لا..
هي ليست جوهرة وليست قارورة وليست وردة وليست زجاجة عطر وليست متاعا
وليست
سلعة وليست عورة وليست عارا وليست شرفا وليست شيطانا وليست إلها وليست
عبدة وليست سيدة وليست ملكة وليست ملك يمين وليست نجسة وليست مقدسة وليست
لعنة وليست فتنة..
هي ليست شبه إنسان تملكها وتضربها وتأمرها فتطيع كما أخبرك دينك،
وهي ليست ربة متسلطة في عينيها سر الوجود يرقص الكون إذا تبسمت كما اخبرك الشعراء..
هي مثل هو، إنسان عادي، بكل ما يتصف به البشر من عقل ووعي ومزايا ونقائص،
وحقوق.. هي شخص مثلك وتشبهك كثيرا في تكوينك ورغباتك وطموحك وطمعك وغباءك
وسخافتك وأنانيتك، في خيرك وشرك..
ولن تنصلح أمورنا بدون إصلاح
نظرتنا للأمور، والتوقف عن التعامل مع المرأة بمبالغة كاريكاتورية سخيفة،
وكأنها كائن منفصل عن الرجل، وكأنها مخلوق فضائي صعد علينا من أرض الدنس أو
هبط علينا من سماء القداسة.. ارحمونا قليلا..

الإنطباع الغالب عند أكثر المسلمين أن تلك الدعوة نشأت فجأة في فراغ صحراوي، كأنها انفجار كبير جاء من عدم..
ولكن نعرف أنه لا شيء يأتي من العدم، فمن يلقي نظرة على المتاح من المصادر
يجد أن التواجد الديني -اليهودي والمسيحي وغيره- كان قويا في شبه الجزيرة
العربية، ولدينا في المصادر الإسلامية ذاتها شواهد كثيرة على أن الإسلام هو
دعوة لها جذور متشعبة، بدأت بذرتها قبل محمد، واستمر تبلور فروعها بعد
موته بقرون..
في مرحلة ما أدركت- مصدوما- أن كل ما ورد بالقرآن
تقريبا له جذور في الديانات السابقة، خاصة اليهودية ثم المسيحية، وقد تطور
بأشكال مختلفة- بشرية تماما- حتى وصل إلى صورته في كتاب محمد: فالآلهة هي
رموز سلطة نشأت عن عبادة الأجداد والملوك، والله - إيل- هو إله سامي صار
ربا لليهود، والتوحيد هو اختراع شرق أوسطي مرتبط بمركزية الحكم، والروح هي
الرياح التي وجدوا تنقطع عن الميت، والحساب الأخروي هو إسقاط للنظام
القضائي في مصر، والجنة هي حلم الفلاحين بالإستمرار في زراعة حقولهم بعد
الموت، وجهنم هي وادي بالقدس كانت تحرق فيه القمامة ثم تم استخدامه لتخويف
العصاة والكفار..إلخ
وكل ما ذكره محمد كان موجودا لدى أهل زمنه،
خاصة اليهود، والذين تبدو علاقتهم المشبوهة به من أول لحظة، فبينما نجد أن
أقدم مصادر مسيحية تحدثت عن ظهور نبي عربي ذكرت أنه تحالف مع اليهود وتعلم
منهم، نجد أن أقدم سيرة إسلامية تحكي أن أهل يثرب- حلفاء اليهود- هم من
زاروا محمدا واتفقوا معه على تدشين تلك الدعوة.. ومن الناحية الدينية نجد
أن كل عناصر الإسلام يهودية الأصل، من التوحيد ثم أفكار الكتاب والسنة
والنبوة والوحي والطهارة والنجاسة والحلال والحرام، ثم التشريع والفقه
وأحكام كالرجم وحتى الطلاق وحتى العدة بثلاثة شهور وتحديد الزواج بأربعة هي
أحكام تلمودية..
كذلك قصص القرآن مصدرها ليس فقط التوراة، وإنما
أيضا ما يسمى الهاجاداه، وهي القصص الواردة في التفاسير الحاخامية، كما
نجدها - مثلا- في كاتب "أساطير اليهود" للويس غنزبرج، والذي يكاد يطابق قصص
القرآن في كل تفاصيلها، مثل قصة آدم ونوح وإبراهيم ويوسف وسليمان..إلخ..
وأما سيرة يسوع فمنقولة قصصها عن الأناجيل وبعضها متأخر وخرافي تماما، مثل
قصص هز النخلة والكلام في المهد وإحياء الطير من الطين، وحتى صلب الشبيه
لها وجود في أناجيل غنوصية..
كذلك قصص مثل ذو القرنين وأهل
الكهف ويأجوج ومأجوج، هي قصص سريانية ومسيحية تم تدوينها قبل الإسلام، على
أيدي أناس مثل يعقوب السروجي وغيره، وكانت متداولة شفهيا حتى وصلت إلى كاتب
القرآن..
كيف وصلته تلك القصص؟ ربما من عدة مصادر كما سنرى..
------------------------
1- بحيرى- بشارات الراهب
تتكرر الروايات في المصادر الإسلامية عن سفر محمد إلى الشام منذ صغره،
والتقاءه هناك برهبان من النصارى.. إحدى تلك الروايات مفادها أن أبو طالب
خرج مع محمد -وهو غلام صغير- في رحلة إلى بلاد الشام، وهناك تقابلا مع راهب
وتبادلا معه الحديث، والذي تضمن توقعات بنبوة محمد، كما ورد في الترمذي
ودلائل النبوة والمستدرك وتاريخ دمشق والطبقات، بأسانيد متعددة.. وفي رواية
لابن إسحاق ذكر أن الراهب اسمه "بحيرى"..
وفي العصر الأموي كتب
يوحنا الدمشقي كتابا عن "الهرطقة" تضمن أول نقد مسيحي للإسلام، فبعد أن
تحدث عن العرب قال أنه (ظهر بينهم نبي مزيف يدعى محمد. وهذا الرجل، بعد أن
اطلع على العهد القديم والعهد الجديد، وبعد أن تحدث مع راهب أريوسي ، قام
بإخترع هرطقته الخاصة، وبعد أن تسلل إلى النوايا الطيبه للناس، بإظهار تقوى
مزعومه، قام بإدعاء أن كتابا معينا قد أرسل إلية من السماء).. وربما يكون
الراهب المقصود هو بحيرى..
------------------------
2- خديجة - مبدأ الوحي
يحكى أنه حين عاد محمد خائفا من الغار، بعد أن رأى الكائن المخيف، حكى
لزوجته القصة، فبادرته قائلة (أبشر يا ابن عم، فوالذي نفس خديجة بيده، إني
لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة)، كما ورد في سيرة ابن هشام وتاريخ الرسل
والملوك للطبري والبداية والنهاية لابن كثير.. فما الذي جعل خديجة تتوقع
قدوم نبي؟
يبدو أن للقصة خلفية، ففي مصادر أخرى نقرأ ما يبدو
تكرارا لقصة بحيرى، ومفادها أن محمدا في شبابه كان قد سافر متاجرا في مال
خديجة مع عبد لها اسمه ميسرة، حتى وصلا إلى الشام، وتقابلا مع راهب في
صومعته - والذي تنبأ لهم بنبوة محمد (سيرة ابن هشام والطبقات وتاريخ الرسل
والملوك للطبري)..
بل نجد روايات عن توقعات خديجة لنبوة محمد حتى
قبل زواجهما، بل تفيد الروايات أنها قد تزوجته خصيصا لذلك الغرض، ليس
بناءا على بشرى نصراني هذه المرة ولكن بناءا على نصيحة عجيبة من يهودي؛
فيحكى أنه (كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد، فاجتمعن يومًا فيه،
فجاءهن يهودي فقال: يا معشر نساء قريش إنه يوشك أن يكون فيكن نبي، فأيكن
استطاعت أن تكون فِراشًا له فلتفعل. فحصبه النساء وقبَّحنه وأغلظن له،
وأغضت (سكتت) خديجة على قوله، ولم تعرض فيما عرض فيه النساء، ووقر ذلك في
نفسها، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات، وما رأته هي، قالت: إن كان ما
قاله اليهودي حقًّا ما ذلك إلا هذا)، كما ورد في ابن إسحاق في المبتدأ،
وفي الطبقات والسيرة الحلبية..
------------------------
3- ورقة بن نوفل - الأستاذ القس
نكمل القصة، في صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، نقرأ ما حدث بعد تشجيع
خديجة لمحمد الخائف (فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن
عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب
العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا
كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة:
يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا
الناموس الذي نزل الله على موسى).. وتختم الرواية بعبارة مهمة هي (ثم لم
ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي)..
فمن البخاري نعرف أن ورقة كان
ابن عم خديجة، وأنه اعتنق المسيحية وكان يكتب كتابات عبرانية (وفي رواية
أخرى كان يقرأ الإنجيل بالعربية).. وفي سيرة ابن هشام، عن ابن إسحاق نقرأ
(فأما ورقة بن نوفل فاستحكم فى النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم
علما من أهل الكتاب).. ومن تاريخ الطبري (وكان ورقة قد تنصر، وقرأ الكتب،
وسمع من أهل التوراة والإنجيل)..
فورقة إذن مسيحي دارس للكتب
اليهودية والمسيحية، وربما يقوم بترجمتها، كما أنه هو من أخبر محمدا أن تلك
الرؤى التي يراها هي وحي من الله يشبه ما كان يراه النبي موسى.. والأخطر
أنه عند موته توقف الوحي لفترة..
علما بأن ورقة مات بعد سنوات
من تلك الواقعة (في السنة الرابعة من بدء الوحي، حسب ما ورد في سيرة ابن
هشام والسيرة الحلبية).. وفي السيرة الحلبية نقرأ روايات عن محمد يضع فيها
ورقة في مكانة عالية بالجنة، مع تلقيبه بـ"القس"! (لقد رأيت القس في الجنة
وعليه ثياب الحرير.. وفي رواية: أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس..
إلخ)..
