الاثنين، 1 أبريل 2019

ملامح من الإزدواجية الإسلامية



اعتدنا على رؤية الغائصين في الخرافات والتطرف والتطنع والدروشة والتعصب ببلاد المسلمين، حتى صارت المسألة مألوفة..

ولكن هناك شيء منحط ومقزز بشكل خاص في النشاط الإسلامي بالجانب المقابل من الكوكب: بلاد الغرب..
وذلك من جانبين..
-----------------------------------------------

الأول: نلاحظ أن كثير من الإخوة المسلمين يتهمون اللاديني بأنه منبهر بشكل أعمى بالغرب ويعاني من عقدة الخواجة، بينما يتفاخرون هم بهويتهم الشرقية، ولكن أظن أن العكس هو الصحيح، فدوما نجد المسلم يتقافز فرحا بكلمة مدح في دينه من أي عابر سبيل غربي، ويكاد يفقد وعيه من فرط الفرحة لو دخل أي صعلوك أجنبي بالإسلام، طالما أنه أشقر ذو عيون ملونة، والأدهى أن هذا الأخ المسلم صرنا نراه يلعن الملحد العربي ويصفه بأحط الصفات، بينما نراه - لسبب ما- يعلن احترامه وتقديره، وربما محبته العميقة، للملحد الغربي..

أما من ناحيتي - كملحد متحدث بالعربية - فأتبنى الموقف المعاكس: لا أستغرب كثيرا حين أرى مشرقيا يتمسك بدين أجداده ويدافع عنه بكل حماس، وأتفهم ذلك بل أكاد أشعر بالتعاطف معه، ربما كوني كنت مثله يوما ما، فتبني العقيدة بالولادة، وغسيل الدماغ المتمثل في الحصار الثقافي والتجهيل المتعمد والتشويه لأفكار الآخرين، مع الترهيب النفسي وأحيانا الجسدي، هو أمر لا ينجح الجميع في الفكاك من إطاره بسهولة، وفي هذا الإطار يمكن القول أن المولود والمولودة في مجتمع إسلامي هم بمثابة ضحايا لغسيل المخ والتجهيل، تماما كما هو حال المواطنين تحت كافة الأنظمة الأيديولوجية المتعصبة في الشرق والغرب..

ولكن ماذا عن الغربي الذي ولد في مجتمع متقدم منفتح حر، وأتيحت له سبل المعرفة والبحث، ووضعت أمامه أفكار مختلفة، وتربى على العلمانية والحرية والديمقراطية وحق الإختلاف، ثم اختار - بمحض إرادته- الإسلام، وأحيانا بنسخته السلفية الوهابية أو الجهادية الداعشية، حيث عقوبات القطع والجلد والرجم، وحيث لا حرية دينية بل المرتد يقتل؛ هل يمكن التماس الأعذار لهذا الشخص؟

والأدهى حين تكون امرأة، ولدت ونشأت في بلد غربي يمنحها حقوقا متساوية، ثم تقرأ عن دين بدوي هي فيه شبه إنسان، عورة شيطانة ناقصة عقل ودين أكثر أهل النار، تقطع الصلاة وتنقض الوضوء وتتنجس شهريا، ميراثها النصف وشهادتها النصف وديتها النصف، يحق لزوجها طلاقها وردها وضربها، وهي عنده مثل الأسيرة، ثم إذا بها تعتنق ذلك الدين وهي تكاد تطير من الحماس والفرح!

بالطبع كل إنسان حر طالما لم يضر، وهذا يتضمن حرية اعتناق الخرافات بأنواعها، وكذلك حرية المازوخية النفسية (الإستمتاع بالخضوع وتعذيب النفس) أو حتى الإستكهولمية (وقوع الأسير في حب من يأسره)، ولكنها تظل حرية تستدعي الدهشة ولا تستدعي الإحترام..

وسامحوني على التشبيه، إذ لو اعتبرنا المشرقي المتمسك بدينه مثل الفقير المسكين الذي يأكل من القمامة لأنه لا يجد - ولا يعرف - غيرها، فأعتبر الغربي الذي يعتنق الإسلام مثل شخص لديه بمنزله وليمة صحية شهية، فيتركها ويذهب إلى الشارع ليفتش بالقمامة ويأكل منها متلذذا؛ الأول ضحية جدير بالتعاطف وموقفه مفهوم إلى حد كبير، وأما الثاني فيصعب إيجاد عذر منطقي له، فسلوكه هذا يحتاج إلى تفسير نفسي لا فكري..
-----------------------------------------------

الثاني: هناك شيء مقزز بشكل خاص في سلوك كثير من المسلمين (بالولادة أو الإعتناق) الذين يعيشون بالغرب، ويتمثل في تبنيهم لسياسة الكيل بمكيالين - وهو أمر مميز لأهل الأديان وأصحاب التعصبات عموما - ولكني هنا أقصد نوعا معينا من الإزدواجية الأخلاقية المتطرفة ما بين تبني الإسلام حينها وتبني الليبرالية حينا، حسب الهوى والمزاج والمصلحة..

