنا ، و لكن لا يمكن التأكد منه مع البشر، فما بالك بخالق الكون المزعوم؟!

نعم ربما مسيحك يحبني حتى أنه لا ينام الليل من أجلي، و ربما لا، ربما هو لا يهتم بي أو بغيري، ربما هو يكرهني كالجحيم ، بل ربما لديه أمورا أفضل يفعلها من محبة كل من تحاول إقناعهم بدينك!

في كل الأحوال من الواضح أن صاحبنا يتكلم فيما لا يعرفه و لا يمكنه إثباته أو التأكد منه بشكل فعلي ، و أنه يتحدث عن تصور شخصي ديني يؤمن به أو يرغب فيه، و ليس عن حقيقة موضوعية يمكنه التدليل عليها.

هل هذا أمر مستفز؟ نعم إلى حد كبير، على الأقل بالنسبة للأشخاص الذين يقدرون قيم الدقة و العقلانية و النزاهة الفكرية فإن العبارات الكبيرة التأكيد عليها بإلحاح يقيني بدون وجود إمكانية للتدليل عليها، هي أمر مستفز و مزعج إلى حد كبير.

-------------------------------
2- هي عبارة غير منطقية

ثم لماذا يا ترى يسوع المسيح يحبني؟ هل لأنني أستحق المحبة بشكل خاص؟ (لا يمكنك التأكد من ذلك)، أم يا ترى يحبني لأنه هو نفسه عظيم و يحب الجميع دونما تمييز؟ هل المسيح يحب المسيحي و المسلم و البوذي و الهندوسي؟ هل يعشق اللصوص و القتلة و الطغاة و قطاع الطرق و مغتصبي الأطفال (سواء القساوسة منهم أو غيرهم)؟!

و إن كان يحب الجميع دون تمييز و دون أسباب موضوعية لذلك الحب، فما مغزى ذلك و ما أهميته لي؟!

أليست قيمة الشيء تأتي من ندرته أو من أهميته للناس؟ فلماذا ينبغي عليّ أن أفرح بتلك البضاعة الرخيصة المملة المنتشرة في كل مكان و التي لا يبدو أنها تقدم لي أي إضافة حقيقية؟!

-------------------------------
3- غير واقعية

لو تركنا قراءة الأفكار و نظرنا إلى التصرفات المفترضة للخالق المزعوم، فلن نجد أي نوع من المحبة هناك.

يتحدثون أحيانا عن الأمور الجميلة التي نجدها في حياتنا فتفيدنا و تسعدنا و ينسبونها للإله المحب على أنها بعض من نعمه علينا، و لكنهم على الجانب الآخر يتناسون كم الشرور التي تنال البشر، سواء بشكل طبيعي كالأمراض و التشوهات و الكوارث الطبيعية (التي يشرف عليها إلههم بنفسه) أو حتى الشرور الإنسانية (التي لا يجد في نفسه الحماس الكافي لمنعها).

مصائب العالم التي نراها حولنا منذ القدم ، تصيب الأضعف و الأحوج و الأفقر، لا يبدو بالمرة أنها تترك مجالا لمحبة مزعومة، و إن كانت ثمة محبة موجودة فلا يبدو أن لها أقل فائدة فمن الأفضل أن يحتفظ بها لنفسه، فلا خير في محبة لا أثر لها سوى الكلام.

و الأهم أن التدخل الإلهي- اليهودي المسيحي- في العالم لم يؤدي إلى تخفيف الشر بل زيادته، و لنا في التاريخ الديني أمثولات، فأي محبة تلك التي لم نأخذ منها سوى الأحكام الهمجية و الحروب الطائفية و الخرافات و معاداة العلم و العقل و الحرية؟!