------------------------
4- زيد ابن نفيل - تحريم الأوثان
يحكى عنه أنه كان من كبار الحنفاء (الموحدين على دين إبراهيم) وأنه زار
الشام وتقابل مع علماء اليهود والنصارى وسألهم عن دينهم (كما ورد في صحيح
البخاري، كتاب مناقب الأنصار)..كما كان عم عمر ابن الخطاب، ووالد أحد
العشرة المبشرين بالجنة سعيد ابن زيد..
وفي صحيح البخاري أيضا
نجد حكاية مشوقة تجمع زيدا بمحمد قبل نبوته، حيث التقيا على مائدة طعام
وقدم له محمد لحما مذبوحا للأوثان، ولكن زيد رفض أن يأكل منها، فنقرأ (عن
رسول الله أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وذاك قبل أن ينزل على
رسول الله الوحي، فقدم إليه رسول الله سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها ثم
قال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله
عليه)..
وفي سيرة ابن إسحاق، السير والمغازي، نقرأ القصة بتفصيل
أكبر، لنفهم كيف أن زيد هو من نبه محمدا إلى عدم الأكل من طعام الأوثان..
(أن رسول الله قال وهو يحدث عن زيد بن عمرو بن نفيل: إن كان لأول من عاب
علي الأوثان، ونهاني عنها، أقبلت من الطائف ومعي زيد بن حارثة حتى مررت
بزيد بن عمرو وهو بأعلى مكة وكانت قريش قد شهرته بفراق دينها حتى خرج من
بين أظهرهم، وكان بأعلى مكة، فجلست إليه ومعي سفرة لي فيها لحم يحملها زيد
بن حارثة من ذبائحنا على أصنامنا، فقربتها له، وأنا غلام شاب، فقلت: كل من
هذا الطعام أي عم، قال: فلعلها أي ابن أخي من ذبائحكم هذه التي تذبحون
لأوثانكم؟ فقلت: نعم، فقال: أما إنك يا ابن أخي لو سألت بنات عبد المطلب
أخبرنك أني لا آكل هذه الذبائح، فلا حاجة لي بها، ثم عاب علي الأوثان ومن
يعبدها ويذبح لها، وقال: إنما هي باطل لا تضر ولا تنفع، أو كما قال؛ قال
رسول الله : فما تحسست بوثن منها بعد ذلك على معرفة بها، ولا ذبحت لها حتى
أكرمني الله عز وجل برسالته)..
وفي رواية أخرى (مر زيد بن نفيل
على رسول الله وعلى زيد بن حارثة، فدعواه إلى سفرة لهما، فقال زيد: يا ابن
أخي إني لا آكل ما ذبح على النصب، قال: فما رئي رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعد ذلك اليوم يأكل شيئاً ذبح على النصب)..
ورغم أن زيدا قد
مات قبل نبوة محمد فلم يسلم، فقد قال عنه محمد عبارة عظيمة، هي (أنه يبعث
يوم القيامة أمة وحده)، كما ورد في سير أعلام النبلاء..
------------------------
5- الخطباء والشعراء
قس ابن ساعدة الإيادي، من خطاباء وحكماء العرب، ولعله نصراني كما يتضح من
لقبه.. اشتهر بأقوال نثرية مسجوعة تشبه أسلوب القرآن، منها (إن في السماء
لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا ، مهاد موضوع ، وسقف مرفوع ، ونجوم تمور ،
وبحار لا تغور)، ومنها (آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت.
ضوء وظلام، وبر وآثام، ولباس ومركب، ومطعم ومشرب . ونجوم تمور، وبحور لا
تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج)..
ونجد عدة روايات عن كيف كان محمد منبهرا بقس وخطبه، والتي كان يحفظها، وكان
يطلب من الناس أن ينشدوه منها (عن ابن عباس قال: قدم وفد عبد القيس على
النبي فقال : أيكم يعرف القس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا: كلنا يعرفه يا رسول
الله. قال: فلماذا فعل؟ قالوا: هلك. قال: فما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام
وهو على جمل أحمر وهو يخطب الناس وهو يقول: يا أيها الناس اجتمعوا واستمعوا
وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن
في الأرض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور،
وأقسم قس قسما حقا لئن كان في الأمر رضى ليكون بعده سخط، إن لله لدينا هو
أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون،
أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا. ثم قال رسول الله: أفيكم من يروي
شعره؟ فأنشده بعضهم)، من البداية والنهاية لابن كثير.
وتوجد
كتابات كثيرة تعقد المقارنات ما بين نص القرآن وبين بعض أبيات الشعر
الجاهلي، المنسوبة لزيد ابن نفيل وأمية ابن أبي الصلت وامرؤ القيس ورؤبة
ابن العجاج وزهير ابن أبي سلمى وغيرهم..
------------------------
6- مسيلمة - الرحمان
من التوراة نعرف أن إله اليهود كان يسمى "إيل" وهو الإله سامي الأصل، كما
نجده مذكورا بالجمع بإضافة الميم في النهاية ليصبح "إيلوهيم".. وأما اسم
الرحمن فنقرأه في بعض المنقوشات القديمة، خاصة في منطقة اليمن..
من المصادر الإسلامية نلاحظ أن الإله المعروف لدى أهل مكة كان اسمه "الله"،
وكانوا يبدأون كتاباتهم بعبارة "باسمك اللهم" (إيلوهيم).. وتفيد المصادر
بأنهم استنكروا بشدة أن يأتيهم محمد بإسم جديد هو الرحمن، ففي صلح الحديبية
قال محمد للكاتب (.. اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا : لا نعرف
الرحمن ولا الرحيم ، ولكن اكتب كما كنت تكتب : باسمك اللهم) (صحيح مسلم)..
ومن القرآن نجد عدة آيات تؤكد أن خصوم محمد لم يكونوا يعرفون
الرحمن أو يؤمنوا به، فبينما لم يكونوا يجدون صعوبة في الإقرار بأن الخالق
هو الله (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) لقمان 25، نجد أنهم يرفضون الرحمن تماما (وَإِذَا
قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ
أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا) الفرقان 60، وأيضا
(كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ
لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ
بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ) الرعد 30..
من تفسير القرطبي للآية الأولى نقرأ (قالوا وما الرحمن على جهة الإنكار
والتعجب ، أي ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب)، ومن
الطبري(وذكر بعضهم أن مُسيلمة كان يُدعى الرحمن, فلما قال لهم النبيّ صلى
الله عليه وسلم اسجدوا للرحمن, قالوا: أنسجد لما يأمرنا رحمن اليمامة؟)..
وفي السيرة النبوية (ابن هشام) أن الآية الثانية نزلت (في قولهم : إنا قد
بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة، يقال له الرحمن، ولن نؤمن به أبدا)..
فتلك الروايات تفيد أن مسيلمة كان معروفا قبل محمد، وأن نبي الإسلام كان
متهما بأنه يتعلم من مسيلمة، ولا سيما إسم الإله "الرحمن" الذي لم تألفه
قريش والذي نعرف بالفعل أنه كان معروفا في جنوب الجزيرة العربية..
وفي بعض المصادر (مثل تاريخ الطبري وتاريخ ابن كثير وثمار القلوب) نقرأ
عما يسمى "قرآن مسيلمة" وهي آيات منسوبة له تشبه الأسلوب القرآني، وتظل
الإحتمالات مفتوحة فيما إذا كان محمد قد تأثر بالفعل بقرآن مسيلمة واقتبس
عنه، أم أن تلك النصوص ألفها المسلمون لاحقا بغرض إظهار مسيلمة بشكل مزري
وكأنه يقلد محمد..
------------------------
7- أسماء أخرى
في القرآن نقرأ اتهامات قريش لمحمد بأن دعوته هي عمل جماعي، وأنه يوجد
وراءه من يحرك الأحداث ويملي عليه ما يكتبه من أساطير القدماء.. (وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ
عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا - وَقَالُوا
أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً
وَأَصِيلًا) الفرقان 4-5..
من الطبري نقرأ أن أولئك الآخرين هم
اليهود (ذكر أنهم كانوا يقولون: إنما يعلِّم محمدا هذا الذي يجيئنا به
اليهود, فذلك قوله: ( وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ)، يقول: وأعان
محمدا على هذا الإفك الذي افتراه يهود.. هذا الذي جاءنا به محمد أساطير
الأوّلين, يعنون أحاديثهم التي كانوا يسطرونها في كتبهم, اكتتبها محمد صلى
الله عليه وسلم من يهود)..
وفي القرطبي أنهم من اليهود (وأعانه
عليه قوم آخرون يعني اليهود)، وفي قول آخر من أهل الكتاب (وقال ابن عباس :
المراد بقوله : قوم آخرون أبو فكيهة مولى بني الحضرمي وعداس وجبر ، وكان
هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب)..
تلك الأسماء - الغامضة- نقرأها في
تفسير آية أخرى، يتهم فيها أهل مكة محمدا بأن هناك من يعلمه، ويرد القرآن
بأن ذلك المعلم أعجمي اللسان..(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ
أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) النحل 103
التفاسير تذكر عدة أسماء تم ربطهم بذلك الإتهام : بلعام، جبر، يعيش، يسار أبو فكيهة، عداس، عابس، كما قيل سلمان الفارسي..
وينقل القرطبي أقوالا أن الكل محتمل، لأن النبي كان ربما يجلس إلى هؤلاء جميعا في أوقات مختلفة..
أما عن طبيعة تلك الشخصيات فهي غير واضحة، أحيانا يتم وصفهم بأنهم يهود،
وأحيانا بأنهم نصارى، من العبيد، وربما تحديدا من عبيد بني الحضرمي (قبيلة
يمنية)، كما تم وصف بعضهم بأنه أعجمي اللسان أو يقرأ الكتب الأعجمية.. على
سبيل المثال جاء في سيرة ابن إسحاق (كان رسول الله - فيما بلغني - كثيرا ما
يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني - يقال له جبر - عبد لبعض بني
الحضرمي، فكانوا يقولون : والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر
النصراني غلام بني الحضرمي)..