فالمعروف أن المسلم حين يحاول الدفاع نظريا عن نصوص وتاريخ دينه، فهو غالبا يتبنى نظرة تقليدية محافظة خشنة بدائية، مواكبة لذلك الدين، فتراه - مثلا - يدافع عن الجهاد بالقول أن المسلمين من حقهم غزو بلاد الآخرين بالسيف وفرض الجزية التي يقارنها بالضريبة، ويدافع عن العبودية بالقول أنه كانت لها ضرورات وأنه يكفي الإسلام أن يأمر بحسن معاملة الرقيق، ويدافع عن زواج الأطفال واغتصاب الأسيرات بالقول أنه كان طبيعة العصر وبالتالي لا مشكلة فيه، ويدافع عن اضطهاد المرأة بالقول أن طبيعتها أضعف وأكثر عاطفية من الرجل مما يعطيه حق القوامة عليها، ويدافع عن دكتاتورية الخلافة وقمع الأقليات بالقول أنها أمور تهدف لتماسك المجتمع وفرض النظام، ويدافع عن حد الردة بالقول أنه ضروري للحفاظ على الدين وردع المارقين..إلخ..


حين يتبنى المسلم تلك الآراء فهو يتبنى روحا فاشية تجعله يبدو قريبا من الإتجاهات اليمينية التقليدية بالغرب، مما يضعه في مصاف الجمهوريين بأمريكا بل حتى النازيين بالثلاثينات.. 

أما حين يطالب المسلم بحقوقه في بلاد الغرب، فتراه قد تحول 180 درجة كاملة، ليرتدي قبعة الليبرالية والحداثة، ويتبنى أفكارا مناقضة تماما لما سبق، فتسمعه يطالب بمساواة كاملة لجميع المواطنين، ويردد كلمة الحرية ألف مرة بالدقيقة، ويرفع شعارات التعايش والمواطنة، ويدين أي بادرة تدين أو محافظة تأتي من المجتمع (غير المسلم) الذي يعيش بداخله.. 

هذا يعني أن المسلم يتبنى معايير محافظة متعصبة همجية ذات طابع ديني حين يتعامل مع الآخرين أو يكونوا تحت وصايته، ولكنه بنفس الوقت يطالب بمعايير علمانية حداثية ليبرالية ديمقراطية في تعامل الآخرين معه أو حين يكون هو تحت وصايتهم - وهو في ذلك لا يشعر بأي تناقض أو تنافر معرفي، ولا يرى نفسه منافقا أو فصاميا.. 

وكما قال أحدهم ساخرا حين تم انتخاب ترامب وسط احتجاجات المسلمين بأمريكا: المسلمون لديهم خوف شديد أن يأتي رئيس يعاملهم كما يعاملون هم غير المسلمين ببلادهم!

معضلة الشبهات




هل يريد علماء الإسلام الرد على الشبهات ولكن لا يستطيعون؟

إذن لماذا يسمون علماء؟

هل يستطيعون الرد ولكن لا يريدون؟

إذن لماذا يسمون مسلمون؟

هل يريدون ويستطيعون؟

إذن لماذا توجد شبهات؟

مع الإعتذار لروح أبيقور..

النظام من رحم الفوضى



بين التصميم والصدفة : البديل الثالث..

من أدلة وجود الإله - بنظر المؤمن- أن الكون الذي نعيش فيه يحتوي أشكالا من النظام، مما يستدعي وجود مهندس يخطط ويصمم ويدير كل شيء..

وأما من لا يؤمن بهذا الإله، فيتم وصفه بأنه "يؤمن بالصدفة"، فطالما لا يوجد إله فلابد أن كل شيء بنظره يسير بعشوائية وفوضى..


المغالطة الرئيسية هنا هي "الثنائية الزائفة"، أو "المأزق المفتعل" (إن لم يكن "أ" إذن فهو بالضرورة "ب".. مثلا: إن لم تكن مع الحجاب فأنت مع التعري)، وتكمن المغالطة في أنه غالبا يكون هناك احتمال ثالث لا يجب تجاهله؛ في تلك الحالة قوانين الطبيعة، والتي تنتج نظاما غير شخصي..

الملحد لا يؤمن أن كل شيء نتاج الصدفة، وإنما هو يستند إلى العلم، والعلم يقوم بالأساس على أن كوننا له قوانين محددة يمكن فهمها، تلك القوانين لا تحتاج إلى خالق ليقررها لأنها ليست بمثابة "مراسيم صادرة" عن جهة ما عاقلة، وإنما تلك القوانين هي بالأحرى وصفنا نحن لخصائص الطبيعة..

كمثال لو أخذنا قطعة صخر، فسنجد أن لها وزن محدد، ولكن هذا لا يعني أن هناك جهة ما قررت ذلك الوزن (فقالت: ليكن وزنك كذا غرام)، وإنما الوزن هنا هو تعبير بشري رقمي عن خاصية طبيعية من خصائص تلك الصخرة، لا يمكن القول أنه من صنع جهة ما، كما لا يصح القول بأنه من صنع الصدفة أيضا..

والملاحظ أن قوانين الطبيعة هذه يمكن أن تنتج أشكالا من النظام الداخلي، دون حاجة إلى تدبير خارجي من كائن واعي..
--------------------------------------------

لنبدأ ببعض الأمثلة البسيطة، ثم ننتقل إلى الأعقد :
- لو أحضرنا إناءا ممتلئا بالماء، فيه ثقب صغير بأسفله، فسنجد أنه يسرب قطرات من الماء، بمعدل ثابت، مع وقت محدد بين كل قطرة وأخرى..

هذا النظام الزمني، الشبيه بالساعة، لم يستهدفه مصمم، وإنما هو نتيجة طبيعية لخصائص الماء مع عمل الجاذبية..

- لو نظرنا إلى فقاعة صابون عادية، من التي يلعب بها الأطفال، فسنجد أن لها شكلا كرويا دقيقا بشكل مبهر حقا، فهل تلك الفقاعة صنعها مهندس بارع، أم أنها شكل عشوائي صادف تلك الدقة الكروية؟

لا هذه ولا تلك، وإنما ما حصل أن ضغط الهواء داخل الصابون بطبيعته يميل إلى التساوي في جميع الإتجاهات، مما ينتج شكلا كرويا بديعا..