حتى المسيح في حياته، لو اعتبرنا الأناجيل مرجعا، فقد كان يتعصب و يهاجم الناس و يشتم مخالفيه و يتهددهم بالويل و الهلاك و المرض و الموت ، و رغم أنه نهى أتباعه عن العنف و لم يستخدمه (إلا في حادثة المعبد حيث أمسك سوطا و طرد التجار و أفسد ممتلكاتهم!)، إلا أنه أقر بكل أريحية عنف يهوه في العهد القديم في الحروب و في إهلاك الأمم السابقة، و في كل مناسبة كان يسوع يتوعد بتكرار ذلك الهلاك مع عودته المنتظرة لينتقم ممن عارضه و يلقيهم جميعا في بحيرة نارية حيث سيستمر عذابهم و آلامهم إلى الأبد - هذا يجعلنا أمام داعية يهودي آخر يؤمن بالعنف، و لكن لأنه غير قادر على القيام به فهو يقرر تأجيله لحين عودته الثانية!

-------------------------------
4- غير منزهة عن الغرض

حين تكون محتاجا، فعلى الأرجح أن المسيح (الذي يحبك) لن يهب لمساعدتك.

و لكن لو لم تكن محتاجا، بل حياتك تسير على ما يرام تماما، فستجد أن المسيح لا يريد تركك في حالك، بل هو مصر تماما أن يبلغك ذلك الحب المجاني - عن طريق أتباعه المخلصين الملّحين.

المسيح لا يكتفي بحبك من طرف واحد، بل هو لن يتركك أبدا حتى تشعر بحبه و تبادله الحب و تتبع جماعته و تطيع كهنته و تحضر كنيسته فتصلي و ترنم و تتناول مع أتباعه المخلصين..إلخ ، أما لو لم تذعن، بل طلبت منه أن يدعك و  شأنك لأنك غير محتاج لذلك، فاستعد لوصلة من الإلحاح و الإمتنان و الإتهامات بالجحود و النذالة و التي ستصل في النهاية إلى مجموعة من التهديدات المباشرة سواء بشكل صريح أو مستتر.

باختصار مع المحبة المسيحية انسى أن تقف المسألة عند المحبة و فقط، فهناك المزيد دائما.

حين ننظر حولنا نجد أن كل محاولة للسيطرة تستخدم شعار المحبة من قبل الطرف الذي يريد السيطرة، فالأب السلطوي يكرر أنه يحب أولاده، و الزوج المتملك المسيء يؤكد أنه يحب زوجته، وبالطبع الطاغية يعلن دائما، عبر إعلامه، أنه يحب شعبه - فالسيطرة حين تستتر بالمحبة تكون أكثر سلاسة و نعومة.

و لو تذكرنا أن الحب المجرد السامي لن يلح على المحب بأن يبادله الحب، و لن يطلب منه المقابل، و لن يسعى للسيطرة عليه و امتلاك حياته ، فسنرى بوضوح أن المحبة المسيحية هي أبعد ما يكون عن ذلك.

-------------------------------
5- لا تخلو من ابتزاز عاطفي

الذي يسعى للسيطرة عليك سيبحث عما تحتاجه ثم يوهمك بأنه يمنحه لك، و لو لم يملك شيئا حقيقيا يقدمه لك فهو مستعد تماما لأن يبيع لك وهما تحتاجه.

الناس تحتاج بشدة إلى الحب، و ربما أكثر الناس تفتقده في حياتها، و هذا ما تلعب به المحبة المسيحية: خلق كيان افتراضي صفاته مصممة جميع عناصرها بعناية لكي تثير إعجابنا و شفقتنا و تؤثر في قلوبنا : هو خلقك، و يحبك، و يهتم بك، و قد ضحى من أجلك لينقذك من مصير أسود كان ينتظرك - كثير من الناس مستعدين لفعل الكثير في مقابل هذا الوهم.