------------------------
8- سلمان الفارسي - الكاهن المجوسي
تحكي السيرة قصصا تشبه الأساطير عن سلمان الفارسي وكيفية إسلامه، مختصرها
أنه كان من كهنة الفرس الزرادشتيين المجوس، وبلغ من أهميته أنه كان خادم
النار بالمعبد، ثم أنه تركهم والتحق بالرهبان النصارى في الشام ومكث في
كنائسهم لفترة، حتى وصل إلى محمد..
ونجد عائشة تصرح بأن محمدا
كان يجلس مع سلمان لفترات طويلة (كان لسلمان مجلس من رسول الله بالليل حتى
غلبنا على رسول الله)، كما ورد في الإستيعاب في معرفة الأصحاب.. ولا ندري
من منهما كان يعلم الآخر، علما بأن اسم سلمان قد ورد في معرض تفاسير الآيات
الخاصة باتهامات قريش لمحمد بأن هناك من يعلمه..
------------------------
9- عمر ابن الخطاب - موافقات القرآن له
في العديد من المصادر (مثل تاريخ الخلفاء للسيوطي، ومجمع الزوائد للهيثمي)
نقرأ عما يسمى "موافقات عمر"، وملخصها أنه في حالات كثيرة كان عمر يقرر
آراءا وأحكاما، فيصدقها القرآن وتصيرآيات تتلى.. ترد روايات كثيرة حول هذا،
مثلا (عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن، وأخرج ابن عساكر
عن علي قال: إن في القرآن لرأيا من رأي عمر. وأخرج عن ابن عمر مرفوعاً: ما
قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر)..
وتصل بعض التقديرات إلى أكثر من عشرين موقفا وافق فيه القرآن عمر: منها
قوله لمحمد "لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى" فنزلت الآية (وَاتَّخِذُواْ
مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).. وثانيا أنه قال: يا رسول الله يدخل
على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب.. وثالثا
ننقل: اجتمع نساء النبي في الغيرة فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً
خيراً منكن, فنزلت كذلك.. ورابعا فيما جاء عن أسرى بدر وهو مشهور.. وخامسا
عن دعاء عمر أن يحسم الله مسألة الخمر فنزلت الآيات تحرمها.. وسادسا قول
عمر :نزلت هذه الآية (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن
طِينٍ) فقلت أنا : فتبارك الله حسن الخالقين، فنزلت: فَتَبَارَكَ اللَّهُ
أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).. وسابعا نهيه لمحمد أن يصلي على المنافقين (لما
توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله للصلاة عليه فقام إليه فقمت حتى وقفت
في صدره فقلت: يا رسول الله أو على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا كذا،
فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم
مَّاتَ أَبَدًا).. وثامنا (لما أكثر رسول الله من الاستغفار لقوم، قال عمر:
سواء عليهم، فأنزل الله: سَوَاء عَلَيْهِمْ).. وتاسعا (لما استشار محمد
الصحابة في الخروج إلى بدر أشار عمر بالخروج، فنزلت: كَمَا أَخْرَجَكَ
رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ).. عاشرا (لما استشار الصحابة في قصة
الإفك قال عمر: سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت كذلك (سُبْحَانَكَ هَٰذَا
بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)).. الحادي عشر يحكى (أن يهوديا لقي عمر فقال: إن جبريل
الذي يذكره صاحبكم عدو لنا، فقال له عمر: من كان عدوا لله وملائكته ورسله
وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين، فنزلت الآية كما قالها عمر.. الثاني
عشر آية (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ).. الثالث عشر ، الاستئذان في الدخول (وذلك أنه دخل عليه
غلامه وكان نائماً فقال: اللهم حرم الدخول فنزلت آية الاستئذان).. الرابع
عشر آية (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين)، وغيره.
------------------------
10- الصحابة - مساهمات أخرى
تنقل لنا الروايات عددا من الموقف حيث قام بعض الصحابة- أو كتاب الوحي- بتعديل بعض آيات القرآن..
وإضافة لأمثلة عمر السابقة، نذكر مثالين : الأول هو ما ورد في تفسير سورة
النساء 95 والتي تنص على تفضيل المجاهدين على القاعدين (لَّا يَسْتَوِي
الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ)..
فقد قيل أن عبارة "غير أولي الضرر" مضافة بسبب اعتراض أحد الصحابة حيث لا
يستطيع الجهاد لأنه أعمى، فقام محمد بتعديل الآية فورا..
من تفسير
ابن كثير نقرأ (لما نزلت : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين ) قال النبي :
" ادع فلانا" ، فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف فقال : " اكتب : لا يستوي
القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله "، وخلف النبي ابن أم مكتوم
، فقال : يا رسول الله ، أنا ضرير، فنزلت مكانها : ( لا يستوي القاعدون من
المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ))
ونجد رواية
أخرى أوضح تفصيلا للتعديل (قال زيد بن ثابت : إني قاعد إلى جنب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، إذ أوحي إليه ، قال : وغشيته السكينة.. ثم سري عنه
فقال : " اكتب يا زيد " . فأخذت كتفا فقال : " اكتب : ( لا يستوي القاعدون
من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ) إلى قوله ( أجرا عظيما ) فكتبت
ذاك في كتف ، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - فقام حين سمع
فضيلة المجاهدين فقال : يا رسول الله ، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو
أعمى ، وأشباه ذلك ؟ قال زيد : فوالله ما مضى كلامه - أو ما هو إلا أن قضى
كلامه - حتى غشيت النبي السكينة ..ثم سري عنه فقال : " اقرأ " . فقرأت عليه
: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون " فقال النبي : ( غير أولي
الضرر ))
وأما المثال الثاني فهي قصة الصحابي عبد الله ابن أبي
سرح، والذي كان من كتاب الوحي، وكان يزيد فيه فيوافقه محمد على زيادته، مما
جعله يشك في نبوته ويتركه..
في تفسير القرطبي للآية 93 من الأنعام
نقرأ عن عبد الله بن أبي سرح أنه (كان يكتب الوحي لرسول الله ، ثم ارتد
ولحق بالمشركين . وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون أنه لما نزلت الآية التي في
"المؤمنون" (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين..) دعاه النبي فأملاها
عليه ; فلما انتهى إلى قوله ثم أنشأناه خلقا آخر عجب عبد الله في تفصيل خلق
الإنسان فقال : فتبارك الله أحسن الخالقين . فقال رسول الله : وهكذا أنزلت
علي. فشك عبد الله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي كما أوحي
إليه ، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال . فارتد عن الإسلام ولحق
بالمشركين)..
وفي فتوح البلدان للبلاذري (وأول من كتب له من قريش
عَبْد اللَّهِ بْن سَعْد بْن أَبِي سرح ، ثُمَّ ارتد ورجع إِلَى مكة ، وقال
لقريش : أنا آتي بمثل ما يأتي به مُحَمَّد ، وكان يمل عَلَيْهِ الظالمين ،
فيكتب الكافرين ، ويمل عَلَيْهِ سميع عليم ، فيكتب غفور رحيم وأشباه
ذلك)..
وفي أسد الغابة أنه كان يقول (إني كنت اصرف محمدا حيث أريد ؛
كان يملي علي " عزيز حكيم " فاقول أو " عليم حكيم " فيقول : نعم كل صواب)..
------------------------
الختام
أعلن محمد دعوته وهو في الأربعين، ونعلم القليل عن حياته السابقة، ولكن
الروايات تحكي عن أسفار للشام ومقابلات مع رهبان ورجال دين غامضين..
وحين أعلن دعوته منذ البداية كانت التهمة موجهة لمحمد من معاصريه : أنه
يتفاعل ويدرس ويتعلم من "قوم آخرين" يعينونه على ما يفعل، ويملون عليه ما
يكتبه من "أساطير الأولين".. وقد وردت عدة أسماء مرشحة لهذا كما رأينا،
وغالبا هناك غيرهم ممن لم تصلنا أسماءهم..
بل نقرأ آية أخرى تؤكد
مدى جدية ذلك الإتهام (وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا
دَرَسْتَ)، ونقرأ من تفسير الطبري ((وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ)، يا محمد,
بمعنى: تعلمت من أهل الكتاب.. قالوا: قرأت وتعلمت)..
وذكر القراءة
هنا يذكرنا بمسألة "أمية محمد"، والتي نجد آيات تنفيها بوضوح وتبين أنه
كان يقرأ ويكتب، فالقرآن يقول عنه في الآية التي ذكرناها أن هناك من يملي
عليه وهو يكتب (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ
تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، وفي قول آخر أنه يتلو من الصحف
المكتوبة (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ
قَيِّمَةٌ) البينة 2-3، وفي موضع آخر يصف تلك الصحف بأنها( صُحُفٍ
مُّكَرَّمَةٍ - مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ - بِأَيْدِي سَفَرَةٍ - كِرَامٍ
بَرَرَةٍ) عبس 12-16، فلو تجاوزنا الصورة التقليدية للتاريخ الرسمي، فسنجد
القرآن يخبرنا بوضوح بأن الرجل كان يكتب ويقرأ ويتدارس ولديه مخطوطات
مكتوبة- ربما بيده.. وأما أين ذهب كل ذلك فهو سؤال آخر..
ونلاحظ أنه حين ذكر القرآن تهمة التعليم (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ
يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ).. لم يحاول تفنيد ذلك بالقول أن
كلامه معجز أو أنه جاء بجديد، بل كل ما خطر له هو مسألة اللغة، فقال
(لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ
عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)، مما يؤكد تواصل محمد مع أعاجم (غالبا يهود، أو
نصارى).. مما يذكرنا بما أورده البخاري عن ورقة ابن نوفل أنه كان - على ما
يبدو- يترجم الكتاب المقدس..
وفي مرحلة لاحقا طلب محمد من أحد
أصحابه- زيد ابن ثابت- أن يتعلم لغة اليهود (السريانية أو العبرية) لأنه
تأتيه رسائل يريد مساعدة في ترجمتها ، ففي سنن أبي داود (قال زيد بن ثابت :
أمرني رسول الله فتعلمت له كتاب يهود، وقال: إني والله ما آمن يهود على
كتابي، فتعلمته، فلم يمر بي إلا نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إذا كتب،
وأقرأ له إذا كتب إليه)..
