
يقول
محمد عن الإيمان بالقدر (تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن
ليخطئك)، (وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ
يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ
اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ
يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ)
وقبل
غزوة بدر يحكى (فاستقبل نبي الله القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللهم
أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل
الإسلام لا تعبد في الأرض)
اقتباسا من الإعلان الشهير: انت مو انت وانت داخل حرب..

بسم الله، الرد على شبهة الرق في الإسلام :
يا إخوة، الإسلام لم يكن باستطاعته منع العبودية دفعة واحدة بسبب ظروف
اجتماعية واقتصادية، وبالتالي فقد وضع الله خطة عبقرية لإنهاء الرق
تدريجيا..
وتتمثل الخطة في أن لا يفعل المسلمون شيئا لمنع العبودية
طوال 1400 سنة، حتى يقوم الغرب الكافر بالقضاء على الرق، ومن ثم ينسب
المسلمون الفضل لأنفسهم..

من القوانين المهمة في الحياة أن القيمة ترتبط طرديا بالندرة،
والشيء المتاح المشاع يفقد قيمته مهما كان ضروريا..
هذا القانون لا يعمل على المستوى الإقتصادي فحسب، ولكن على مستوى المشاعر والتعامل الإنساني أيضا..
فقيمة "الإحترام" مثلا لا يجب منحها لكل شخص ولكل فكرة.. فلا أتفق مع
الذين يدعون لاحترام جميع العقائد، لأنه في تلك الحالة نبدو وكأننا نسوي
بين الصواب والخطأ، الحق والباطل، المنطقي والعبثي، والعلم والخرافة، أو
بين الخير والشر..
وحتى "الحب" لا يكون للجميع.. فمثلا لا يمكنني
الإعجاب بإله يقدم محبته بشكل غير انتقائي إلى الضحية والمجرم، المظلوم
والظالم، ولا أرى في ذلك عظمة أو حكمة، وإنما اعتباطية وظلما وحماقة..
كذلك "التقارب" والألفة لا يستحقها الجميع.. ولم أستسغ أبدا ذلك الشخص
الذي يحرص على إزالة كل كلفة في كل تعاملاته، بل إن الحواجز المعنوية بين
البشر ضرورية حتى نمرر منها فقط من يستحق الدخول إلى دائرتنا الأقرب..
وكما أننا لا نثق بالجميع، ولا نعطي أموالنا مثلا لكل من هب ودب، وإنما
فقط لمن يستحق أو سيؤدي لنا خدمة جيدة بالمقابل، فكذلك مشاعرنا لا يجب أن
تكون مجانية رخيصة، وإنما يجب أن تكون انتقائية نادرة وغالية..
أما
لو أننا قدمنا الإحترام والحب والتقارب للجميع بلا تمييز، فهذا يعد أكبر
امتهان لتلك القيم ذاتها، واستهانة بكل من استحقها عن جدارة..
بالطبع هي ليست دعوة لتوزيع الإحتقار والكراهية والجفاء بين الناس، بل هي
دعوة للإنتقائية والتدرج، فإن كان من الجيد منح بعض القيم بسهولة للجميع
تقريبا على السواء (مثل الإنصاف والتهذيب وبعض اللطف) فهناك بعض القيم
الأسمى والأخص، والتي يتوجب منحها فقط لمن يستحق التميز بها..

يتساءل البعض: إن لم يكن هناك إله فمن يحاسب المخطئ والمجرم والشرير؟
وهي مغالطة تعرف بإسم "تفكير الأمنيات".. طالما أريد الشيء فلابد أن يكون
حقيقيا..
على أساس أن الكون الواسع ملزم بتلبية طموحات وأحلام تلك القردة
العليا الساكنة على إحدى أذرع مجرة ضمن مئات المليارات من المجرات..
وكان ينبغي أن يكون السؤال: إن لم يكن هناك إله فمن يمنع المجرم من ارتكاب جرائمه؟
ولكنهم لا يسألونها بهذا الشكل.. لماذا؟ لأنهم يرون بوضوح إن إلههم لمن
يمنع مجرما في حياته، فهو جالس في سمائه يراقب، لا يمنع الشرور ولا يوقف
الظلم..
رأينا ونرى الحروب والمذابح والمحارق والكوارث الطبيعية
والفوضى والظلم والإستغلال والعبودية والإغتصاب.. وكل من له عينان يرى أنه
لا يوجد أي عدل أو نظام، باستثناء المحاولات الناقصة التي يقيمها البشر
لأنفسهم، وأما الآلهة فلا تنفع ولا تضر..
