الجمعة، 27 يناير 2017

هدم أسطورة دين العفة 1





أولا: عن الجنس

الجنس خارج الدين
سنبدأ بإلقاء نظرة سريعة على الرؤية الأخرى المقابلة لرؤية الدين، و هي النظرة اللادينية أو الطبيعية أو العلمانية.

المعروف أن اللادينيين لا يستمدون أفكارهم بشكل جماعي من مصادر مقدسة، و إنما كل إنسان يكوّن وجهات نظره بشكل فردي من خلال البيئة و المجتمع و الظروف، و بالطبع من خلال الفكر و القراءة و الإطلاع كلٌ حسب جهوده الذاتية، و بذلك فالطبيعي أن تختلف طبائع و وجهات نظر اللادينيين فيما يخص كل شيء بما في ذلك السلوك الجنسي: فمثلا البعض يميل إلى المحافظة، بينما البعض إلى التحرر، و هكذا.

واقعيا فنسبة كبيرة من اللادينيين العلمانيين العقلانيين الحداثيين يؤمنون بحدين رئيسيين للسلوك الإنساني عموما : الحد الأول هو الحرية، فلا يحق أبدا لإنسان فرض رغباته أو قيمه الشخصية على إنسان آخر، و الحد الثاني هو أمن المجتمع، فالسلوك الذي يؤثر سلبيا على المجتمع هو سلوك ضار يجدر استنكاره و مقاومة انتشاره قدر الإمكان -  و المطلوب هنا هو تحقيق نوع من الموازنة بين الحدين.

بشكل مختصر فنظرة الكثير من اللادينيين إلى الجنس أنه مسألة شخصية بحتة، لكل إنسان أن يقرر سلوكه كما يشاء، و لا يحق للدولة أو المجتمع أن يتدخلا فيه بإسم الدين أو القيم الأخلاقية أو العادات و التقاليد..إلخ ، إلا إذا اقترن ذلك السلوك بضرر ملموس و مباشر لفرد آخر أو للمجتمع بشكل عام (كما في حالات الإغتصاب مثلا)؛ فدور الدولة و المجتمع هو حماية البشر و ليس فرض قيم العفة و الفضيلة، و التي يقررها كل إنسان لنفسه حسب معتقده أو دينه أو ميوله- ذلك أن حق الشخص في امتلاك جسده، و تقرير كيفية التصرف فيه بنفسه، هو حق إنساني أصيل.

و قد قام "الإتحاد العالمي للصحة الجنسية" في اجتماعه الرابع عشر (هونغ كونغ 1999) بتبني "الإعلان العالمي الحقوق الجنسية"، و الذي يتضمن أحد عشر حقا جنسيا لكل إنسان، منها حقه في الحرية و الكرامة و المتعة الجنسية، و في السلامة الجسدية، و في الخصوصية و المساواة و حرية التعبير و التواصل الجنسي ، و حقه في اختيار اختيارات تناسلية، و في  الحصول على تعليم و ثقافة جنسية و أيضا رعاية صحية جنسية ملائمة.

هل الجنس أمر معيب؟
إذن، فهل الجنس بحد ذاته  هو أمر لاأخلاقي يستحق الإدانة؟

من وجهة نظر بعض الأديان التي تركز على النظرة الثنائية للوجود أنه منقسم إلى مادة و روح، و من ثم تنحاز بقوة إلى الأخيرة ، فالجنس و الشهوة الجنسية هي أمور محتقرة دنيئة لا تليق، مثلما هو الحال مع البوذية و المسيحية؛ و يصل الأمر في الثانية أنها تحتوي نصوصا على لسان يسوع تجعل النظرة إلى المرأة مساوية لفعل الزنا، و تدعو إلى بتر الأعضاء و فقء العيون و خصي البشر تجنبا للشهوة، كما نجد بولس الرسول ينصح الناس بعدم الزواج إلا عند الإضطرار، لأنه "يحسن بالرجل أن لا يمس امرأة".

و لا ننسى بالطبع أن الرمز الأكبر لتلك الديانة - يسوع المسيح- قد ولد بدون جنس من عذراء لم يمسها ذكر ، و كأنهم أرادوه أن يكون مطهرا من ذلك "الدنس"، كما أن الرجل طوال سيرته المكتوبة في الأناجيل نجده منقطع الصلة تماما بأي مشاعر أو شهوة أو ممارسة جنسية من أي نوع، فلم ينظر حتى إلى امرأة فيعجب بجمالها- و ذلك رغم أنه قد شعر بأحاسيس بشرية و جسدية أخرى مثل الجوع و الألم..إلخ، لكن الجنس بالذات محرم عليه، فهو أرقى من ذلك!