ونجد رواية أخرى تفيد أن زيد نفسه كان
يهوديا منذ الطفولة، فحين تولى مسئولية جمع القرآن، اعترض ابن مسعود على
ذلك قائلا (والذي لا إله غيره لقد أخذت من في رسول الله بضعاً وسبعين سورة
وزيد بن ثابت غلام له ذؤابتان يلعب مع الغلمان)، وفي رواية (وإن زيْدَ بن
ثابت ليهودي له ذؤابتان)، كما ورد في تاريخ الذهبي وسير أعلام النبلاء
وتاريخ ابن شبة وطبقات ابن سعد وغيره..
وحين نراجع ما ذكرناه في
المقدمة من تشابه النص القرآني مع نصوص اليهود والمسيحيين، ليس فقط متن
الكتاب المقدس (التوراة) وإنما أيضا كتابات الحاخامات والأناجيل المنحولة
التي كانت منتشرة في الجزيرة العربية، حينها تبدو المسألة واضحة كشمس
الظهيرة..

لا؛ العلم ليس متغيرا، والأخلاق ليست نسبية ؛ إنهما فقط يتطوران، مثل كل شيء..
الفارق كبير: فكلمات مثل التغير والنسبية هي كلمات خادعة توحي بالتخبط
والعشوائية والتبدل صعودا ونزولا ودورانا بلا نمط أو غاية واضحة..
وهذا بعيد عن الواقع، فليست المسألة وكأن العلماء لديهم كل يوم رأيا جديدا
ليس له علاقة بما قبله، أو أنهم يبنون نظرياتهم على خبط عشواء متقلب..
ولو كان الحال كذلك فما قيمة العلم أصلا؟ ولماذا نجهد أنفسنا في تحصيله
وتوثيقه؟ وما معنى أن ندرس لأطفالنا معلومات يمكن أن تنقلب رأسا على عقب
حين يكبرون؟
وكذلك، ليست المسألة وكأن الناس يصحون ذات يوم ليقرروا أن القتل والسرقة خطأ، ثم يصحون في اليوم التالي ليقرروا أنها صواب..
ولو كان الحال كذلك فلماذا نتمسك بمبادئنا؟ ولماذا نهتم بتحسين أخلاقنا
إذن؟ بل لماذا نكترث بمناقشة الصواب والخطأ أصلا، طالما أن ما سنستقر عليه
اليوم سيتغير إلى نقيضه غدا أو بعد غد؟
إنما يمكن فهم المسألة ببساطة عن طريق الرجوع إلى التعريفات:
فالعلم هو محاولة منهجية لفهم الواقع وتوصيفه والتعامل معه؛ ولو اتفقنا أن
الواقع يتميز ببعض التماسك والثبات، مما يمكننا من استنباط ما نسميه
قوانين طبيعية، ففي تلك الحالة يكون العلم هو طريق متصاعد نحو مزيد من
النجاح في فهم تلك القوانين وتوصيفها بمزيد من الدقة والشمول..
هذا
الصعود لا يشترط أن يكون في شكل خط مستقيم، وإنما قد يحتوي تعرجات أو حتى
يشمل سقطات وتراجعات وانتكاسات، ولكن هذا لا يمنع أن المسعى واضح والهدف
محدد، وأن التطور - أو التخلف- يمكن قياسه..
القول بأن الأرض كروية
هو - قطعا- أكثر تقدما من القول بأنها مسطحة، يمكن قياس ذلك بما تم رصده
وبالقدرة التفسيرية لهذا القول، ولا مانع بعدها من أن نحاول فهم أبعاد
الشكل الكروي - أو شبه الكروي- بدقة أكبر..
كذلك الأخلاق هي قواعد
وسلوكيات تضمن بقاء النوع وتحسن أحواله وسعادته؛ هذا الهدف محدد وثابت،
وأما ما يتغير فهو وسائل تحقيقه، والتي تختلف على حسب ظروف المجتمع، ففي
حالة الخطر مثلا نحتاج إلى الشجاعة والشدة بشكل خاص، بينما في حالات المن
والرفاهة نحتاج إلى اللطف وتعايش بشكل أكبر..
وهكذا فالتطور أيضا
صاعد، نحو مزيد من الأمن والرفاهة للبشر، وكلما تحسنت ظروف المجتمع كلما
كنا أقدر على الإرتقاء بأخلاقنا بعيدا عن سلوك حيوانات الغابة، ونحو مزيد
من الحرية والفردية والسلمية..
فالأخلاق السائدة في العالم المتقدم
اليوم هي - قطعا- أفضل من أخلاق المغول أو الفايكنغ، يمكن قياس ذلك بأمان
البشر وسعادتهم، ولا مانع بعدها من أن نحاول صقل أخلاق اليوم لتتحسن أكثر
فأكثر..
هنا نلاحظ أن كلا من العلم والأخلاق له معايير قائمة في
الطبيعة والظروف، لم يخترعها البشر بقدر ما هم يحاولون فهمها وتطويعها، وفي
هذا الإطار لا يجب الحديث عن أنواع من العلوم وأنواع من الأخلاق، فهي ليست
مسألة أمزجة وأهواء، بقدر ما هي مسألة قدرة ومراحل تطورية..
ولا
شك أن العاملين مرتبطان يغذي أحدهما الآخر ، فكلما ازدادت علومنا كلما كنا
أكثر قدرة على إدارة حياتنا، وبالتالي صرنا أكثر قدرة على توسيع دائرة
ممارستنا للمحبة والسلام والحرية، فتتطور أخلاقنا..
هذا مسعى حقيقي وملموس ومتصاعد، وليس دورانا عبثيا في دائرة مفرغة من العشوائية، كما توحي كلمات مثل "النسبية" و"التغير"..
بل ولعله المسعى الأرقى والأجدر باهتمامنا، وهو ما يجعلنا بشرا..

هل هناك حقيقة مطلقة أم كل الأمور نسبية؟
وإن كانت عقولنا نتاج التطور العشوائي فكيف يمكننا أن نثق بدقتها؟
وهل المنهج العلمي نفسه نتائجه يقينية، أم هي أيضا قابلة للشك؟
ماذا عن السرديات التاريخية الإنسانية، هل تمثل حقائق، أم كلها تكهنات لا يمكن إثباتها؟
وعن قضية الألوهية: كيف يجرؤ الملحد على نفي وجود الإله بلا دليل؟ ألا
يجعله ذلك بمثابة الوجه الآخر للمؤمن المتعصب؟ وأليست اللاأدرية الحيادية
هي الموقف الأكثر حكمة هنا؟
تلك أسئلة تطرح، وما يجمع بينها هو
الموقف من اليقين، والذي يتباين فيه الناس ما بين يمين الثقة المصدقة، وما
بين يسار الشك الكامل بكل شيء..
يميل أصحاب العقول الفلسفية إلى
الشك، فيقللون من إمكانية المعرفة ويحلو لهم التأكيد على أن كل شيء نسبي
متغير، فالبشر عقولهم وحواسهم وقدراتهم محدودة ناقصة يمكن أن تتوهم وتخدعهم
بسهولة، ونحن مسجونون تماما داخل تلك العقول والحواس، ولا أمل في اليقين
هنا، وبالتالي فالفلاسفة والمتفلسفون يميلون دائما إلى اللاأدرية، ويرون
التأكد وكأنه حماقة أو قصور نظر..
هذه وجهة نظر مفهومة، ولكنها تفتح الباب لمزيد من الأسئلة غير المريحة:
فإن كان كل شيء نسبي، فما الفارق بين الجاهل والعالم؟ وبتلك الحالة ما
فائدة محاولة التفكير والبحث أصلا، إن كان أي علم سأصل إليه لا يختلف كثيرا
عن الجهل الذي بدأت منه؟ وإن كنت سألتزم اللاأدرية تجاه قضية معينة، مثل
وجود الإله، فما الذي يمنع أن ألتزم اللاأدرية تجاه وجود زيوس وآمون رع
وكريشنا وبعل ومثرا، بالإضافة إلى العفاريت والسنافر والغيلان، والذين لا
يمكن نفي وجودهم قطعا؟ بل ولماذا لا نلتزم اللاأدرية تجاه قضية وجود الكون
والبشر أنفسهم، والذين لا يمكن إثبات وجودهم يقينا؟
وإن قلنا أن
المعرفة تساوي الجهل، ملتزمين اللاأدرية المطلقة والمحايدة تجاه كل شيء،
فكيف يمكننا أن نتخذ قرارات حياتنا؟ ولنأخذ مثالا: إن أصبت بمرض، فهل أذهب
إلى الطبيب أم إلى الساحر؟ حسب العقلية النسبية فلا فرق، إذ كلاهما يمتلك
معرفة نسبية قاصرة متغيرة غير يقينية..
هذا السؤال الأخير
يقودني إلى الموقف المناسب من تلك القضية، وهو التفرقة بين اليقين النظري
والثقة العملية، مع نبذ المفهوم الأول باعتباره سفسطة فارغة، وتبني الثاني
بالأساس..
أما اليقين الذي يبحث عنه الفلاسفة- وينفون وجوده-
فأعترف أنني لم أفهمه أبدا، فاليقين بمعناه المباشر هو شعور نفسي بالتأكد
والثقة داخل الجوارح، وفي تلك الحالة نسأل: هل اليقين له قيمة موضوعية حقا؟
ولو تذكرنا أن الشخص الجاهل المتعصب الأحمق مغسول الدماغ لديه من اليقين
بداخله أضعاف ما لدى الفيلسوف العالم المفكر الحكيم، فسنخرج باستنتاج أن
اليقين هو أشبه ببضاعة رخيصة، تنال أكثر مما تستحق من الإهتمام..
قد يقول قائل: ولكن ما يبحث عنه الفلاسفة- ويفتقدوه آسفين- ليس يقين
الجاهل المتعصب المخدوع هذا، وإنما يقين المعرفة الموضوعية القائمة على
أساس علمي حقيقي..