- بل تصور السيناريو التالي: لو أنك قمت بتمزيق مئات القطع من الورق بأحكام عشوائية مختلفة، ثم وضعتهم داخل غرفة، وبعد بضعة دقائق دخلت الغرفة فوجدت أن الورق جميعه متكتل في ركن واحد من الغرفة، والأركان الأخرى فارغة، ليس هذا فقط وإنما وجدت الأوراق مرتب حسب الحجم، فالأوراق الصغيرة كامنة في أقصى الركن، تليها الأوراق الأكبر فأكبر.. الآن: هل هذا يعني أن هناك شخص واعي دخل فقام بتجميع تلك الوريقات بهذا الشكل؟

ليس بالضرورة، وإنما قد تكون هناك نافذة مفتوحة بأحد الأركان، دخلت الرياح منها فدفعت جميع الأوراق إلى الركن المقابل للنافذة، ثم إن الوريقات الصغيرة طارت أولا، تليها الأكبر فالأكبر؛ أي أن وضع الغرفة ومكان النافذة وقوة الرياح كلها قوة طبيعية تضافرت لتصنع شكلا من أشكال النظام..

- تخيل أن لدينا مجموعة من الفراشات الصغيرة المتماثلة فيما عدا ألوانها، المتدرجة بالرمادي، داكن وفاتح، ثم هب أنك تركت تلك الفراشات لأشهر من الزمن، ثم عدت فوجدت أن الفراشات الداكنة فقط هي الحية، بينما الفراشات الفاتحة جميعها قد ماتت.. ما تفسير ذلك؟ هل هي الصدفة، أم هناك كائن واعي جاء قاصدا ليفرز الفراشات؟
لا هذه ولا تلك، علما بأن هذا المثال ليس من الخيال وإنما هو حدث فعلا بانجلترا القرن 19 وصار من الأمثلة الكلاسيكية لنظرية التطور : ما حدث هو أن دخان المصانع في المنطقة تسبب في تحويل جذوع الأشجار إلى اللون الداكن، وكانت تلك الفراشات تقف على الجذوع، فحين جاءت الطيور المفترسة كانت تلمح فقط الفراشات الفاتحة ظاهرة على الجذع الداكن، بينما الفراشات الداكنة كانت أقل ظهورا فنجحت في التخفي ومن ثم البقاء، وهكذا مع الوقت جاء النسل العام داكنا..

--------------------------------------------
التنظيم الذاتي العفوي
..
Self-organization
Spontaneous order

هو مصطلح واسع يستخدم في العلوم الطبيعية والإجتماعية، ويقصد به العملية التي تشمل نشوء نظام من خلال تفاعل داخلي بين أجزاء غير منتظمة، وتتسم تلك العملية بأنها عفوية لا تحتاج إلى تحكم من عامل خارجي، وتحدث نتيجة تفاعلات عشوائية داخلية تعززها ردود أفعال إيجابية تساعد على التوجه لشكل من أشكال النظام اللامركزي - وتحدث تلك الظاهرة في عدة مجالات فيزيائية وكيميائية وبيولوجية وتقنية واجتماعية واقتصادية..

فكرة أن الآليات الداخلية لحيز ما قد تؤدي إلى زيادة في تنظيمه، هي فكرة قديمة وجدت عند الفلاسفة الذريين اليونانيين مثل ديمقريطس ولوكريتس، الذين كانا مقتنعين أن وجود ذكاء مصمم هو أمر غير ضروري لخلق النظام في الطبيعة، وقالا بأنه مع وجود مكان وزمان كافيين، فإن النظام قد ينشأ بمفرده.. ولاحقا تحدث بعض الفلاسفة عن إمكانية التنظيم الذاتي نظريا، مثل ديكارت وكانط..

وفي القرن 19 تم اكتشاف القانون الثاني للديناميكا الحرارية، والذي ينص على أن الإنتروبي (الفوضى) في زيادة مستمرة، أي أن التنظيم العام سيقل تدريجيا مع الوقت داخل نظام معزول، مما يعني أنه لكي يحدث تنظيما عفويا في مكان ما، فلابد أن يقابله تراجع في النظام في مكان آخر مرتبط به..


وفي الفيزياء تعمل خصائص التنظيم العفوي في ظواهر كثيرة يصعب حصرها، طبيعية وصناعية، مثل انتقال المادة من حالة إلى أخرى (غاز، سائل، صلب)، والمغنطة، ونمو الكريستالات، وفي الليزر، وخاصية التوصيل الفائق، وفي تشكل ندف الجليد، وغيرها..
 ومن أمثلة التنظيم الذاتي العفوي ما يسمى التجميع الذاتي
Self-assembly 
وهو مصطلح فيزيائي وكيميائي، يصف كيفية قيام جزيئات موجودة باتخاذ شكلا منظما أو نمطيا، بشكل عفوي نتيجة للتفلاعات الداخلية بين مكوناتها والتي تحركها خصائصها الطبيعية، بلا توجيه خارجي..

وفي الكيمياء نجد أن التجميع الذاتي له عشرات الأمثلة والتطبيقات، منها تشكل الكريستالات، أو تصنيع أنسجة النانو، ففي الحالتين لا يتم وضع جزيء إلى جوار الآخر، وإنما يتم الإعتماد على خاصية التنظيم الذاتي للجزيئات..

