الثلاثاء، 1 يناير 2019

الله: الحل السهل




كلما سمعت أحد أصحاب الفكر الديني يتفلسف ويقول أن العلم عجز عن تفسير الحياة أو الوعي أو نشأة الكون أو الأخلاق أو غير ذلك، فأول ما يخطر لي هو : فعلا، يالهم من حمقى علماء الطبيعة الماديين هؤلاء.. لماذا لا يخترعون اسما وهميا من أربعة حروف مثلا، لشيء لا يمكن رصده أو تعريفه ولا دليل عليه، ثم يقولون أنه هذا الإسم يفسر كل الظواهر المجهولة، بدلا من وجع الرأس؟!

الإلحاد والأديان الأرضية




حين تؤمن أن دينا معينا هو "الدين المختار" من دون الأديان، فأنت ذو فكر متعصب ضيق الأفق..

ولا يختلف الحال لو كنت تؤمن أن قومية معينة هي الأفضل، أو عرقا معينا، أو طبقة معينة..

في بعض ساحات المجموعات اللادينية يتم انتقاد الأديان بعنف (غالبا تستحقه)، مما يجعل البعض (دينيين ولادينيين) يظن أن الملحد يكره الأديان بشكل شخصي إلى درجة أنه مستعد لقبول - أو التغاضي عن- أنواع أخرى من التعصب..

وهذا الإعتقاد بنظري خاطئ، وإن صح فهو كارثي، فهو يعني أن الملحد تحرر من خرافة متعصبة ليقع في خرافة أخرى متعصبة..

نعم نرى بين الحين والآخر ذلك الشخص، الذي يلعن الدين والعروبة، وهو يفتخر بقومية أجداده الذين يعتقد أنهم خلقوا الكون واخترعوا الحضارة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس..

أونرى من يدين جمود أهل الأديان وتمسكهم بكتبهم، ويدين عنصرية اليهود واستعلائهم، ويسخر من انتظار المسيحيين لعودة يسوعهم، ويستنكر جهاد المسلمين ضد خصومهم، ثم إذا به يعلي من شأن مبادئ المادية الديالكتيكية ويرفض التشكيك فيها، ويقدس كتب ماركس ولينين وستالين، ويهتف بأن البروليتاريا هم طبقة الطبيعة المختارة، وينتظر عهدا تختفي فيه الدول والطبقات، وينادي بضرورة القتال وتدمير الخصوم استعجالا لقدوم ذلك اليوم المنتظر..

أو نرى أخرى تعترض - بحق- على ذكورية الأديان وتحيزها للرجال، ثم إذا بها تنادي بأن المرأة هي الأصل وأن الرجال كائنات دونية ناقصو عقل وأخلاق..

ويتناسى الرفاق أن هناك فارق هائل بين أن تؤمن بأفكارك- وكلنا يؤمن بأفكاره- وبين أن تتعصب لتلك الأفكار بحيث تعتبرها الحق المطلق الذي لا يناقش، وأن تعادي مخالفيها وتصفهم بالخيانة أو الشر..

كما أن هناك فارق هائل بين أن تنحاز لحقوق جماعة ما لأنها منقوصة الحقوق: الأمازيع، الأكراد، النساء، العمال والكادحين..إلخ - والإنحياز لحقوق المستضعفين هو
انحياز إيجابي مطلوب - وبين أن تنحاز لتلك الجماعة نفسها إلى درجة معاداة الآخرين والمطالبة بقمعهم أو إبادتهم..

وهنا يتوجب على كل إنساني أن يرفض كل ألوان الجمود والتعصب، سواء ادعت أنها جاءت من السماء أو من الأرض..

نعم نعلم أن التفسير المعجمي للإلحاد هو "عدم الإيمان بالآلهة - وبالتالي الأديان خاصة التأليهية"، ولكن سيكون جميلا لو نتبنى تفسيرا أوسع للأديان، وهي جميع المقدسات والتعصبات، وبالتالي نلحد بها كما نلحد بالأديان "السماوية"..