ونسألهم: كيف تتصورون أن يكون شكل هذا
اليقين الموضوعي؟ كيف يأتي وما طبيعته؟ ولو قلنا - جدلا- أننا قد توصلنا
إلى معرفة يقينية كاملة بشيء ما، فكيف سنعلم أن هذا قد حدث؟
لنقرب
الفكرة بمثال جدلي: لنفترض وجود الإله، صاحب العلم الكامل المحيط، ولنسأل:
هل يمكن للإله نفسه أن يتأكد من أن معرفته كاملة يقينية بالفعل؟ هل يستطيع
الله إثبات أنه ليس هناك شيء يجهله مختبئا في مكان ما، خارج بصره وعلمه؟
الجواب أنه لن يمكنه ذلك أبدا، ليس لنقص في هذا الكائن المتخيل، وإنما
لغموض معنى اليقين والإثبات الكاملين، مما يوضح أن المسألة كلها سفسطائية
محضة, وأننا أمام كلمات مبهمة ليس لها معاني محددة تستحق النقاش..
وبسبب ما سبق لا أفضل وصف نفسي باللاأدري، فالكلمة لها جانب إيجابي أنها
توحي بتحري الدقة والنزاهة الفكرية، ولكن لها جانب سلبي خطير أنها توحي
بالحياد المائع ما بين العلم والجهل، فتقلل من قيمة المعرفة الإنسانية،
وترفع بالتالي من قيمة الخرافات..
وقضية الألوهية ليس لها خصوصية
عن أي قضية أخرى تحتمل تفسيرات غيبية، وإن كنت سأقف محايدا من الله والخلق،
فعلي أن أقف محايدا من قضية أن الشياطين تسبب المرض، أو أن زيوس يسبب
الصواعق، وحينها نكون أمام عبث يهدد البناء العقلي والعلمي كله..
وإن كان اليقين كله وهم، فالسؤال للاأدري يكون: لماذا تعرف نفسك فكريا من
خلال الوهم؟ وهل من المنطقي أن نحشر بكل كلامنا أننا غير متأكدين، أم أن
الأكثر حكمة هو تجاوز هذا الوهم لغويا، واستخدام الكلمات بشكل أكثر كفاءة
يهتم بالتفرقة ما بين الصواب والخطأ كلاهما على أرضية بشرية نسبية، دون أن
تضع الكل في سلة واحدة هي سلة عدم اليقين..
على الجانب الآخر
حين أصف نفسي كملحد فلا أقصد أنني قد تفحصت الوجود كله وتأكدت بنفسي من عدم
وجود الله أو زيوس أو بعل، هذا عبث، وإنما أقصد أنني أمتلك من المعرفة
الإنسانية ما يجعلني أختار أن أعيش حياتي على فرضية أن تلك الكائنات لا
وجود لها..
وهذا يرجعني إلى الثقة العملية التي أتحدث عنها، فهي
تستند إلى الأفعال والسلوكيات الواقعية التي تثبت نتيجة إيجابية، بعكس
اليقين النظري الذي ينتسب إلى الشعور النفسي والموضوعية الفلسفية
المتخيلة..
ولمن يسأل: كيف نثق بعقولنا وهي نتاج التطور؟ نقول:
ومن قال أننا يجب أن نثق بكل ما تنتجه عقولنا؟ فالعقول تنتج الصواب والخطأ
على السواء، ولكن ما نثق فيه هو المنهج الذي يستند - انتقائيا- إلى العقل
والتجربة الحسية، ويتفاعل مع الواقع ليعيد تصحيح نفسه باستمرار..
فأنا أصدق بالمنهج العلمي بشكل يجعلني أذهب إلى الطبيب لا إلى الساحر،
وأنت كذلك، لأن التجارب والخبرة الحسية المتاحة تجعلنا نرى نجاح هذا المنهج
وفشل الآخر، وهذا- حتما- لا يعني أن الطب علم إلهي كامل ثابت، وإنما هو
فقط أكثر نجاحا في معالجة البشر من المناهج الأخرى، وبالتالي أجدر بالثقة
العملية..
هذا النجاح بالطبع لم يأت مصادفة أو عبثا، وإنما بفضل
المنهج العلمي الذي يتعامل بشكل منظم تفاعلي مستمر مع الواقع، ولا يستند
على خيالات أو أمنيات أو سلطة أو وحي أو مشاعر داخلية..
ومن أهم
أدوات قياس نجاح المنهج هو قدرته على التوقع، فحين يقوم أينشتاين بحساباته
الرياضية ويستنتج وجود الثقب الأسود، ثم يتم اكتشاف هذا الثقب بعد سنوات
طويلة، فهذا لا يدل فقط على أن حسابات أينشتاين صحيحة، وإنما على أن المنهج
الرياضي والفيزيائي كله منهج "صحيح"، بالمعنى العملي..
فكلمات
مثل الحقيقة المطلقة واليقين الكامل هي بنظري كلمات ليس لها أي معنى
واقعي، وإنما المتاح أمامنا هو المناهج الناجحة التي تحقق توقعات صائبة
وتزيد من قدرات من يطبقها، وبالتالي تستحق الثقة العملية، خاصة إذا ما
قارناها بالمناهج الفاشلة، وبغض النظر عن أي سفسطات فلسفية، فإن كلنا ننزع
بالضرورة العملية إلى اللجوء إلى المناهج التي نعرف- بالتجربة المتكررة -
أنها تنجح، وهذا فقط هو ما يهم..

تعريف الإرهاب
حسب "قاعدة البيانات العالمية الإرهابية" في جامعة ميريلاند، والتي تجمع البيانات حول أكثر من 150،000 حادثة إرهابية منذ 1970، فإن تعريف الإرهاب
أنه "فعل عنيف عمدي، أو تهديد بالعنف، من قبل طرف غير حكومي" - مما يحقق
على الأقل معيارين من الثلاثة التالية: أن يهدف لتحقيق هدف سياسي أو
اقتصادي أو ديني أو اجتماعي - أن يتوفر دليل على وجود نية للإجبار أو
الترهيب أو إيصال رسالة أوسع من الضحايا المباشرين - أن يكون خارجا عن إطار
القانون الإنساني الدولي..
-----------------------------الإرهاب العالمي
عالميا، ما بين 2006 و2016 تراوحت الهجمات الإرهابية بين حوالي 7 آلاف و14 ألف عملية سنويا..
في 2016 وقعت 11,072 حادثة إرهابية على مستوى العالم، نتج عنها مقتل 25،621 ضحية، وإصابات أكثر من هذا العدد.. وكان نصيب الأسد منها للعراق (حوالي 3 آلاف عملية) ثم أفغانستان (حوالي 1300)..ومن تقرير "للمركز القومي المناهض للإرهاب" لعام 2010 نجد نمطا مشابها: العراق هي الأولى، وأفغانستان هي الثانية..
ويأتي بعد ذلك الهند وباكستان ثم الفلبين والصومال وتركيا ونيجيريا واليمن وسوريا وليبيا ومصر..
-----------------------------
حجم الإرهاب الإسلامي - أوروبا
رغم الإنطباع السائد لدى أكثرنا، ربما بسبب التغطيات الإعلامية، إلا أن
العديد من التقارير تشير إلى أن نصيب المسلمين من الإرهاب في الغرب أقل من
المتوقع كثيرا..
لنبدأ بأوروبا: وفقا لتقارير يوروبول (وكالة تطبيق
القانون الأوروبية) هنا وهنا، فما بين الهجمات الإرهابية التي وقعت في دول الإتحاد
الأوروبي ما بين 2009 و2013، فإن نسبة العمليات التي يحركها من التطرف
الديني تقدر بـ2% فقط.. أما البقية فلها دوافع عرقية أو قومية أو سياسية..
في 2009 وقع 294 هجوم إرهابي، واحد فقط تم نسبته لمنظمة إسلامية مسلحة..
في 2010 وقع 249 هجوم، ثلاثة منهم فقط اعتبرتها يوروبول إسلاميا..
في 2011 كان هناك 174، ولم يتم اعتبار أي منها مرتبطا بالإسلاميين..
في 2012 وقع 219 هجوم إرهابي، كان هناك ستة منهم ناتجا عن الحافز الديني..
في 2013 وقع 152 هجوم إرهابي بدول الإتحاد الأوروبي، اثنان منهم نتجا عن الحافز الديني..
وفي
تنسيق آخر لبيانات يوروبول، نجد أنه في 4 سنوات ما بين 2011 و2014، كانت
هناك 746 هجمة إرهابية بدول الإتحاد الأوروبي، منهم 8 فقط محفزة دينيا،
وهذا لا يتضمن المسلمين وحدهم..
وقبل ذلك، ما بين 2006 و2010، تم تسجيل 2131 هجمة إرهابية، منها 8 فقط قام بها إسلاميون، وهذا يعني أقل من 0.4%..
-----------------------------
حجم الإرهاب الإسلامي بأمريكا
أما في الولايات المتحدة، فيبدو أن الإرهاب الإسلامي يحصل على نسبة أعلى
قليلا مما هو حاله بأوروبا، ولكن تظل هناك جهات أخرى تفوقه بكثير..
فقد أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي (إف بي آي) تقريرا عن
الهجمات الإرهابية التي وقعت على أرض الولايات المتحدة فيما بين عامي 1980
و2005 (ربع قرن)،
وقامت إحدى المدونات (تنسب أحيانا لجامعة برينستون) بتصنيف بيانات التقرير، لتقسيم الجهات المسئولة عن تلك الهجمات الإرهابية، وكانت النتائج كالتالي:
جهات لاتينية - 42%
أجنحة يسارية متطرفة - 24%
جهات شيوعية - 5%
متطرفون يهود - 7%
متطرفون إسلاميون - 6%
جهات أخرى - 16%
هذا يعني أن 94% من الهجمات الإرهابية في ربع قرن ليست لها علاقة بالمسلمين، كما يتضح هنا وهنا وهنا..