بل إن خاصية التجميع الذاتي للجزيئات، والمؤكدة بالدراسات والتجارب المعملية، تقدم لنا التفسير الأقوى لنشأة الحياة على الأرض..

كما يلعب التجميع الذاتي دورا حيويا في وظائف الخلايا، منها مثلا ظهوره في عمليات تشكل الجزيئات الدهنية (الليبيدات) التي تكون غشاء الخلية..

|وحتى على مستوى علم الإجتماع، فإن خصائص التنظيم العفوي تساعد الباحثين على دراسة ظواهر اجتماعية عديدة مثل سلوك القطيع والكتلة الحرجة والتفكير الجماعي..


وللتنظيم العفوي أهميته القصوى في فهم آليات الإقتصاد وكيفية عمل الأسواق، حيث ينشأ نظام اقتصادي كامل من خلال تفاعلات لأفراد لم يقرر أحد منهم شكل ذلك النظام، فلا هو نظام عشوائي ولا من وضع مخطط أعلى..

وتعد نظرية التطور- خاصة آلية "الإنتخاب الطبيعي"، أحد أهم تطبيقات التنظيم العفوي في الطبيعة، كما ذكرنا في مثال الفراشات.. حيث أن سعي كل كائن للبقاء يؤدي إلى نظام عام لتغير شكل النوع، كما يؤدي إلى أشكال من التوازن البيئي والعلاقات المنظمة بين الأنواع وبعضها..
--------------------------------------------
- لعبة الحياة (كونواي)
Conway's Game of Life

هي لعبة محاكاة حاسوبية للخلايا، ابتكرها الرياضي البريطاني جون كونواي في 1970، والملاحظ أنها لا تحتاج إلى أي لاعبين، وإنما هي تقوم على التطور التلقائي ابتداءا من الظروف الأولية..


العالم باللعبة عبارة عن مصفوفة ثنائية الأبعاد مكونة من مربعات صغيرة لامتناهية، لكل مربع حالتين فقط: حي أو ميت.. كما أن كل مربع يتفاعل مع المربعات الثمانية المحيطة به، بناءا على أربع قواعد محددة:
أي خلية حية لها أقل من جارين، تموت (وكأنما بسبب الوحدة)..
أي خلية حية لها جارين أو ثلاثة تستمر بالحياة إلى الجيل التالي..
أي خلية حية لها أكثر من ثلاثة جيران تموت (وكأنما بسبب الإكتظاظ)..
أي خلية ميتة يحيط بها ثلاثة جيران تصبح حية (وكأنما هي عملية ولادة)..
وتبدأ اللعبة بالوضع الأولي، وينشأ الجيل الأول عن طريق تطبيق القواعد المذكورة بشكل منفصل على كل خلية، فيموت البعض ويحيا البعض، فكل جيل هو نتاج الجيل السابق..

وترينا اللعبة كيف يمكن إنتاج عددا لا نهائيا من الأشكال المذهلة، والمنظمة، من بدايات بسيطة للغاية
ويمكنك تجربتها بنفسك هنا..

أغاليط شائعة





من متابعة النقاشات لاحظت أن بعض الإخوة تختلط عليهم مفاهيم بسيطة وأساسية، مما ينتج عنه أشكال من سوء الفهم..

-----------------------------

منها مفهوم "المتوسطات الإحصائية"، فيتم الخلط بينها وبين التعميم..

فحين يقال- مثلا- أن السود أطول قامة من الشرق آسيويين، فهنا لا يصح تفنيد ذلك باستحضار آسيوي طويل وأفريقي قصير، إذ أن صاحب الإدعاء لم يقصد أن كل أسود هو بالضرورة أطول من كل آسيوي، وإنما المقصود هو مقارنة المتوسط العام بين الفئتين، على سبيل الإحتمال العام وليس الشمول..

كذلك حين يقال أن الدين مسألة وراثية، فهنا لا يصح الرد على ذلك بذكر أسماء فلان أو علان ممن غيروا دينهم، بل وحتى لو ذكرنا الآلاف ممن بدلوا أديانهم الموروثة، فستظل تلك الأعداد قليلة بالنسبة للمليارات الذين يموتون على الدين الذي ولدوا عليه - وبالتالي فنحن نتحدث هنا عن ادعاء إحصائي يتم نقاشه بالإحصاء وليس باستدعاء حالات معاكسة..

-----------------------------

هذا يرتبط بمفهوم آخر هو "تعدد العوامل": فحين يذكر تأثير عامل ما على أحد الظواهر، فهذا لا يعني أنه العامل الأوحد، كما لا يعني أن تأثيره مطلق..

فحين يتم الربط مثلا بين شرب الخمر وبين حوادث السيارات، فلا يصح تفنيد ذلك بذكر أنه ليس جميع من يشرب الخمر يرتكب حادثة، أو القول أن ليس كل من يرتكب حادثة يكون سكرانا وكأن الخمر هي الدافع الأوحد للحوادث، فكلا القولين صحيح ولكنه لا يفند الإدعاء- لأن الربط هنا إنما يعني أن هناك علاقة إحصائية احتمالية بين الأمرين فحسب، أي أن نسبة من يرتكبون الحوادث من السكارى أعلى نسبة (وليس عددا) من أولئك الذين يرتكبون الحوادث وهم غير سكارى.. كما يمكن أن يعني أنه كلما زادت كمية ما يشربونه كلما زادت احتمالية (وليس حتمية) ارتكابهم للحوادث..