هل هذا الوهم سيئ تماما؟ ربما في نظر البعض لا، فالراحة النفسية تستحق أن نخدع أنفسنا قليلا أو كثيرا ، و لكن على الجانب الآخر في نظر من يقدر الحقيقة أكثر من الراحة، أو لمن يجد راحته في الحقيقة أيا كانت، فهذه الخدعة لا تبدو أكثر من سيناريو رخيص يبيع لك وهما، و الثمن الذي يطلبه هو عقلك و قلبك و حياتك ذاتها.
-------------------------------
لا أريد التعميم و أدرك النية الحسنة لبعض من يكررون مثل تلك المقولات؛ فلو كان المسيح الإله المتجسد يحبني فهذا شيء طيب جدا، لكن هذا لا يهمني.

لو كان ضحى من أجلي فهي تضحية غير عادلة و غير رحيمة و لا أذكر أنني طلبتها، و أنا بكل صراحة غير قادر على الشعور بذرة تعاطف من أجل معاناته لبضعة ساعات على الصليب الذي كان يبدو أحيانا و كأنه يسعى وراءه بكل جوارحه ، تلك المعاناة الضئيلة لا تساوي شيئا بالقياس إلى معاناة ملايين من البشر عبر التاريخ لم يحس بهم أحد، عانوا بسبب عدم تدخلاته في الدنيا ، و أحيانا بسبب تلك التدخلات و كنتيجة مباشرة لها.

عجائب الوسطية





المسلم الوسطي القرآني المعتدل المودرن، صاحب الدين الجديد الذي يبشرنا به بين الحين و الآخر، و المدعو بـ"الإسلام الحقيقي" ، يعتقد بأن خالق الكون أنزل دينه الخاتم على البشرية كلها ، ثم لم ينجح أحد في فهم ذلك الدين بشكل صحيح على مدار 1400 سنة، حتى جاء سيادته أخيرا إلى الكون ليفسر رسالة الخالق اللوغارتمية - التي أنزلها فيما يبدو على أمة من البهائم عديمي الفهم.

هذا المسلم المودرن- غالبا- ليس لديه أي تخصص ديني أو فقهي أو معرفة خاصة لم تتوفر لغيره، لكنه مع ذلك مصر تماما أنه أعلم بالإسلام من ابن عباس و أبو هريرة و أبو حنيفة و الشافعي و مالك و ابن حنبل و البخاري و مسلم و الطبري و ابن كثير و ابن تيمية و القرضاوي و الشعراوي..إلخ ، و هو مندهش دوما كيف أننا نتمسك بكلام أولئك المشايخ و الفقهاء و المفسرين، و لا نفضل عليه كلام شخص مجهول يكتب على فيسبوك.

ثم إنه يعتقد بأن المسلمين منذ القدم تعاونوا على تزوير التاريخ بحيث يشوهون تاريخ نبيهم و يلصقوا به أمورا مخجلة و أفعالا دموية، بدلا من سيرته العطرة "الحقيقية" ، مع ملاحظة أن أخانا المؤمن المودرن هو الوحيد الذي يمتلك مفتاح فهم التاريخ و القادر على فرز الصحيح من الخاطئ فيه.

و الملاحظ أن صاحبنا في نشاطه الدعوي ليست أولويته أن ينير المسلمين الجهلة بدينهم، المجمعين على خطأ، فيهتم بتصحيح مفاهيمهم المعوجة بما أتاه الله من علم، و إنما هو مهتم بالأساس بمخاطبة الملحدين ليشرح لهم دينه الجديد- القديم، فيحاول أن يفهمهم دين لا يفهمه أصحابه أنفسهم على حد زعمه.

و بعد شيء من التفكير أعتقد أن هذا التوجه له أسبابه الموضوعية تماما، فالمسلم الوسطي حين يناقش الملحدين فهو لا يفقد سوى كرامته العلمية و الفكرية في أسوأ الأحوال حين يظهرون سخافة كلامه، بينما هو لو توجه بدعواه الجديدة إلى إخوانه من المسلمين فسيكون مهددا بفقد رأسه ذاتها و انفصالها عن جسده - و لا يخفى عليكم أن اختيار أهون الضررين هو من الأبواب الحكيمة جدا في التراث الإسلامي و الإنساني عموما.
 