-----------------------------
على الجانب الآخر هناك من قام بالتشكيك في دقة هذا الجمع وتلك التصنيفات..
وأعاد حساب نفس البيانات (للإف بي آي) بالتركيز لا على عدد الهجمات وإنما
على عدد الضحايا، ليخلص إلى نتيجة معاكسة مفادها أن المسلمين مسئولون عن
94% من الضحايا (نفس النسبة السابقة ولكن معكوسة!).. ولكن الكاتب يعود
فيشير إلى أن ما يجعل الأرقام هكذا هي حوادث 11 سبتمبر تحديدا..
-----------------------------
وفي تقرير آخر تم تسجيل 2400 هجمة إرهابية بالولايات المتحدة من 1970 حتى 2012، وكان المسلمون مسئولون عن 60 فقط منها، أي 2.5%..
بصيغة أخرى، فالأمريكيون المسلمون مسئولون عن مقتل أقل من 0.0002% من ضحايا القتل بأمريكا في تلك الفترة..
بل يقال أنه في عام 2013، كان احتمال أن يتم قتلك على يد طفل رضيع أكبر من
احتمال قتلك على يد إرهابي، حيث مات ثلاثة أشخاص في تفجير ماراثون بوسطن،
بينما بنفس العام تم قتل خمسة أشخاص بالرصاص بشكل خاطئ على أيدي أطفال
يمسكون بالسلاح..
كما قيل أن احتمال موتك بسقوط ثلاجة عليك أكبر من احتمال مقتلك في هجوم إرهابي..
-----------------------------
وقد صدر تقرير عن "إرهاب المسلمين الأمريكيين في 2013" من بروفيسور علم
اجتماع من جامعة كارولينا الشمالية، ذكر أنه منذ 11\9 وحتى 2013 فإن إرهاب
المسلمين الأمريكيين مسئول عن مقتل 37 ضحية فقط ، من بين 190,000 قتيل في
تلك الفترة..
وللمقارنة، ففي عام 2013 وحده نتج عن حوادث القتل الجماعية بأمريكا أكثر من ثلاثة أضعاف ذلك العدد من الضحايا..
-----------------------------
وفي
مقال نشرته سي إن إن عام 2010 (وتم تحديثه في 2018) بعنوان "دراسة: تهديد
إرهاب المسلمين الأمريكيين مبالغ فيه"، تحدث عن دراسة من جامعة ديوك وجامعة
كارولينا الشمالية، بتمويل من وزارة العدل الأمريكية، وجدت أنه في السنوات
الثمانية التالية على حادث 11 سبتمبر 2001 ، فإن عدد المسلمين الأمريكيين
المطلوبين أو الذين تم إدانتهم أو قتلهم في حوادث إرهابية يقدر بـ139 شخصا
فقط (بمعدل 17 شخصا في العام)..
-----------------------------
الإرهاب غير الإسلامي بأمريكا
على الجانب الآخر هناك قائمة مما يسمى "الإرهاب المحلي" في الولايات المتحدة، وهي
الجهات التي ترتكب هجمات إرهابية داخل الأراضي الأمريكية، من ذلك هجمات
الإرهاب المناهض للإجهاض، والإرهاب المناصر للبيئة وحقوق الحيوان، كما هناك
قائمة من المنظمات المتطرفة، بعضها تم القضاء عليها وبعضها ماتزال تعمل،
منها منظمات شيوعية ماركسية مثل "جبهة الحرية المتحدة"، ومسيحية متطرفة،
مثل منظمة "جيش الرب"، وقومية أو عرقية أو عنصرية، مثل الكوبية "أوميغا
66"، والنازية مثل "الأمم الآرية" والسوداء مثل "جيش تحرير السود" وبيئية
حقوقية مثل "جبهة تحرير الحيوانات" ويهودية مثل "عصبة الدفاع اليهودية"،
وغيرها، وجميعها ارتكبت وترتكب عددا من الإغتيالات والتفجيرات..
-----------------------------
الإرهاب اليهودي
ولنلقي نظرة- مثلا- على الإرهاب اليهودي، قد يظن القارئ أن الفاعلين هم
مجرمون صادف كونهم يهودا، ولكن الحقيقة أنهم يهود متطرفون في يهوديتهم،
يمارسون إرهابا له دوافع قومية\دينية.. ومن أشهر النماذج على ذلك هي
المنظمة المسماة "عصبة الدفاع اليهودية"، والتي صنفها الإف بي آي عام 2001
على أنها مجموعة يمينية متطرفة، وهي مجموعة عصابات يهودية عنصرية كانت
تستهدف- بالقتل والتفجير- جميع من تراهم أعداء لليهود داخل الولايات
المتحدة، خاصة العرب والسوفييت، وتنوعت أهدافها ما بين أهداف تجارية أو
تعليمية أو دينية..
وفي تقرير عام 1999 اعتبر المنظمة واحدة من أنشط المجموعات الإرهابية داخل الولايات المتحدة،
-----------------------------
عن التغطية الإعلامية
وبسهولة يمكن ملاحظة أن الأرقام السابقة تتناقض بشدة مع الإنطباعات
السائدة لدى كثير من الناس، وربما السبب يكون في التغطية الإعلامية..
قام باحثون من جامعة جورجيا بتفحص التغطية الإعلامية لنحو مائة عملية
إرهابية وقعت بأمريكا في خمس سنوات، وكانت النتيجة باختصار أن الحادث سيحصل
على المزيد من التغطية إن كان الفاعل مسلما، خاصة لو كان أجنبيا، وذلك
بالمقارنة مع العمليات الإرهابية المحلية التي يقوم بها مواطنون أمريكيون..
فرغم أن الهجمات التي قام بها مسلمون لا تتعدى ثُمن مجمل العمليات (12% تقريبا) فإنها قد حصلت على نحو 44% من التغطية الإعلامية..
وبفحص المقالات التي خصصت لكل من الهجمات الإرهابية، وجدوا أن الهجمة التي
يقوم بها مسلم تحصل على نحو 91 مقالا في المتوسط، وأما التي يقوم بها مسلم
أجنبي المولد فتحصل على 193 مقالا، وذلك بالمقارنة مع الهجميات المحلية
الأخرى والتي تحصل على 18 مقال..
ويخلص التقرير إلى أن تلك التغطية المنحازة تساهم في إشعار الأمريكيين بالخوف من المسلمين..
لكن البعض يرى أن ذلك الخوف مبالغ في حجمه، فعلى مدار الـ15 عاما المنصرمة
فإن احتمال موتك في حادثة إرهابية إسلامية بأمريكا هو 1 من 2,640,000،
بينما احتمال مقتلك بصاعقة برق هو 1 من 161،000 ، أي أكبر بـ16 ضعف..
وأما احتمال مقتلك في حادث سيارة فهو 1 من 114..
----------------------------
حجم الخطر
يرى البعض - مستشهدا بأرقام- أن خطر الإرهاب عموما يتم تضخيمه في الولايات المتحدة..
وقد ذكرنا أنه- في بعض التقديرات- فإن احتمال مقتل إنسان بسبب الإرهاب يقل
أحيانا عن احتمال مقتله في حادث سيارة، أو على يد طفل، أو بسقوط ثلاجة، أو
بصاعقة برق..
ونفس الشيء ينطبق على مقارنات مماثلة، حيث يقل احتمال
خطر الموت بالإرهاب- بآلاف وأحيانا بعشرات آلاف من الأضعاف- عن خطر الموت
بكل من أزمة قلبية أو بالسرطان أو في حادث طائرة أو قطار أو غرقا أو
انتحارا، كما يقل عن احتمال الموت بسبب شرب الخمور أو بسبب حرارة الجو، أو
بسبب الإيدز أو البدانة أو الأخطاء الطبية التي يمكن تلافيها..
وكمثال، ففي 2011 كان عدد من ماتوا من جراء الأمراض القلبية بأمريكا هو
596،339 إنسان، فكم كان عدد المواطنين الأمريكيين الذين تم قتلهم على يد
الإرهابيين حول العالم كله؟ 17 شخصا، كما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية..
أما من تم قتلهم على يد الشرطة في نفس العام فكانوا 55 شخصا، وهذا يعني أن
احتمال مقتلك على يد شرطي يفوق احتمال مقتلك على يد إرهابي، بنحو تسعة
أضعاف..
----------------------------
هل هذا يعني أن المسلمين ليس لديهم مشكلة إرهاب؟
حتما لا، فأكثر ما سبق كان تركيزنا فيه على الإرهاب في الغرب (الولايات
المتحدة ودول الإتحاد الأوروبي)، وهناك يجب الإعتراف فعلا أن الخطر
الإرهابي الإسلامي مبالغ فيه، كما تقول الأرقام..
ولكن في أماكن
أخرى يختلف الوضع، فلو ركزت على ما يحدث في إسرائيل مثلا فربما تعتقد أن
الإرهاب اليهودي هو الأسوأ، ولو ركزت على بورما ربما تظن أن الإرهاب البوذي
هو الأسوأ..إلخ، ولكن حين نرجع إلى المنظور العالمي يبقى ما ذكرناه أول
المنشور، أن الإرهاب الإسلامي تأثيره الأسوأ، ولكن في الدول الإسلامية، لا
الغرب، حيث وقعت أكثر الهجمات في العراق وأفغانستان وباكستان..
على سبيل المثال في أحد التقارير المذكورة نجد أنه في عام 2010 راح ضحية
الإرهاب نحو 13,303 إنسان، تم قتل أكثر من ثلثيهم (9092، أي نحو 68%) على
أيدي إرهابيين مسلمين..
وكما
نقلت الغارديان عن "تقرير الإرهاب العالمي" ، أنه في عام 2013 تم تسجيل
مقتل نحو 18،000 حالة قتل نتيجة الإرهاب، كانت الأكثرية منها (66%) منسوبة
فقط لأربع مجموعات: "الدولة الإسلامية بالعراق والشام" (داعش)، "بوكو حرام"
في نيجيريا، "طالبان" في أفغانستان، و"القاعدة".. كما أن أكثر من 80% من ضحايا الإرهاب في 2013 كانوا في خمس دول فقط، هي العراق وأفغانستان وباكستان ونيجيريا وسوريا..