وحين يقال أن عقيدة معينة ترتبط بممارسات إرهابية، فهذا لا يعني أن كل من يعتنق تلك العقيدة إرهابي، كما لا يعني أن كل إرهابي لابد وأنه يعتنق تلك العقيدة وكأنها الدافع الأوحد للإرهاب، وإنما يعني أن ثمة علاقة إحصائية، أي أن نسبة من يمارس الإرهاب تحت تلك العقيدة هي نسبة أعلى ممن يمارسون الإرهاب بدون تلك العقيدة.. كما يمكن أن يعني أنه كلما ازداد الشخص تعمقا في تلك العقيدة كلما زادت احتمالية (وليس حتمية) ممارستهم للإرهاب.. وبالتالي فذكر أشخاص من تلك العقيدة لا يمارسون الإرهاب، أو ذكر إرهابيين لا يعتنقون تلك العقيدة، كلاهما (على صحته) لا يفند الإدعاء..

-----------------------------

مفهوم آخر مهم هو أن العكس ليس دائما صحيحا..

أذكر نقاشا لمبشر مسيحي، سأله أحدهم: ما الدليل أن الكتاب المقدس من عند الله؟ فكان جوابه أن خلو الكتاب من الأخطاء العلمية يعتبر دليلا على أنه من عند الله، ولما أبدى المحاور اندهاشه من ذلك المنطق، بادره المبشر قائلا: أليس لو وجدنا خطئا في الكتاب ستعتبره دليلا أنه ليس من الله؟ نعم،

وإذن بالتالي لو لم تجد خطئا في الكتاب فهذا سيثبت أنه من الله!

بالطبع هو منطق ساقط، يشبه أن أقول لك أنني أعمل في وكالة ناسا للفضاء، والدليل أنني أعرف عدد كواكب المجموعة الشمسية.. والمنطق كالآتي: إذا أنت سألتني عن عدد كواكب المجموعة ومنحتك جوابا خاطئا، ألن يعني ذلك أنني لا أعمل في ناسا وإلا لما جهلت معلومة بتلك البساطة، أليس كذلك؟ بلى - وإذن فالعكس صحيح: إذا أجبتك بالصواب فلابد أنني أعمل بناسا!

وسبب سقوط المنطق أن العكس ليس دائما صحيح، حين أقول- مثلا- أن أغلب الأطباء أذكياء، فإن هذا لا يعني أبدا أن أغلب الأذكياء أطباء - بل إننا نتحدث عن ادعائين مختلفين، قد يصح أحدهما دون الآخر، كما أن نفي أحدهما لا ينفي الآخر..

الجمعة، 1 مارس 2019

الخجل من المقدس





من أشهر الإنتقادات لمحمد أنه مزواج شهواني، وبعض ما يقال يكتب بصيغة معينة أعرف أن المتكلم مسيحي - يعتبر الجنس نجاسة وأن الشهوة بحد ذاتها عيب ونقيصة في الإنسان..

ولكن من وجهة نظر إنسانية فالأمر يختلف تماما: الشهوة ليست عيبا..

وما يستحق الإنتقاد في سلوك محمد وصحابته والمشايخ ليس الجنس بحد ذاته، وإنما بالأساس النفاق والظلم : أي ادعاء العفة والزهد وأمر الشباب بالصوم ثم ممارسة الدعارة والمتعة بشكل مفتوح، ثم فعل ذلك بالغزو والقهر والإستبعاد واحتقار النساء..

وأما لو أنهم لم يمارسوا النفاق والظلم، وقضوا حياتهم يستمتعون بالجنس بأي شكل، فلا يوجد في ذلك عيبا ولا نقيصة من الناحية الإنسانية..

على الجانب الآخر، من أشهر الإنتقادات الإسلامية للمسيحيين هو النص الأشهر بالكتاب المقدس: نشيد الإنشاد، بما فيه من غزل جنسي إباحي..

ولكن من وجهة نظر إنسانية فالحب والغزل- العفيف أو الجنسي- هو أمر مقبول بل مطلوب وجميل..

وما يستحق الإنتقاد في موقف المسيحية من الجنس فهو ليس الإباحية وإنما العكس: التضييق والفوبيا التي تجعل الشهوة نجاسة والنظرة جريمة والمرأة مخلوق أدنى تابع للرجل..

وياليت كتبهم المقدس امتلأت بالحب والغزل بكل أنواعه، بدلا من الغزو والقتل والخرافات والتعصب والإدانة والتهديد بالهلاك والجحيم..

أسئلة عن الحضارة





البعض يتصور أن التقدم العلمي والحضارة الإنسانية هي مسيرة بدأت منذ القدم وتستمر صاعدة خطوة بعد أخرى مثل درجات السلم، وأنها بالتالي جاءت نتيجة تراكم الخبرات والمعارف التي ساهمت فيها الشعوب المختلفة على مر القرون - فهل هذا حقيقي؟

أول ما يمكن ملاحظته أن البشرية عمرها نحو مائتين ألف سنة، وأما الحضارة بمعناها الشائع المركب (المدن والمباني والكتابة والفنون والتكنولوجيا والنظم السياسية والإدارية، والقانونية والإجتماعية والدينية) فيقدر عمرها بنحو ستة آلاف سنة فقط، وأما التقدم العلمي التكنولوجي فيبدو وكأنه طفرة بدأت منذ ثلاثة قرون لا أكثر..