ولهذا حين تحدث مصيبة،
فكلنا - مؤمنين وغير مؤمنين- نطمع بجهود البشر حصرا: الأطباء وجهود الإغاثة
المؤسسية وحتى الفردية، ولا يوجد عاقل ينتظر نزول ملاك من السماء لإطفاء
حريق أو دعم لاجئين أو إعادة إعمار منطقة متهدمة.. ولهذا حين نجد مصيبة لا
يتدخل أحد لوقفها، نقول أن الضحايا "لهم الله"، وهو تعبير عن يأسنا من أن
يتدخل أحد لإنقاذهم..
ولو كان الله يفعل شيئا، لكان تعبير "لهم الله" يعني أننا مطمئنون أنه لن يحدث لهم سوء، ولكنه يعبر عن النقيض تماما..
فلو كان إلهك موجودا، فلماذا يترك الشرور تحدث؟ (ناهيك طبعا عن الشرور الطبيعية التي يحدثها هو، إن كنت تؤمن به)..
هل من باب الإختبار؟ وهو يعرف النتيجة؟ هو يترك مجرما يغتصب طفلة ويقتلها،
ويجلس على عرشه يتفرج على استمتاعه وألمها، وعلى شعورها الجارف بالوحدة
والخوف بشكل لا يمكن لأحد منا تخيله، وذلك حتى يختبر البشرية، وهو يعلم
تحديدا ما سيحصل؟
فإن كان كل ما نراه هو الظلم وسكوت ربك عليه، فما
يضمن لنا أنه سوف يحقق العدل يوما ما؟ ما أدراك أنه رحيم أو يريد العدل
أصلا؟ هل ترى أي إشارة على تلك الرحمة وذلك العدل؟
كونك تشعر بقسوة
الدنيا، وتعترف بوجود الظلم فيها، وتحيل الرحمة والعدالة إلى عالم غيبي
مستقبلي تتصور أنه يأتي بعد الموت.. كل هذا يشكك في صحة إيمانك، ولا
يؤكده..
بالطبع هناك ظلم في الدنيا، ولهذا اخترعنا الإله الرؤوف العادل، وتصورنا أنه سيعوض كل آلامنا ويصلح كل ما تعرض للكسر فينا..
ولأننا لا نرى أي تأثير لوجود ذلك الإله، فلا هو يشفي المرضى ولا ينقذ
القتلى ولا يوقف المجازر ولا يمنع المظالم.. فقد افترضنا أنه سيتدخل في
لحظة ما قادمة.. متى؟ بعد أن نموت جميعا! حينها سيحضر المغتصب ويعاقبه
بشدة، وربما يحضر الطفلة الضحية ويكافئها.. (باستثناء طبعا لو كان المغتصب تاب ومات على دينك، وكانت الطفلة على دين مخالف، فحينها سينعكس الوضع، فياله من عدل إلهي منتظر!)
ولو نظرت إلى السيناريو الديني فستجد أنه يتسم بجميع سمات الكذبة، ويتصرف
كالنصابين والدجالين تماما.. فهو يغريك بكل ما تفتقده في حياتك، ويعدك بأنه
سوف يتحقق مستقبلا، ثم إنه يحيل كل ذلك إلى مكان لا يمكنك أن تراه أبدا،
بعد الموت!.. وذلك حتى لا يكون بإمكانك استخدام أي منطق أو الإستناد إلى أي
شواهد لتكذيب كلامه..
ويفعل ذلك في كل شيء: فالله في السماء، أو
خارج الزمان والمكان.. والملائكة والشياطين مختفين لا يمكن رؤيتهم..
والمعجزات كلها وقعت في الماضي السحيق..
والعدل والرحمة والخير والسلام
الإلهيين، كلهم قادمون بعد الموت إن شاء الله.. فقط كن مطيعا واغلق عقلك
وانبذ الشك واقبل هراءنا وتمسك بعقيدتنا الآن، ثم فور أن تواري جثتك التراب
سوف تلقى كل ما تريد، صدقني..
لو كنت قدمت لنا دليلا هنا والآن، لربما صدقناك في ما تعد به في المستقبل..
ولو كان هناك شواهد على وجود ربكم، تتعلق بالعدل والرحمة، لما احتجتم إلى التحجج بظلم الدنيا لإثبات وجوده!