هنا حين نسمع مؤمنا- مسلما أو مسيحيا- ينتقد الإلحاد مستدعيا نماذج ملحدين سفاحين مثل ستالين وماو، فقد يخطر ببالنا عددا من الردود المنطقية، ولكن بنظري الرد الأفضل على ذلك المؤمن هو: أنت محق تماما..

نعم هناك ملحدون سفاحون مجرمون، وأكثر الملحدين يدينون أولئك كما ندين إجرام الأديان تماما (وربما هذا هو الفارق الأهم بيننا وبين المؤمن الذي يبرر جرائم دينه)، ولكن مربط الفرس هنا هو أن أولئك المجرمين لم يكونوا مجرمين لأنهم "ألحدوا أكثر من اللازم"، وإنما لأنهم تركوا الأديان المسماة سماوية ليصنعوا أنظمة شبه دينية شبيهة، ولكن بطابع أرضي.. كما يقول سام هاريس: مشكلة الفاشية والنازية والشيوعية ليست في أنها ابتعدت عن الأديان أكثر من اللازم، وإنما مشكلتها أنها تشبه الأديان أكثر من اللازم..

حتى أن كثيرا من الباحثين أشار لعقيدة "عبادة القائد" في الدول الشيوعية أو شبه الشيوعية، كما حصل في الإتحاد السوفييتي والصين وكوريا الشمالية وكوبا وغيرها، حيث تم تقديس الزعماء بشكل لا يختلف عن تقديس الأديان لأنبياءها في وجه من الوجوه..

وبالنسبة للملحد بالذات فهو أول من ينبغي أن يدرك أن الفارق بين "دين سماوي" و"دين أرضي" هو فارق وهمي، حيث أن الملحد يعرف أنه لا يوجد دين سماوي أصلا، فالكل جاء من الأرض، وإن ادعى القداسة.. وفي تلك الحالة لا يوجد فارق أخلاقي بين من يستمد القداسة من السماء أو من الأرض.. كلاهما ينتج تعصبا وخرافات وطغيانا..

وسيكون رائعا لو أننا ألحدنا بكل الأديان والآلهة، بمعناها الواسع، دون الإنخداع بالتقسيمات الشكلية..

الحجاب والسيطرة




"ملابس المرأة في مجتمع ما قد لا تخبرنا الكثير عن أخلاق المرأة نفسها، بقدر ما تخبرنا عن أخلاق الرجال في ذلك المجتمع"..

العبارة السابقة يمكن أن تفهم على وجهين متناقضين :
الأول ملائم تماما للفكر المحافظ الديني التقليدي المتشدد، ومعناه أن مسئولية تغطية النساء تعود إلى الرجال، فالذكر الشريف يتوجب عليه الإشراف على تغطية "نساءه" جميعا: بناته وإخواته وزوجاته وحتى أمه - فإن لم يفعل فهو يستحق وصف "الدياثة" المشين..

والحقيقة أنني أيضا أرى العبارة صحيحة، ولكن بشكل معاكس..

فذلك الهوس المنتشر في مجتمعاتنا بضرورة تغطية المرأة وقمعها حتى لا تكاد تتنفس، لا ينبع فقط من نزعة تقليدية نحو الحشمة كان يمكن تفهمها، وإنما هو يعكس بالأساس قلة ثقة الرجال في بعضهم البعض..

ولنجرب- آسفين- استلهام مقارناتهم البغيضة للمرأة بالمتاع : فلو أنني أخبرتك أنني أسكن في حي لا يقوم الناس فيه بالخروج ليلا، أو إظهار أي نقود علنا بالشارع، بل والحرص على عدم ارتداء مقتنيات غالية الثمن، فهل ستعتبر تلك الأوصاف دليلا على أن أهل ذلك الحي هم جماعة من الشرفاء على خلق عظيم، أم دليلا على أنني أسكن في حي يمتلئ باللصوص وقطاع الطرق الذين سينتظرون أقل فرصة للوثب على ممتلكاتك؟ أظن الجواب واضح..