بمعنى آخر: لو تمكنا من أخذ عينات- صور ثابتة- لمراحل التطور الإنساني، فلن نجد فوارق كبيرة بين لقطة عمرها مائة ألف سنة وأخرى عمرها ثلاثين ألف سنة، ففي الحالتين نحن أمام ذات الإنسان الجوال المتعيش على الصيد والقنص وجمع الثمار، وإنما هناك طفرات محددة حدثت في أزمنة معينة (مثل اكتشاف النار ثم الزراعة ثم الكتابة ثم الحديد وغيرها) وهي التي غيرت شكل البشر والمجتمعات، وهذا حدث ببطء شديد، وبالطبع لم يحدث على التوازي بنفس السرعة في كل مكان..

ولو انتقلنا إلى مرحلة الحضارة، والتي ترتبط بنشأة الكتابة تحديدا، فيمكننا أخذ لقطة لزمن المصريين القدماء مثلا، ولقطة ثانية لعصر الفاطميين، أي على امتداد ثلاثة آلاف سنة، فهل سنجد فوارق كبيرة بين العصرين فيما يخص تكنولوجيا البناء أو استخدام الأدوات أو الطب أو الفنون أو حتى الأسلحة؟ على الأرجح لا، بل وربما ينحاز البعض إلى الزمن القديم فيراه أكثر تطورا - إذن فنحن لسنا أمام درجات سلم بحال من الأحوال..

ولو أننا تذكرنا مثال الفورة العقلية في العصر الذهبي للإغريق، وقارناه بالعقلية السائدة في أوروبا العصور الوسطى، فسنكتشف أيضا أن الحضارة لا تسير إلى الأمام دائما، فقد تتراجع العقول أحيانا وتضيع التكنولوجيا، وقد ينحط الناس إلى الخرافة والجهل بعد أن مروا بفترات من العلم والعقلانية، وقد تتسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية في تدمير مجتمعات وحرق كتب وقتل علماء وتدمير مراكز معرفية وفلسفية..

ولو نظرنا إلى النهضة العلمية الحديثة، بداية من التنوير في القرن السابع والثامن عشر ثم الثورة الصناعية في التاسع عشر وحتى ثورة الإتصالات التي نعيشها، فسيتوجب الإعتراف أن النهضة التي نعيشها اليوم هي نهضة أوروبية\أمريكية تحديدا، ليس فقط لأنها بدأت من أوروبا، ولكن لأن جميع الدول التي نجحت في أخذ بعض أدوات التقدم بعد ذلك، في آسيا مثلا، قد فعلت ذلك عن طريق واحد لا غير وهو التعلم المباشر واستلهام الفكر أو التكنولوجيا من الغرب - ولا يوجد استثناء واحد لبلد تقدم بشكل مستقل بدون الأخذ عن النهضة الأوروبية: اليابان الصين روسيا الهند تركيا..إلخ، كل تلك البلاد قرر حكامها- أو أُجبرها المستعمر - في لحظة ما بالقرن التاسع عشر أو العشرين أن تستورد الحضارة الغربية استيرادا، ولهذا حققت بعض النجاح، وبعضها تفوق على كثير من الدول الغربية ببعض النواحي..

إذن، فلو كانت الحضارة- كما يقولون- هي درجات سلم متصاعد لتوقعنا أن نرى بعض التدرج والإستمرارية والتناغم في ذلك الصعود، ولو كانت الحضارة - كما يقولون- هي عملية تراكم إنساني، لتوقعنا أن كل شعب يتمكن من التقدم عن طريق تطوير تراثه الخاص، ولكن هذا لا يحدث، فالحقيقة المزعجة لكل من يتفاخر بحضارته هي أن الحضارة الحديثة، كما تمتد جذورها من القرن الثامن عشر- هي طفرة غربية، ولا يمنعنا من الإعتراف بذلك إلى نزعة الكبر والإعتزاز الطبيعي لكل شخص بحضارة أجداده..

وهنا يجدر ملاحظة شيء آخر مزعج لمحبي الإنسانية والمساواة، وهي أن ليس كل الشعوب تسهم في الحضارة أصلا، وإنما هناك قبائل عديدة حوال العالم في الغابات والصحاري الرملية والجليدية لم يسهم أفرادها بشيء في مسيرة التقدم هذه، وإلى اليوم ربما مايزالوا يعيشون بنفس نمط حياتهم - في الملبس والطقوس والمعتقدات- كما كان الحال من عشرات الآلاف من السنين - وهذا لا يعني بالضرورة أنهم سيئون أو أقل سعادة، وإنما فقط أقل تقدما ومساهمة بالتقدم..

ولكن ألم يستفد الغرب من منجزات الحضارات الأخرى، مثل الإسلامية، كما يحلو لنا القول؟

نعم، يمكن القول أنهم استفادوا بالتراث الإسلامي وما نقله وطوره عن اليونانيين، ولكن الحقيقة أن ذلك التراث كان موجودا منذ البداية عند المسلمين، ومن قبله عند اليونانيين، وظل ذلك الحال لمئات السنين، فهنا يكون السؤال: ما هي الوصفة السحرية التي أضافتها أوروبا للمكون التراثي، ولم تكن متوفرة عند الآخرين، فجعلت الطفرة الصناعية والرأسمالية تحصل؟

أو لنسألها بصيغة أخرى : ما هو الخط المنطقي الذي يمكن أن يأخذ من كتابات أرسطو أو ابن سينا أو الفارابي، فيصل إلى صواريخ الفضاء والإنترنت ووتكنولوجيا النانو والسيارة ذاتية القيادة والذكاء الصناعي والخلايا الجذعية؟

نعم بالطبع في الماضي كان هناك ومضات معرفية مبهرة، لكنها جاءت نتيجة عبقرية شخصية أو حتى تخمين ذكي، ولكن المهم أنها لم تستمر ولم تتفاعل لتؤدي إلى النتائج المركبة التي نطلق عليها تكنولوجيا حديثة، ولهذا مثلا قال طاليس منذ زمن طويل أن الماء هو أصل الموجودات، وهو تخمين ذكي، ولكن مقولته لم تتحول إلى حقيقة علمية تفيد البشرية وإنما ذابت إلى جوار مقولات أخرى أقل علمية، وكذلك نجد أن ابن الهيثم مثلا استخدم المنهج العلمي التجريبي ببراعة، ولكن هذا لم يجعل المنهج يتم ترسيخه وتعميمه بعد موته - فيجب الحذر من الخلط بين الومضة المعرفية والنهضة الحضارية..