الجمعة، 8 أبريل 2016

تشابه الأديان: اقتباسات أم وحدة مصدر؟





واحدة من أدلة اللادينيين أن الدين صناعة بشرية هي أن الأديان تتشابه فيما بينها، و لكن على الجانب الآخر المؤمن يرد ذلك التشابه إلى وحدة المصدر – فكيف نفرق بين هذا و ذاك؟

الجواب برأيي هو نمط التشابه - بمعنى آخر الأديان تتشابه بشكل معين يؤكد بأن المسألة تعود إلى عامل الإقتباس و ليس وحدة المصدر المزعومة، و هذا يتضح في بعدين، الزماني و المكاني.

فزمانيا، حين نفحص التاريخ الديني نجد بأن الأديان تطورت تدريجيا، فبدأت بشكل بسيط قائم على الإيمان بالأرواح و السحر و الأساطير و تقديس الأجداد و تقديس عناصر الطبيعة \ الطوطم ، ثم في مراحل لاحقة تطورت الطواطم إلى آلهة (بشر مقدسين مختلطين بحيوان أو عنصر طبيعي)، و تعقدت الأساطير لتصبح ملاحم دينية\ سياسية بين الآلهة الوثنية، و تم ترقية سحرة القبيلة ليتحولوا إلى طبقة من الكهنة، و تحول السحر ليأخذ شكل طقوس دينية تدور حول معبد للإله الأكبر (و هو ليس أكثر من قبر مقدس للجد المؤله)، و أخيرا في حالات معينة تطورت تلك الديانات الوثنية بشكل خاص- لأسباب سياسية بالأساس- فتم استبعاد الآلهة الصغرى، أو تحويلهم إلى ملائكة و شياطين، لصالح الإله الأكبر الواحد، صاحب المدينة المقدسة الواحدة، و الكتاب المقدس الواحد، و طبقة الكهنة الحصرية الواحدة.

هذا التطور التدريجي الإجتماعي، الذي يرينا الربط الواضح بين درجة تعقيد المجتمع و درجة تعقيد الدين (فديانات القبائل الوثنية تتشابه في أنها نمط من الدين البدائي السحري، بينما ديانات الإمبراطوريات الكبرى تميل بشكل ما إلى التوحيد الديني)، أقول هذا التطور بحد ذاته يدعم مسألة النشأة البشرية للأديان، فلو كانت المسألة مسألة وحي قديم و مصدر سماوي واحد لتوقعنا رؤية أديانا متطورة عند أنظمة اجتماعية بدائية، و هو ما لا نراه في أي مكان.

ثم مكانيا، حين نفحص خريطة الأديان القديمة نجد أنها تتشابه كلما اقتربت، و تختلف كلما تباعدت ؛ بمعنى آخر الدين يتشابه مع الأديان التي سبقته زمنيا و قاربته جغرافيا : اليهودية تشبه عقيدة مصر و بابل و فارس التي نشأت وسطها، و لا تشبه ديانة مثلا شنتو اليابانية، و المسيحية تشبه عقائد اليهودية و اليونانية التي نشأت وسطها، و لا تشبه مثلا ديانة سكان استراليا الأصليين، و الإسلام يشبه عقائد اليهودية و الوثنية العربية التي نشأ وسطها، و لا يشبه مثلا ديانة الهنود الحمر – هذا النمط في التشابه يدعم مسألة النشأة البشرية للأديان، فلو كانت المسألة مسألة وحي قديم و مصدر سماوي لتوقعنا تشابها كبيرا بين أديان حضارات متباعدة جغرافيا، و هو ما لا نراه.

هكذا أرى أن تفحص خريطة الأديان، زمانيا و  مكانيا، يرينا نمطا شبيها بما نراه في شجرة الحياة التطورية، حيث الإنقال دوما من الأبسط إلى الأكثر تعقيدا، و حيث التشابه دائما بين الأنواع القريبة صلة و بيئة- مما يشي بتطور تدريجي طبيعي لا خلق صناعي فجائي.