كذلك فرض الحجاب (غطاء الرأس) على المرأة، لا يعكس فقط النظر للمرأة على أنها متاع يجب حمايته، وإنما هو يعكس أيضا انتشار المخاطر والفوضى وسوء الخلق داخل المجتمع، من قبل الرجال تحديدا، كما يظهر انعدام الأمان للنساء في ذلك المجتمع..

ويظهر ذلك في النصوص الدينية ذاتها، فنقرأ الآية (يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) الأحزاب 59..

و تجمع التفاسير - مثل الطبري وغيره- على أن الآية نزلت بسبب تحرش بعض أهل المدينة (الصحابة) بالنساء و الفتيات بالطرقات، خاصة الجواري..

من تفسير ابن كثير نقرأ (كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل، خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب، قالوا: هذه حرة، فكفوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة، فوثبوا عليها)..

هذا يعني أن الحجاب في الأصل كان وسيلة لتمييز النساء الحرائر، حتى لا يتم التحرش بهن من قبل سكان المدينة المنورة بقدوم رسول الله إليها..

وفي آية أخرى تمنع نساء محمد أنفسهن من ترقيق الصوت، لأن هذا كفيل بإثارة الطمع في قلوب الصحابة أيضا (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) الأحزاب 32..

و في نفس السورة نقرأ تعليمات مشددة تحدد دخول الصحابة إلى بيت محمد، وتمنعهم من الكلام مع زوجاته وجها لوجه، مع تلميح بأن بعض الصحابة كان ينتظر موت الرسول ليتزوج من نسائه من بعده..

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا) الأحزاب 53..

هذا كله يصف مجتمعا من الذكور أصحاب الأخلاق البهيمية، لا يكتفون فقط بالنظر العابر إلى النساء، أو حتى اتخاذ صديقات وعشيقات كما عند الغرب، وإنما النتيجة المباشرة المترتبة على ذلك عندهم هي التحرش والأذى والقفز على النساء عند كل فرصة، والطمع حتى في زوجات نبيهم، كما ورد في روايات أخرى عديدة..

وحتى اليوم، نجد أن هناك علاقة طردية واضحة بين مدى الهوس بتغطية جسد المرأة، وبين النظرة الدونية المحتقرة لها ولدورها بالمجتمع، وهي علاقة لم تأت صدفة أبدا..

فنجد أن أكثر من ينادي بالحجاب والحشمة هم حصرا رجال ينظرون إلى المرأة باعتبارها كائن جنسي، جسد، قطعة لحم معروضة ومعرضة للنهش في أي لحظة، فلا مفر من إخفاء لحمي عن أعين الرجال الآخرين، وويل لهم هم إن لم يخفوا لحمهم عن عيوني!

وهنا تأتي الوصمة الكبرى للديوث، أنه نصف رجل يعجز عن حماية أملاكه ومتاعه، ويترك قطع لحمه تسير بالشارع معرضة لنهش الكلاب - عفوا، الرجال- الآخرين..

ويتساءل الإنسان الطبيعي: أي مجتمع هذا الذي لا يتميز بالحد الأدنى من الأمان والثقة بالبشر؟ وهل يبقى بعد ذلك دور للأخلاق التي يزعم الدين أنه يزرعها في نفوس أتباعه؟ وإن كنت تحتاج إلى تغطية شعر ووجه زوجتك وتمنعها من الخروج وحدها حتى لا تتعرض إلى الأذى، فهل يمكنك بعد ذلك أن تتفاخر بأخلاق أهل ذلك المجتمع المسلم العفيف، الذين تخاف على زوجتك منهم؟!

وهذا ما تعنيه مسألة الحجاب كلها، فهي لا تتعلق بالحشمة والعفة (ولنا في عورة الجارية عبرة) وإنما بالشعور بالأمان، وبالمستوى الأخلاقي للمجتمع، وهذا نعرفه جميعا بالتجربة، كرجال: حين أكون في مناخ حر حضاري راقي يحتوي أناسا متمدنين متعلمين، فلن أشعر بأي قلق بينما زوجتي تتحرك وتكشف وجهها وشعرها، ولو كنا على شاطئ بنفس تلك الصفات فسترتدي المايوه وستكون بأمان، لأن الآخرين سيكونون بشر طبيعيين مهتمين بشئونهم، فكل شاب لديه حياة وصديقة، والنظرة للمرأة أنها إنسان مثل الرجل، وليس أنها قطعة لحم..