أما الحضارة فلا يصح القول أنها جاءت نتيجة تراكم معرفي، فنحن لم نجد هذا التراكم يحدث بالماضي، إذ أن القرون الوسطى لم تكن أفضل بكثير مما سبقها، بل وربما أسوأ في بعض الجوانب كما ذكرنا، بل إن النهضة الحديثة ولدت في ثلثمائة سنة فقط، بينما القدماء - الذين كان لديهم ذلك التراث وربما أفضل لم يصلنا - كان لديهم عشر أضعاف ذلك الزمن، وكان أمامهم كل التراث الذي يزعم البعض أنه أصل الحضارة، فلماذا استمروا في الدوران ولم يجدوا درجات السلم الصاعدة نحو الفضاء؟

حديث التراكم هنا يذكرني بنكتة قديمة عن الصحافي الذي كان يقيم حوارا مع مليونير كبير بدأ من الصفر، فسأله بشغف: ما سر ثروتك الكبيرة سيدي؟ فتنحنح المليونير وأجاب: إنها قصة طويلة يا ولدي، سأحكيها لك، فقد كنت معدما فقيرا لا أملك في جيبي سوى سنتا واحدا، فاشتريت به تفاحة وقمت بغسلها جيدا حتى صارت لامعة وبعتها بسنتين، اشتريت بهما تفاحتين وقمت بغسلهما جيدا وبعتهما بأربعة سنتان، اشتريت بهم أربع تفاحات وقمت بغسلها جيدا لأبيعهما بثمانية سنتات.. وفي تلك الأثناء توفى عمي سميث وترك لي ثورته البالغة خمسين مليون دولار!

أما عن سؤال "لماذا تقدمت أوروبا قبل أمم أخرى ربما كانت لديها إمكانيات مشابهة بالقرن السابع والثامن عشر (الصين مثلا)؟"، فهو سؤال ليس سهلا، ويتناول ظاهرة معروفة تسمى بالتباعد الأوروبي - مصطلح صكه صمويل هنتنغتون وصار عنوانا لكتاب لكينيث بوميرانز- أو المعجزة الأوروبية - وهو عنوان كتاب لإيريك جونز- والكتابات يناقشان نفس السؤال..

يحتمل وجود عوامل عديدة: فهل السر يكمن في الإستعمار مثلا ونهب خيرات الشعوب؟ هذا يجعلنا نخلط السبب بالنتيجة، فالحقيقة أنه لولا التقدم التكنولوجي لما تمكنت أوروبا من استعمار العالم القديم، فهل السر في الإختراع العبقري المسمى المؤسسات التي تضمن استمرارية العمل بشكل يفوق عمر الأفراد؟ هل السر في الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ أم أن التقدم الفكري جاء نتيجة للتقدم الإقتصادي الذي أدى لارتفاع مستوى المعيشة؟ هل السبب هي اختراعات معينة مثل البوصلة التي ساعدت في اكتشاف العالم الجديد، أو السكك الحديدية التي جعلت نقل البضائع أسهل وأسرع، أو البارود الذي مكنهم من النصر في الحروب، أو الطباعة التي نشرت المعرفة بشكل غير مسبوق؟ لا شك أن هذه الإختراعات ساعدت على التقدم، ولكن يظل السؤال : ما الذي جعل تلك الإختراعات تظهر في أوروبا وفي تلك الفترة تحديدا؟ هل هي مجرد صدف سعيدة أم أن تلك المخترعات هي نتيجة للنهضة قبل أن تكون سببها؟ وحين ظهرت، فما الذي لم يجعلها مجرد ومضة أخرى مثل ومضات الماضي تظهر ثم تختفي؟

لنلاحظ أولا أنه لو تصورنا الحضارة كتراكم معرفي فلن يكون للسؤال أي معنى أصلا، وإنما هنا يكون التقدم مسألة طبيعية تحصل مع مرور الزمن، وهو تصور خاطئ تماما كما رأينا، مما يجعل السؤال "لماذا؟" هو سؤال وجيه يستحق البحث - ووجاهة السؤال هي ما يعنيني إثباته هنا، بأكثر مما تهمني إجابته..