و قد أكد يسوع أنه حتى في الملكوت فلن يكون هناك وجود لأي ممارسات جنسية، كما نجد نصا آخر على لسان يوحنا مفاده أن من يرثون الملكوت هم الذين لم ينجسوا أجسادهم مع النساء.

هكذا حين نقرأ نقدا للإسلام من وجهة نظر مسيحية، نجد هناك إدانة شديدة لكل ممارسة إسلامية تحتوي شهوة أو جنس ، و كأن الدين الصحيح يفترض فيه أن يعادي الجنس في المجمل، و يرفض الشهوة باعتبارها أمر "غير روحاني" دنيء و دنس.

هنا لن ننظر إلى المسألة بهذا الشكل أبدا؛ و إنما من وجهة نظر علمانية أو إنسانية نرى أن الجنس في المقام الأول مسألة شخصية تتعلق بحرية الإنسان و لا يحق لأحد التدخل فيها، و من الناحية الأخلاقية لا نرى أن الجنس أمرا مدانا ، و لا نرى أن كثرة الزواج أو كثرة الشهوة أو حتى صياغة الأدب و الشعر الجنسي الصريح هي في حد ذاتها أمور مشينة أو خاطئة بالمرة ؛ و إنما بشكل مبدئي فالجنس هو شيء رائع و راقي، مرتبط  بمتعة البشر و ضروري لصحتهم النفسية و الجسدية، بالإضافة إلى غاية بقاء النوع طبعا.

كذلك، يمكن لنا القول أن من أجمل النصوص الدينية على الإطلاق هو نشيد الإنشاد في الكتاب المقدس اليهودي، و الذي هو عبارة عن شعر غزلي جنسي ، و الشيء نفسه ينطبق على ِأشعار العصر العباسي مثلا و التي سنمر بها ، بما احتوته من أبيات حب و غزل عفيف أو حتى صريح و جنسي.

بالتالي فحين ندين النظرة الإسلامية إلى الجنس فنحن لا ندينها من وجهة نظر دينية متعصبة تحتقر الشهوة و ترفضها ، و إنما بالأحرى من وجهة نظر إنسانية، ترى أن العيب ليس في الإستمتاع الجنسي بحد ذاته،  ولكن العيب في أمرين خطيرين مصاحبين لذلك الإستمتاع، و هو ما يجعلنا ندينه بكل قوة :

العيب أولا أن يقترن ذلك الإستمتاع بظلم للبشر، مثلما سنرى في تعدد الزوجات و زواج الطفلة و أحكام الطلاق و زواج المتعة و اغتصاب السبي و ملك اليمين و تجارة البشر ، و هي كلها أحكام قاسية جائرة منحازة مائة بالمائة لخدمة الذكر المسلم الحر وحده، الذي يمتلك المرأة للمتعة فيشتريها بماله أو يأسرها بسيفه، ثم يحق له التحكم في مصيرها بشكل لا علاقة له بالعدل أو الرحمة - هنا تصبح الشهوة مسالة منحطة، حين تقترن باغتصاب طفلة أو خطف فتاة أسيرة، بعد قتل أهلها أو شرائها من السوق.

ثم إن العيب ثانيا في النفاق الذي يمارسه المسلم، حين يدعي الطهر و النقاء و العفة و الزهد لدينه، ثم يفتري على معتقدات الآخرين فينتقد المسيحيين ساخرا من من نص كنشيد الإنشاد مثلا، و يدين الحضارة الغربية باعتبارها حضارة الفسق و الفجور..إلخ ، و يتناسى الكم الهائل من الإباحية الفجة و الإنحلال و الدعارة المنظمة في دينه و في تاريخه، اللتين يفتخر بهما دون علم.

إذن، فالشهوة الجنسية هي أمر رائع، و لا يصح إدانة تلك الشهوة إلا حين ترتبط بظلم أو نفاق؛ هنا يخرج الجنس من نطاق السلوك الشخصي، و تصبح الشهوة أكثر دناءة مما يمارسه الحيوان في الغابة – فالأخير إن وقع في بعض الظلم بغريزته، فعلى الأقل لا يمكننا اتهامه بالنفاق و العيش بوجهين.

أما بعد، فلنشاهد معا ملامح من تعامل النصوص الدينية و الإسلامية تحديدا مع الجنس؛ نبدأ بسير الأنبياء السابقين أولا، ثم نصل إلى التعاليم و الشرائع الإسلامية و سلوكيات نبي الإسلام ذاته.

المقدمة وفهرس الأجزاء

هدم أسطورة دين العفة 0




هل الإسلام دين عفة و فضيلة و حشمة حقا؟
في مناسبات عديدة نرى المسلم ينتقد الآخرين (سواء لادينيين، أو حتى مسيحيين و يهود..إلخ) بحجة أنهم يفتقرون إلى الأخلاق و تحديدا إلى فضيلة "العفة".