أما لو كنت في مناخ متخلف جاهل ممتلئ بالكبت الجنسي والعقد النفسية، ومحمل بنظرة دونية بهيمية إلى المرأة، بحيث يبدو الرجال أشبه بكلاب جائعة لا يرون في المرأة سوى قطعة لحم متحركة، فحينها حتما سأشعر بالقلق على زوجتي، وسنجد أن الحشمة لم تعد مجرد عرف وإنما صارت ضرورة عملية هنا، درء لخطر، حتى لو اضطررنا إلى مجاراة الأعراف الدينية والتقليدية للمجتمع حولنا، فحينها تكون المرأة مضطرة لعدم لفت الإنتباه ولتجنب المضايقات والتحرشات من ذكور خير أمة أخرجت للناس..

وهذا لا ينطبق فقط على العلمانيين وإنما المسلمين أيضا، فالمسلم الذي يؤمن بتغطية شعر المرأة لو عاش ببلد ينتشر فيه النقاب، فقد يجد نفسه ينصح زوجته بالنقاب، لأن سقف العري تغير فصار وجهها يلفت الإنتباه هنا مما يجعلها معرضة للمضايقات أيضا- وهذا بالمناسبة يتماشى تماما مع آية الحجاب وأسباب نزولها..

يهوى المتشددون دائما طرح سؤالا ساخرا يوجه للعلمانيين: وهل العري هو معيار التحضر يا جماعة؟

والجواب حتما بالنفي، ولكن على الجانب الآخر لو لاحظنا أن التشدد في الحجاب هو أمر مرتبط باحتقار إنسانية المرأة، وأيضا بعدم الثقة في أخلاق الرجال، وبالخوف على النساء بالشوارع والطرقات، فسنستنتج أنه من أهم معايير التخلف وسوء الأخلاق..

الدين أم دينك أنت؟



ألم تلاحظ أن المؤمن حين يجادل الإلحاد فإنه يتحول إلى محامي عن "الأديان" فيتحدث عنها بالتعميم؟

ولكن هل نعرف مؤمنا يصدق أن كل الأديان صحيحة؟

أو حتى نصفها صحيح؟ ربعها؟


لا، فالأديان تناقض بعضها البعض وبالتالي لا يمكن عقلا أن تكون كلها صحيحة.. وإنما أقصى ما يمكن تصوره أن يكون هناك دين واحد صحيح..


وهذا تحديدا ما يؤمن به المؤمن: أن الأديان كلها باطلة، بشرية أو محرفة، ودينه الوحيد هو الصحيح..


وهذا - عزيزي المؤمن- هو نفس ما يؤمن به الملحد، باستثناء أنه لا يستثني دينك..

وهكذا فالمؤمن عمليا يرفض كل الأديان فيما عدا واحدا، ولكنه حين يريد مجابهة الإلحاد فإنه يفضل الإستقواء بجميع الأديان وكأنها تتفق على شيء أصلا..

ونعم: تناقض الأديان وتضاربها هو دليل آخر على كونها إفراز بشري محلي ابن بيئه وظروفه وعقول مؤلفيه..

المسلمون وعقدة الأجنبي



أخي المسلم: ضع عقدة الأجنبي جانبا وتعالى أخبرك بسر صغير:


هل تعرف ذلك المفكر أو المؤرخ الأوروبي من القرن التاسع عشر أو أوائل العشرين، ذا الإسم الفخيم الشهير، والذي تستشهد أنت فرحا بفقرة قالها مدح بها الإسلام أو رسوله، فترفعها في وجوهنا مختالا؟


صدق أو لا تصدق: أن أي ملحد عربي قارئ هنا من خلفية إسلامية لديه معلومات عن الإسلام أضعاف ما لدى ذلك الشخص..