وبالمقارنة مع السنوات السابقة، نجد أن نسبة الإرهاب القومي والسياسي
ثابتة، بينما ما يزداد هو الإرهاب المستند على دوافع دينية، وذلك خاصة في
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرق آسيا..
فعدد الهجمات القادمة
من مجموعات انفصالية وقومية ظل ثابتا، بينما ازداد الإرهاب الناتج عن
التطرف الديني، ويرجع ذلك إلى تنامي المنظمات الإسلامية في الدول الخمس
المذكورة..
فقط 5% من ضحايا الإرهاب وقعت في دول "منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية" (والتي تشمل غالبا الدول الغربية)..
وفي
تقرير "للإتحاد الوطني لدراسة الإرهاب والإستجابة للإرهاب"، والمستند إلى
بيانات تقرير "قاعدة البيانات العالمية الإرهابية" المذكورة، يؤكد بوضوح
تزايد الإرهاب الإسلامي، بالمقارنة مع الإرهاب القومي والأيديولوجي، مشيرا
إلى أن إرهاب المتطرفين اليساريين كان أكثر نشاطا في أواخر الستينات وأوائل
السبعينات من القرن العشرين، وأما إرهاب اليمين المتطرف فقد كان أكثر
نشاطا في التسعينات، ومنذ 11\9 فإن أكثر الإرهابيين كانوا الإسلاميين
المتطرفين، والذي يميل إلى كونه أكثر تماسكا وتنظيما من التطرف اليميني
واليساري..
والأكثر أهمية هنا أنه فيما يخص المتطرفين اليمينيين
واليساريين، فإن المعتقدات والممارسات الدينية كانت متناسبة عكسيا مع
استخدام العنف (كلما ازداد الشخص تدينا كلما تراجع استخدامه للعنف) بينما
في حالة الإسلاميين كان الوضع معكوسا، فقد كان التدين هو الحافز الأكبر
لاستخدام العنف..
-----------------------------
الخلاصة: الإرهاب الإسلامي في الغرب مبالغ في تأثيره، فالحقيقة أن أنواع الإرهاب الأخرى القومية والسياسية تفوقه بكثير..
ولكن على الجانب الآخر فالإرهاب الإسلامي في بلاد الإسلام خطير ويتزايد،
وهذا العنف المحلي هو ما يرجح كفة مساهمة المسلمين في الإرهاب على مستوى
العالم..

في إنجيل لوقا، وفي سياق الحديث عما يسمى "خبز ملكوت الله"، نجد يسوع الملقب بالمسيح يضرب مثلا لأتباعه، في شكل قصة رمزية كالمعتاد:
فقال له (يسوع)
"إنسان صنع عشاء عظيما ودعا كثيرين،
وأرسل عبده في ساعة العشاء ليقول للمدعوين: تعالوا لأن كل شيء قد أعد.
فابتدأ الجميع برأي واحد يستعفون. قال له الأول: إني اشتريت حقلا، وأنا مضطر أن أخرج وأنظره. أسألك أن تعفيني.
وقال آخر: إني اشتريت خمسة أزواج بقر، وأنا ماض لأمتحنها. أسألك أن تعفيني.
وقال آخر: إني تزوجت بامرأة، فلذلك لا أقدر أن أجيء.
فأتى ذلك العبد وأخبر سيده بذلك. حينئذ غضب رب البيت، وقال لعبده: اخرج
عاجلا إلى شوارع المدينة وأزقتها، وأدخل إلى هنا المساكين والجدع والعرج
والعمي.
فقال العبد: يا سيد، قد صار كما أمرت، ويوجد أيضا مكان.
فقال السيد للعبد: اخرج إلى الطرق والسياجات وألزمهم بالدخول حتى يمتلئ بيتي،
لأني أقول لكم: إنه ليس واحد من أولئك الرجال المدعوين يذوق عشائي".
لوقا 14 (16-24).
مختصر القصة أن رجلا ثريا دعا أشخاصا للعشاء، فرفضوا متحججين بأمورهم
الدنيوية، فما كان منه إلا أن أمر خادمه أن يخرج إلى الطرقات ويجمع
المساكين والمعوقين ليأتوا إلى بيته بدلا من المدعوين الأصليين..
والواضح (وما جاء بالتفاسير المسيحية) أن صاحب الدعوة يرمز إلى الله،
والدعوة للعشاء ترمز لملكوت الله الذي يدعو له، والمغزى أن من سيخلص ويدخل
إلى الملكوت ليس بالضرورة المشهورين بالصلاح والتدين مثل الكهنة ، وإنما قد
يدخله المنبوذون والخطاة أيضا وكل من يقبله..
ولكن احتوى كلام
يسوع على تعبير خطير في الآية 14-23 ، هو "ألزمهم بالدخول حتى يمتلئ بيتي"،
حيث أن السيد أمر خادمه بالخروج إلى الطرقات مرتين: مرة للدعوة، وحين لم
يمتلئ البيت جعله يخرج مرة ثانية لإلزام الناس بالحضور إلى دعوته..
بالطبع، وكعادة النصوص الدينية، فيمكن تأويل "الإلزام" هنا بعدة أشكال
مختلفة، فهناك من حاول التخفيف من المعنى وجعله "الإلحاح بالإقناع"..
وقد بحثت بالمعاجم عن التعبير اليوناني المستخدم، ووجدت أنه يأتي بمعنى الإضطرار والإلحاح وأحيانا الإجبار..
كما وجدت أنه هو ذات اللفظ المستخدم في كلام بولس عن نفسه أنه قبل إيمانه
كان يجبر المسيحيين على التجديف، وهو ما لم يكن يتضمن الإقناع طبعا وإنما
الإجبار والعقاب والنفي، حيث يقول (وفي كل المجامع كنت أعاقبهم مرارا
كثيرة، و"أضطرهم" إلى التجديف. وإذ أفرط حنقي عليهم كنت أطردهم إلى المدن
التي في الخارج) أعمال الرسل 26 - 11، فاللفظة اليونانية التي تعني
"ألزم\اضطر" هي نفسها في كلام بولس وكلام يسوع..
إذن فالنص
يحتمل بالفعل معنى الإجبار، والأهم من ذلك أنه تاريخيا تم فهمه من قبل
الكنيسة الرسمية على أنه يأمر بتتبع الناس في كل النواحي وإلزامهم بالدخول
إلى المسيحية قهرا وبالقوة حتى وإن رفضوا..
هذا حدث على سبيل
المثال فيما يسمى "فتنة الدوناتيين"، وهي حركة انشقاق دينية مسيحية وقعت في
شمال أفريقيا في القرن الرابع إلى السادس، وكان من أشد المعادين لها هو
القديس- حينها الأسقف- أوغسطينوس، والذي كتب في إحدى رسائله يستشهد بقصة
الوليمة المذكورة التي حكاها يسوع، مبررا إمكانية استخدام القمع ضد
المهرطقين، وإجبارهم على اتباع طريق العقيدة القويمة، وهو ما قام به
المسئولون الرومان بكفاءة مستخدمين المصادرة والنفي والقتل..

يقال أن هرقل البيزنطي حين قرر بدء حملته العسكرية المضادة ضد الفرس،
استهل ذلك بأن منح - مضطرا- عرب الشام (المسيحيين) حكما مستقلا، وكان ذلك
في عام 622 م، والذي سيتم الإشارة إليه في المدونات بتاريخ "حكم العرب" -
لاحقا "الهجرة".. أما في الجنوب فقد كانت الأحداث تتطور بشكل
كبير، فقد كانت يثرب وما حولها موطنا لهجرات من عدة أماكن، يأتيها أشخاص من
خلفيات دينية مختلفة (المهاجرين) ويستوطنون إلى جوار اليهود المقيمين هناك..
وفي مرحلة ما قامت بعض الطوائف هناك باستحضار مدعي نبوة من "أم القرى"،
لينتقل إليهم ويتزعم حركتهم (بيعة العقبة الأولى والثانية).. "أم
القرى" هنا هي مستوطنة حول بيت مقدس (كعبة) يقع في مكان ما شمال غرب
الجزيرة العربية، تقام عنده طقوس وثنية للحج وذبح الأضاحي لعرب الشمال،
وكانت تسمى "الكعبة الشامية" في مقابل الكعبات الأخرى (اليمانية) بجنوب
الجزيرة.. وحسب القرآن والروايات المتاحة فلم يكن محمدا يعمل
بمفرده وإنما هو تلميذ لمجموعات من أهل الكتاب، الذين وصفوا بأنهم يهود أو
نصارى، ولعلها جماعة الإيبونيين التي تؤمن بيسوع وتقدس التوراة وتطبق
الختان والشريعة اليهودية.. وبدأ المناخ الديني يتبلور في يثرب،
في شكل جدالات أساسا بين اليهود والعرب الوثنيين (المشركين) والعرب
الموحدين (الحنفاء) وجماعة محمد، بدأت بمحاولة التبشير بالتوحيد بين
الوثنيين، ثم انتقلت إلى عقيدة اليهود الذين كانوا ينتظرون مجيء المخلص
المنتظر (المسيح) الذي سيقودهم إلى القدس منتصرين، وحاول محمد أن يقدم نفسه
إلى اليهود باعتباره نبيا مبشرا بقدوم ذلك المسيح.. وهكذا نجد أن
أقدم نص تاريخي يتحدث عن محمد (قبل سيرته العربية بأكثر من مائة سنة) يقول
أنه نبي ظهر بين العرب ليبشر بقدوم الممسوح اليهودي.. ويبدو أنه
في البدء لاقى نجاحا جزئيا حيث أقام حلفا سياسيا مع اليهود وتأثر بعقيدتهم
وشريعتهم، بل واتبعه بعضهم، ثم يبدو أن الشكوك اليهودية تجاه محمد بدأت في
التصاعد، وزادت حدة الجدل حتى وصلت إلى مرحلة الصدام.. وهنا بدأ
التحول الديني التالي لدعوة محمد، فتراجعت قصص موسى - البطل اليهودي الأهم
- وحل محلها قصص إبراهيم، الأب المشترك للعرب، وكذلك تم تحويل القبلة من
القدس إلى بيت العرب، الذي كان مايزال مكانا مهما للحج.. وبدلا من
الحوار الديني مع "أهل الكتاب" والذي لم يؤت ثماره، صارت الدعوة قتالية
موجهة لشباب القبائل العربية، تغريهم بالغنائم والنساء، مما كان له نتائج
أكثر عملية.. ومع وقوع عدة مواجهات عسكرية بين أتباع محمد وخصومهم
من المشركين أو اليهود، ورغم تحقيقه لعدد محدود من الإنتصارات جعلت له
مكانة محلية لا بأس بها، إلا أن نتيجة الحروب كانت ماتزال غير حاسمة، ولم
تتمكن جماعة محمد من السيطرة على البيت المقدس العربي.. في ذلك
الحين كان عرب الشام (سنسميهم الأمويين) يبحثون عن طريقة لتدعيم حكمهم
وتعميقه وحمايته من غدر الروم، ويبدو أنهم كانوا يحتفظون بعلاقات تحالف مع
العرب الوثنيين عند الكعبة (حلف قريش، الإيلاف)، ولكنهم - بحنكتهم السياسية
لاحظوا أن الدفة تتغير، وأن دعوة التوحيد اليهودية\العربية أقدر على
مساعدتهم على تحقيق أهدافهم.. وهكذا تبدلت التحالفات، ووجد كل فريق ضالته عند الآخر.. ما وفره محمد لعرب الشام: ظهيرا داخل الجزيرة العربية، وحافزا دينيا قادرا على اجتذاب العرب لقتال الروم لو لزم الأمر..