من حين لآخر نرى صورة موضة مقرفة ما: شخص يشوه وجهه عمدا أو يرتدي أقراطا في أنفه أو يرسم وشومات بارزة قبيحة،
ويكتب تحت الصورة "حرية شخصية؟"
ويبدو أن الرسالة المقصودة هي الإحتجاج على "فوضى الحرية الغربية
العلمانية الكفرية غير المسئولة والتي تنتج هذا القبح والقرف..إلخ"..
المغالطة الواضحة هنا هي الإحتجاج بالعاطفة، وكأن الناشر يريد إثارة
اشمئزازك لكي يجذبك إلى موقفه (الديني أو الإجتماعي أو حتى السياسي)..
وكأنه يريد أن يقول: طالما هي مقرفة أو مزعجة بصريا فهي إذن ليست حرية..
والجواب البسيط: نعم، بل هي من صميم الحرية..
ولو كنت تتصور الحرية وكأنها سمة ملائكية وردية لا تحتوي إلا على ما هو جميل ومشع ومبهج، فأنت واهم مخدوع..
لأن الحرية -بالتعريف- لابد أن تشمل، إلى جوار العظيم والجيد والذكي، أيضا
المقرف والمزعج وغير المريح، بل وتشمل الأحمق والسخيف والتافه، طالما لا
يحتوي اعتداءا على الآخرين..
ولو أن الحرية شملت - فقط وحصريا- ما يسعدك ويرضيك، فهي ليست حرية..
ولو أنك تقبلت فقط ما يسعدك ويرضيك فلا يصح أن تسمي نفسك مؤمنا بالحرية..
ويكون السؤال: إن كانت الحرية تنتج سخافة وقبحا فلماذا نتمسك بها وندافع عنها ونعتبرها أمر عظيما؟
والجواب لأننا نقيم الحرية بتقييم مجمل نتائجها، فهي حق من حقوق الإنسان
تتيح له الحياة باستقلالية ومسئولية ونضج، وهي أداة عظيمة لتقدم المجتمعات
عن طريق النقد والنقد المتبادل للأفكار والأنظمة، وتعلمنا التجربة أن
مكاسبها أكثر من مساوئها..
فالحرية لا تعصم الناس من الخطأ، بل هي
تتضمن حرية ارتكاب الخطأ، ولكنها تعطي فرصة للناس أن يتعلموا من أخطائهم،
وتمنحهم فرصة لتحمل مسئولية أفعالهم..
ولأن الحرية وحدة مترابطة
يصعب تقسيمها لأخذ الجيد وترك السيء، فبمجرد أن تقرر ممارسة الغربلة
والإنتقائية فهذا يعني أن تضع جهة ما حكما مهيمنا على ألسنة الآخرين
وآذانهم وملبسهم ومأكلهم، وتكون النتيجة أن تلك الجهة - المكونة من بشر
بطبيعة الحال، لهم أغراض- لا تتسم بالحياد، وإنما ستستخدم تلك القوة لتحقيق
أغراضها ومصالحها..
ولأن البديل عن الحرية ليس نصف حرية وإنما
طغيان تقوم به الجهة التي تملك التحكم في البشر، فتحول البشر إلى أطفال قصر
خائفين منافقين خاضعين تابعين لها، لا يملكون حتى التفكير إلا بما تقرره
لهم تلك الجهة..
وهذا الوضع الإجتماعي والسياسي هو - صدقني - أكثر قرفا وأكثر ضررا بكثير من قرط بالأنف أو وشم بارز..

ربما لأننا لا نكاد نفهم معنى الحرية..
في تراثنا القديم: الحرية هي نقيض العبودية، وترتبط بالمكانة الرفيعة والشرف..
وفي تراثنا الحديث: الحرية هي نقيض الإستعمار، وترتبط بزوال المحتل..
أما الحريات الشخصية: حرية الفكر والتعبير والحركة والعمل والدراسة والجنس، فما نزال ننظر لها بنظرة ريبة..
فطالما الفكر التقليدي يربط الحرية بالتمرد (تمرد العبد على سيده، أو تمرد
الشعب على مستعمره)، ذلك التمرد الذي كان يستدعي صداما وربما حروبا (مثل
حروب العبيد أو حروب الإستقلال) فنحن بالتالي نسقط تلك النظرة على من يطالب
بحريته وكأنه ينوي التمرد وإعلان الحرب على المجتمع..
ولذلك
نرتعب بشكل خاص من تعبير "حرية المرأة"، فلا نفهمه على وجه التمكين أن تدرس
وتعمل وتتحرك بشكل مستقل، وإنما نفهمه على وجه أنها ستتمرد على الأب والأخ
والزوج ومنظومة الأسرة..