لو استثنينا عددا من كبار المستشرقين الغربيين المختصين العارفين بتفاصيل هذا الدين، فإن صاحبك المؤلف أو المؤرخ الغربي ذا الإسم الفخيم غالبا يجهل العربية لغة القرآن، فهو يتعامل مع ترجمات، وفي عصره كانت كثير من المصادر الأصلية لم تترجم بعد إلى اللغات الأوروبية، كما أن بعضها لم يكن متاحا كما هو الحال اليوم في المكتبات وعلى الإنترنت بضغطة زر - بالتالي فقد يعرف قشورا أو خطوطا عريضة أو شذرات نقلت إليه..


والأهم أن هذا الشخص، والذي قد يكون نابغة في مجاله خارج الإسلام، هو غالبا كان لديه أولويات أخرى يهتم بالقراءة عنها، ولم ينغمس في تفاصيل هذا الدين..


وذلك بعكس كثير من المرتدين عن الإسلام اليوم، سواء إلى اللادينية أو إلى دين آخر كالمسيحية، من الذين لم يتركوا الإسلام إلا بعد أن خبروه جيدا، أو أنهم تركوه لأنهم خبروه، وهو ترك غالبا لم يأت سهلا وإنما تضمن بحوث وجدالات ومعاناة عقلية ونفسية..


بالتالي أرجو أن تتفهم جيدا أن مجرد الشعر الأشقر المتفرنج أو حتى ضخامة الإسم وشهرته وحدها لا تكفي لإبهارنا وإخراسنا أمام كل نص إيجابي كتبه أحدهم عن الإسلام، ربما بسبب أنه قرأ ترجمة محرفة للقرآن كتبها دجال مسلم ما..

تيمات السيرة



الروايات بالسيرة تتضمن عناصر ثابتة لطيفة ومسلية جدا، تيمات:

منها أن هناك شخصيات لهم أدوار ثابتة، فأبو بكر وعمر يتنافسان دائما مثل لوريل وهاردي، ونلاحظ أن عمر هو الحارس الشخصي المتوثب دائما بسيفه، فإذا عطس أحدهم أمام محمد يقفز عمر مستلا سيفه طارحا سؤاله الأشهر: هل أقطع عنقه يا رسول الله؟ ولكن للأسف فالرسول دائما يحبطه - على سبيل التسامح - فيفوتنا الأكشن المنتظر..

الملاحظ أيضا أن القتل كان منتشرا وسهلا بشكل عجيب، فتقرأ قصة أن فلان وعلان اختلفا فاستل أحدهما سيفه (نعم الكل يسير حاملا السيف، وليس عمر فقط) ويذبح الآخر هكذا وسط الطريق، ثم يشرب القاتل كوب شاي ويرجع لمنزله ينام.. تبا لكم، أين الشرطة؟ أين المحاكم؟

وفي أكثر الروايات تجد الشيء يحدث ثلاث مرات دائما.. فلان ذهب إلى علان يطلب منه شيئا فلم يجبه، فذهب إليه مرة ثانية فلم يجبه، ويعلم القارئ أنه حين يأتيه للمرة الثالثة سيحدث شيء جديد..

لاحظ أيضا أن كثير من الروايات تتضمن الخلفاء بترتيب الحكم، كان محمد يمشي ثم قابل أبو بكر فقال له كذا، ثم قابل عمر ثم قال له كذا، ثم قابل عثمان، ثم قابل علي..إلخ..

التكوين العبري




"بيريشيت برأ إيلوهيم إت هاشمايم وإت هآرتس"


هذه ليست طلاسم سحرية، وإنما هي الآية الأولى من الأصحاح الأول من الكتاب المقدس اليهودي، التوراة: "في البدء خلق الله السماوات والأرض"


هذه الأيام أتسلى بتعلم الأحرف وبعض الكلمات العبرية، أراجع بها بدايات التوراة، وإليكم بضعة ملحوظات عامة لا أدري إن كانت مفيدة أو مترابطة..