لا شك أن الجواب صعب، وأن عوامل تقدم أوروبا مركبة ومتداخلة وبعضها قد لا يخطر بالبال، فعلى سبيل المثال هناك عامل محوري لقيام الثورة الصناعية وهو الفحم، فربما لولا توفره طبيعيا بإنجلترا لما حدثت النهضة التكنولوجية - ولكن ألا يوجد الفحم في الصين مثلا؟ بلى، ولكنه موجود في المناطق الشمالية، بينما أكثر المدن آنذاك كانت مركزة في الجنوب - لماذا أكثر المدن مركزة بالجنوب؟ سبب ذلك هو الهجمات المغولية بالقرن الثالث عشر والتي دمرت الشمال وأزاحت المدنية الصينية جنوبا - فهل لولا هجمات المغول كان يمكن أن نشهد الرأسمالية الحديثة تظهر بالصين قبل أوروبا ويتغير وجه التاريخ كله؟ من يدري؟

لكن بالنهاية الفحم هو أداة وليس سببا، وقد كان موجودا على الدوام وهو لا يكفي وحده لصنع النهضة، وكذلك الحال مع بقية الموارد وأيضا مع التراث ومع البشر، فما الجديد هنا؟

ربما الجواب يكمن في تضافر العوامل المذكورة هنا، فيمكن القول أن الإتحاد السياسي والمخترعات العلمية وانتشار المعرفة واستكشاف العالم الجديد والرفاهة الإقتصادية هي كلها عوامل ساعدت بعضها البعض، فصنعت تلك الخلطة التي نسميها تقدما حضاريا..

وأما الجانب الفكري للمسألة، والذي أظن أنه حجر الأساس لتلك النهضة، فهو ما يمكن أن نسميه : الغربلة..
الملاحظ أن النهضة اقترنت ليس فقط بتبني أفكار معينة، والتي معظمها وجد قبلا بالتراث، فربما لا جديد تحت الشمس، وإنما الأخطر بنظري أنها اقترنت باستبعاد أفكار معينة، وتحديدا الخرافات والأساطير التي كانت تشكل الجانب الأكبر من الفكر الإنساني - وإن لم نقل أن البلاد التي تقدمت قد نبذت الخرافات بالكامل، فيمكن القول أنها نجحت في تنحيتها جانبا بحيث تظل معتقدا مسالما شخصيا لا يؤثر كثيرا على سير ماكينات السياسية والإقتصاد والتصنيع وحتى الفكر والثقافة، والتي تميزت بسمة العلمانية أي إدارة الأمور وفقا لقواعد نفعية منطقية بعيدا عن المقدسات والأهواء والأمزجة..

التفكير العلمي هو الذي يجعل البشر يفسرون الأمور بشكل طبيعي لا غيبي، فيبحثون عن كيفية حدوث الأشياء بدلا من نسبتها إلى قوى خارقة خفية، وهو يجعلهم متقيدين بالواقع يعرفون الحق ليس بالوحي أو بالنصوص أو حتى بالتفلسف المجرد وإنما بالحس والتجربة التي يقودها العقل النفعي، وهذا بالتالي يجعلهم قادرين على التعلم من أخطائهم، فيدركون أن الهزيمة ليس سببها لعنة إلهية أو خطايا جنسية وإنما سببها قصور في جوانب معينة يمكن معالجتها، ثم أن هذا التفكير العلمي يجعلهم متحررين من أي مفاهيم مقدسة بحيث يكونوا قادرين على تغيير نمط حياتهم بمرونة بما يضمن لهم كفاءة أفضل، كما يجعلهم راغبين في الإستفادة من كل التجارب والخبرات المتاحة بغض النظر عن مصدرها، فيعمل الجميع من كل الأجناس والمعتقدات داخل المجتمع الواحد، ويكون المعيار الأوحد هنا هو النتائج العملية على الأرض..

الإله المسيحي يريد عبيدا أيضا




بعض الإخوة المسيحيين ينتقد الإسلام لأنه يجعل البشر عبيدا لله، ويزعم بالمقابل أن الكتاب المقدس يجعل البشر "أبناء الله" وليسوا عبيدا..

والحقيقة أن هذا كذب صريح، ويمكن إثبات ذلك بالإحالة لإصحاح واحد فقط من الكتاب المقدس، وهو أخبار الأيام الثاني، 6..

حيث أنقل (أيها الرب إله إسرائيل، لا إله مثلك في السماء والأرض، حافظ العهد والرحمة لعبيدك السائرين أمامك- الذي قد حفظت لعبدك داود - احفظ لعبدك داود أبي ما كلمته به - فالتفت إلى صلاة عبدك وإلى تضرعه أيها الرب إلهي، واسمع الصراخ والصلاة التي يصليها عبدك أمامك - لتسمع الصلاة التي يصليها عبدك في هذا الموضع - واسمع تضرعات عبدك وشعبك إسرائيل - واقض بين عبيدك - واغفر خطية عبيدك وشعبك إسرائيل- اذكر مراحم داود عبدك)... فانظر كم مرة وردت العبودية لله، سواء العبد هو داود أو هو الشعب كله، في إصحاح واحد..

وفي مواضع عديدة يتم وصف الأنبياء بأنهم عبيد لله، أو المسيح:

مثلا من العهد القديم: دانيال بأنه عبد الله (سفر دانيال 6: 20)،
كذلك في العهد الجديد: يعقوب عبد الله (رسالة يعقوب الأولى 1:1)،
بولس عبد الله (رسالة تيطس (1:1)،
وموسى عبد الله (سفر الرؤيا 15: 3)

كما يصف بولس جميع المسيحيين بأنهم (رجعوا الى الله عن اصنامهم ليصيروا عبيدا لإله حيّ حقيقي) (‏١ تسالونيكي ١:‏ 9)..

ولمن يحاول قلب معاني الكلمات بالقول أن العبودية هنا معناها المحبة أو القرب أو حتى التحرر(!)، فيمكن الإشارة إلى نص آخر في (كورينثوس الأولى 6: 20) يقول فيه بولس للمسيحيين (لأنكم اشتريتُم بثمن)، فالعبودية هنا هي الخضوع والتبعية التامة لسلطان الإله، تماما كما هو الحال في الإسلام..