وما وفره عرب الشام لمحمد: اعترافا معنويا من قبل الشام المهيبة، رفع اسم
النبي الجديد بين العرب، وغطاءا سياسيا لقراراته ومعاهداته..
وبعد عقد المعاهدة بين الطرفين (صلح الحديبية) انضم اثنان من قادة الشام
المحنكين إلى جيش محمد (خالد ابن الوليد وعمرو ابن العاص)، وبدأت
الإستعدادات الطموحة لإخضاع العرب في الجنوب.. ومع ذيوع الخبر
بدأت القبائل العربية تتوافد على محمد لإعلان الولاء له ولداعميه بالشام
(عام الوفود)، وكانت النتيجة الطبيعية هي زوال الدعم الشامي عن أم القرى،
وبالتالي سقوط البيت المقدس تحت حكم الحلف الصاعد، مما مثل انتصارا زاهيا
لمحمد.. ولأن الدين يتبع السياسة، فقد شهدت تلك المرحلة تحولا
آخر في الخطاب القرآني، الذي أعلن يأسه من اليهود وبدأ يمدح النصارى
ورهبانهم الذين هم أقرب مودة للمؤمنين، وصار يذكر عيسى ويمدحه وأمه، مع عدم
التمادي إلى درجة تجعله يخسر أتباعه من أصحاب الخلفيات العربية
واليهودية.. أما فكرة "المسيح اليهودي المنتظر"، فقد قدمت
المسيحية بديلا ألطف لها وأقل راديكالية وأنسب للمرحلة، وهو عودة يسوع\عيسى
آخر الزمان، وهكذا تراجعت الجوانب اليهودية لصالح المد المسيحي..
لكن ذلك التحول لم يعجب البعض، نلمح ظلالا من هذا في اعتراضات الصحابة
(عمر ابن الخطاب تحديدا) على صلح الحديبية، كما نقرأ عن احتجاجات توجهت ضد
محمد نفسه في أواخر حياته، حتى وصل الأمر إلى أن وصفه عمر بالخرف ومنعه من
التوصية (رزية الخميس).. بل حتى مقتل محمد نفسه تدور حوله ظلال من الشك، وتم ربطه بامرأة يهودية دست له السم..
ولما مات تم استكمال مسيرة إخضاع القبائل العربية بدعم الشام، وتم القضاء
على الزعامات\النبوات المنافسة (فيما سيسمى لاحقا "حروب الردة")..
وحين انطلقت الفتوحات العربية التوسعية والمصادمة مع الحاميات البيزنطية
بالمنطقة، لم يكن الغزاة مسلمين بالمعنى المعاصر، وإنما كانوا حلفا عربيا
تقوده الشام سياسيا ويثرب دينيا، ولم يكن الدين آنذاك سوى خليط من الخلفيات
العقائدية المختلفة للسكان، وبين أقوال محمد وتعاليمه، وهي أقوال متناقضة
في مناحي كثيرة، ساهمت فيها جماعات عديدة دينية أثرت بمحمد، حيث بدأت بسجع
كهنة عن إله نجمي غامض، ثم أخذت منحى يهوديا موسويا في يثرب، ثم منحى
إبراهيمي حنفي، وأخيرا عربي موال للمسيحية - وربما لهذا لم يتم جمع المصحف
آنذاك، لأن التناقضات كانت غير قابلة للحسم بين الفرق (الذين يسميهم
القرآن الأحزاب أو المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين).. وكان
"المهاغرايا" (المهاجرين) آنذاك يتوجهون بالصلاة نحو الكعبة العربية في
شمال غرب الجزيرة، كذلك تخبرنا المدونات القديمة (مسيحية وعربية)، وكذلك
تدل بقايا المساجد القديمة في العراق ومصر والأردن.. وبعد فتح
القدس، توجهت جماعة إلى إعادة بناء الهيكل، تمهيدا لمجيء المسيح، تحقيقا
للحلم اليهودي القديم، وكان قائد البناء هو عمر الذي حاول لعب دور المسيح
اليهودي الذي بشر به محمد، بأن حمل لقب "الفاروق" (بالسريانية: المخلّص)،
وبأن دخل القدس راكبا على حمار.. ولاحقا تنامت سيطرة الأمويين
على يثرب، بعد فترات من الإستقلال النسبي تحت حكم عمر، مما أدى إلى غضب
البعض وهروب البعض الآخر من الصحابة.. ومع نجاح الفتوحات كان
لابد من حل مشكلة الجدالات الدينية تحت السلطة الأموية، فكان جمع المصحف
العثماني وتنقيحه وحرق النسخ المخالفة، وسط اعتراضات من الصحابة تم
طمسها.. وتفجرت الإحتجاجات السياسية\الدينية ضد الأمويين، بداية
من مقتل عثمان ثم ثورة أسرة محمد (علي وشيعته) بالعراق، حتى نجاح ابن
الزبير مؤقتا في حكم الكعبة وأجزاء كبيرة من الجزيرة العربية..
وأخطر ما فعله ابن الزبير هو الإنسحاب جنوبا، مع نقل الكعبة، أو بمعنى أدق
هدم كعبة الشام وإعادة توطين أهم عناصرها (الحجر الأسود) في مكان آخر أكثر
جنوبا (مكة الحالية)، وكان الهدف السياسي هو الإبتعاد عن النفوذ الأموي
بالشام واللجوء إلى مكان أكثر أمنا بقلب الجزيرة.. ثم إن ابن
الزبير هو أول من سك عملات تعلن عن نبوة محمد، مستغلا الدعوة ومعيدا
إحياءها مرة أخرى في شكل هوية عربية مستقلة تعادي الروم وحلفاءهم القدامى..
وربما في تلك الفترة تمت إضافة آيات أخرى للمصحف، تعلن محمدا نبيا
للعالمين، والإسلام دينا جديدا للعرب يقف بشكل مستقل بمعزل عن عقائد اليهود
أو النصارى، وهكذا سيصبح "الدين عند الله الإسلام".. أما المنافس
الشامي لابن الزبير- عبد الملك ابن مروان - فقد لجأ، مع وزيره الحجاج، إلى
سياسة ذكية تتمثل، لا في مقاومة الصحوة المحمدية وإنما في امتصاصها وإعادة
توظيفها لصالح غرضه السياسي وهو توحيد العرب.. ويخبرنا علماء
الآثار أن اسم محمد قد ظهر على عملات تحتوي علامات مسيحية ويهودية، مما
يوحي وجود عدة جماعات تحاول استخدام الشعار، وبعد ظهور شهادة التوحيد نجد
أن "عملات محمد" قد انتقلت تدريجيا من شرق الإمبراطورية الإسلامية إلى
غربها.. أما عن موضع الحج وقبلة الصلاة، والتي كانت لفترة موضع
نزاعات سجلها القرآن، فقد جرت محاولة لإعادتها إلى القدس، حيث تم بناء قبة
الصخرة، والتي تحمل أقدم نصوص قرآنية متاحة، معلنة أن الدين عند الله
الإسلام وأن محمد رسول الله وعيسى مجرد بشر، ولكن يبدو أن المسألة لم تلاق
نجاحا، فجرى الإستسلام للقبلة العربية في زمن الوليد - ابن عبد الملك- حيث
جرى تعديل بالمساجد الكبرى لتواجد قبلاتها مكة الحالية، وليس القديمة
الشمالية.. أما أقدم مخطوطات قرآنية (صنعاء) فتعود أيضا إلى حقبة
الوليد ابن عبد الملك، وليس لدينا قرآن قبل زمن الأسرة المروانية، وأما
الروايات المتاحة فتتحدث عن دور للحجاج في صياغة وتنقيح - وربما تعريب-
المصحف.. وهكذا نجح الأمويون - بعد شد وجذب- في صناعة الإسلام،
عن طريق استغلال إحياء دعوة محمد وإعادة بلورتها لتخدم السلطة، ولاحقا
سيتم تنقيح الأحاديث وولادة الفقه في العصر العباسي، مما سيشكل ما نعرفه
اليوم بـ"الإسلام السنّي".. لكن ستبقى ملامح من الإسلام الأقدم
والأقرب لمحمد في صورة "الإسلام الشيعي"، الذي يحتوي حاخامية ويؤمن بحكم
القضاة الدينيين من سلالة حاكمة مقدسة، على الطريقة الداودية، ويتطلع بشوق
إلى عودة المسيح اليهودي (المهدي)..