--------------------------------
رغم اختلاف الحروف تماما عن العربية، إلا أن كثير من الكلمات يبدو متشابها، لنأخذ أمثلة من تلك الآية :

لعلك لاحظت أن "برأ" تعني بالعبرية خلق، بنفس المعنى العربي، ومنه اسم الله "البارئ"..


"إلوهيم" هو اسم الله، "اللهم".. الميم بالنهاية للجمع (أو للتعظيم)..


"شمايم" هي السماوات.. الميم للجمع.. وفي الآية يضاف لها هاء التعريف في البداية (مقابل الألف واللام العربية)..


الآن صار بإمكانك أن تخمن معنى "هآرتس"..


تماما: "الأرض".. ومنها اسم الجريدة الإسرائيلية الشهيرة: هآرتس..


وفي الآيات التالية سنكتشف أن البحر هو "يم"، والبر هو "يابشة\يابسة"، كما سنسمع كلمات مثل "يرى" و"يأمر" و"يقرأ" و"يبارك" و"مقوم\مقام" و"يوم" و"ليله" و"زرع" و"فرع" و"عشب" و"كوكب" و"حياة" و"بهيمة" وغير ذلك، بنفس المعاني العربية تقريبا، بالإضافة إلى الأحرف والضمائر مثل "كان" و"به" و"منه" و"به" و"له"..إلخ..


وعلى سبيل المثال يمكنك هنا الإستماع إلى الآية 22، وفيما يلي ترجمة عربية ستجدها قريبة من النطق العبري، فتقريبا جميع الكلمات متشابهة..
 

ويبارك لها إلوهيم آمرا: فرّعوا واربوا واملأوا مياه اليم، والعوف (الطير) يربي الأرض..

--------------------------------

في الآيات التالية يحكي عن بدايات الخلق، ونلاحظ أن كلمة "روح" أو روخ بالعبرية.. هي ذات الكلمة المقابلة للهواء..


وهو ما نجده في العبرية والعربية معا: روح مقابل ريح، نفس مقابل التنفس، نسمة حياة مقابل نسمة هواء..


هل لهذا علاقة بإسم الإله اليهودي أنه "يهوه" (الهواء)؟، احتمال..

--------------------------------
حين يتكلم عن خلق السماء تأتي الكلمة في الترجمة العربية "جلد"، وهي بالعبرية "رقيع" وهو السطح المعدني المصقول.. فالسماء في التوراة كما في القرآن هي أشبه بسقف مادي يعلو الأرض، كما نجد أيضا قيام الله بفصل السماء عن الأرض.. وفي الآيات التالية سيستخدم تعبير "جلد السماء" أو "رقيع السماء" والذي يتم تثبيت الأجسام المضيئة (الشمس والقمر والنجوم) على سطحه لتنير الأرض..

--------------------------------
هناك فصل شهير في السفر، حيث نجد البداية (1-1) حتى انتهاء السفر زائد 3 آيات من التالي (2-3) تحكي قصة خلق الكون، ثم منذ الآية 2-4 نجده يحكي القصة من جديد بشكل مختلف، وببعض التناقضات، وكأن الكاتبان مختلفان.. وذلك تحديدا هو ما تقوله الفرضية الوثائقية، مما ليس مجاله هنا..


لكن ما لاحظته أن السردية الثانية (2- 4) تذكر لأول مرة اسم الله الجديد: يهوه إلوهيم.. بينما في الآيات السابقة كان فقط إلوهيم.. مما يدعم نظرية ازدواجية الكتبة..
--------------------------------


لاحظت أمرا لافتا - ولا أدري مدى صحته- هو أن ذكر آدم جاء لأول مرة بدون هاء التعريف (وقال الله لنخلق آدم على صورتنا).. ولكن في الآيات التالية جاء معرفا "هآدم \ الآدم"، ولو تذكرنا أن سبب التسمية أنه خلقه من هآدمة\آدمة أي تراب الأرض (2- 7) فيحتمل أننا نتحدث عن كلمة أكثر منه اسم علم - فالآدم هو "الأرضي"..؟