وطالما أن المرأة- كما نعلم جميعا وكما
ثبت في تراثنا العزيز- هي مخلوق جنسي ناقص العقل والدين، عورة متحركة تمشي
على قدمين، من أكثر أهل النار، فتمردها هنا له معنى واحد: هو أنها ستتحول
إلى قنبلة جنسية تجري عارية بالشوارع وتزني مع كل من هب ودب..
والنتيجة مرعبة طبعا: اختلاط الأنساب، فلن نعرف العدناني من القحطاني، ولن
نعرف القرشي من الساساني، تخيل المصيبة؟ إذن كيف سنتمكن من اختيار خليفة
قرشي شرعي للمسلمين، بعد أن نتحد وننتصر على جيوش أمريكا والصين ويأجوج
ومأجوج؟
وحينها- الكابوس الأكبر الشخصي- لن أضمن تمرير جيناتي
العزيزة، فقد أفرح بإنجاب ولد أخيرا يرثني ويرث من آل يعقوب، بعد أن كنت
أخاف الموالي من ورائي، ثم بعد أربعين سنة وأنا على فراش الموت أكتشف أن
الحقيرة خانتني وأنني كنت أقوم بتربية ابن ساعي البريد مثلا، وهكذا ستختفي
سلالتي المباركة إلى الأبد كما اختفت سلالة الإمام الحسن العسكري، وكل ذلك
بسبب حريتكم الملعونة..
هذا كل ما يشغل بال أصحابنا ويرعب خيالهم الواسع..
وهو لا ينطبق على المرأة وحدها، فحرية السياسة يسموها حرية الخروج على
الحاكم، وحرية التعبير يسموها حرية الإلحاد ويتخيلون حينها أن تتحول
المساجد إلى صالات للرقص والقمار وحظائر الخنازير..إلخ..
فهم
يجدون صعوبة في الفهم خارج منطق التمرد والصراع والغلبة، والذي كان الأصل
في الماضي، حتى حل محله التعايش والتعددية بين المختلفين، ليمارس كل منهم
حياته كما يشاء بدون الإعتداء على الآخرين، وتلك هي الحرية ببساطة..
(من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر)
بغض النظر أن القصة يبدو أنها مضافة لا وجود لها بالمخطوطات الأقدم للأناجيل..
لكن ما يدهشني هو تفاخر البعض بها وكأنها تعبير عن التسامح والمحبة اليسوعية،
وحتى الآن مازلت غير قادر على فهم المغزى العظيم من القصة: الزنا جريمة
حسب العهد القديم، ويسوع أعلن إيمانه الكبير بوصايا الكتاب، بل بالغ عليها
إذ حذر ليس من الزنا وإنما من مجرد النظرة الشهوانية، ففي رأيه ماذا كان
المطلوب من الكهنة أن يفعلوا؟!
هل يتركوا الزناة دون عقاب؟ وهل ينطبق ذلك على الزنا فقط (حينها يكون يسوع تقدميا يؤيد الحرية الجنسية) أم ينطبق على كل الجرائم؟
وأي منطق في القول بأنه لكي تعاقب مجرما لابد أنت أن تكون بلا خطيئة؟ لو
طبقنا هذا الخرف فيجب إلغاء الشرطة والمحاكم والقضاء بالكامل..
وهنا أتخيل سفاحا يقتل ويسرق ويغتصب، فيأتيه شرطي يقبض عليه، فيظهر يسوع من
العدم ويقول للشرطي: انتظر لحظة، هل أنت بلا خطيئة؟ فيصمت الشرطي ليفكر:
في الحقيقة لقد نظرت أمس إلى امرأة جميلة عابرة بالطريق، ثم أنني مارست
النميمة وتكلمت عن صديق لي بالسوء.. فيرد يسوع: أوبس، يبدو إنك مخطئ مثله،
ثم يلتفت نحو السفاح بابتسامته الوديعة قائلا "اذهب ولكن لا تذبح أحدا مرة
أخرى"..
بشكل عام، أجد أن كل تعاليم يسوع ومواقفه بالأناجيل
تقريبا لا تتسم بأي منطق أو عملية، ولا تهدف إلا إلى جذب الإنتباه على
طريقة "خالف تعرف"، فهو يعاند الكهنة ويشهر نفسه بأي ثمن، ولو أن تلك
التعاليم طبقت اليوم - من أول إدارة الخد للضاربين، حتى الإمتناع عن غسل
اليدين قبل الأكل - فلن تؤدي إلا إلى كوارث وتفسخ اجتماعي..