من وجهة نظر كثير من المسلمين، فالآخر دائما- خاصة الملحدين- لديهم أنواعا مختلفة من التسيّب و الإنحلال الجنسي و الفسق و الفجور و الخلاعة، إلى آخر المسميات إياها ، سواء على مستوى الفكر أو على مستوى السلوك؛ كما نجد الكثيرين ينظرون إلى الحضارة الغربية مثلا فلا يرون فيها سوى العري و الإباحية و المراقص و الملاهي و الدعارة.

 و في المقابل ينظر المسلم اليوم إلى مظاهر بعض المجتمعات الإسلامية المنغلقة، فيرى الحجاب و النقاب و تشدد الشيوخ الهيستيري في منع الإختلاط و تغطية المرأة حتى كتم أنفاسها، فيمتلئ فخرا بهذا "الشرف" العظيم الذي يكرم المرأة و يصونها تماما كما يتم صيانة الجواهر و الحلوى تماما(!)، و إذا به يحرص بكل حماس على تأكيد مدى الإستقامة و العفة في دينه، الذي ينهى عن الزنا و الفوضى الجنسية و يأمر بالحشمة و الوقار و العفاف و يتشدد تجاه الإختلاط..إلخ.

و الحقيقة أن تلك المقارنة بالتحديد تأخذ حيزا هائلا في فكر المسلم و حديثه، حتى أن الجدال الإسلامي ضد الآخر (كالعلماني أو اللاديني) يبدو أحيانا و كأنه صراع حصري ما بين العفاف الجنسي في ناحية في مقابل الإنحلال الجنسي من ناحية أخرى!

فهل تلك الصورة دقيقة؟ أم أن صاحبنا ينظر بشكل سطحي لا يرى إلا قمة جبل الجليد، و يجهل- أو يتجاهل- ما تحته، فلو أنه قرأ ما يكفي في نصوص دينه و تاريخه لظهرت له صورة مغايرة تماما، و صادمة أحيانا؟

هل الإسلام حقا هو دين الحشمة و الوقار و الإلتزام الجنسي؟
هذا ما سنناقشه هنا، و سنجيب عنه بالنفي القاطع، مثبتين أن هذا الدين، و على عكس ما يزعم لنفسه، يتضمن عناصر كثيرة من الإنحلال الجنسي و الشذوذ و العهر، حتى أنه لا يوجد مظهر واحد من مظاهر "الفجور" يدين به المسلم الآخرين إلا و يوجد مثله- بل أكثر فضائحية منه- في ثنايا نصوصه الدينية و تاريخه و سير شخوصه المقدسين.

فهرس الأجزاء:

أولا: عن الجنس 
الجنس خارج الدين - هل الجنس أمر معيب؟

ثانيا: الأنبياء و العفة 
البداية: نكاح المحارم -  أبو الأنبياء القواد بزوجته - لوط يعرض بناته للإغتصاب الجماعي - الله يعرّي موسى (بالإستعانة بحجر عداء) - داود الزاني و مغامراته مع "نعجاته" - سليمان و الرقم القياسي للجنس

ثالثا: الإسلام و الزواج

عن الروايات - المرأة = متاع - الزواج = جنس - الزواج هو تملك الرجل لفرج المرأة - المرأة ملك للرجل - تعدد الزوجات - زواج الطفلات حتى الرضيعة - ماذا قال الفقهاء؟ - لا تستأذن في الزواج - متى يُدخل بها؟ - مقدمات الإنتهاك

رابعا: الإسلام و الزنا
الجريمة المستحيل إثباتها - الإنحلال في المجتمع العربي - الملاعنة و المزيد من الإنحلال - المغيّبات - أحكام الإسلام: عفة أم براغماتية؟  - قصة المغيرة ابن شعبة - إباحة الزنا في الإسلام - ابن الزوجة الزانية ينسب للزوج- الحمل سنوات - التساهل مع مقدمات الزنا - معالجة الإسلام للمشاكل الجنسية

خامسا: الدعارة الشرعية
دعارة المتعة - ملك اليمين – وطء ملك اليمين - الزواج بالجارية مكروه - اغتصاب الجارية حتى لو كانت متزوجة - نزع الجارية من زوجها لوطئها – العزل - اغتصاب النساء من أهم دوافع الجهاد - عورة الجارية من السرة للركبة - التحرش و الحجاب، بين الجارية و الحرة - الفاروق يضرب الجارية لتتعرّى - المزيد من العري و الإبتذال - بغاء الجواري - ثمن الجارية- المزيد من العهر

سادسا: دين الإنحلال
حضارة السبي و الجواري  - حضارة الإباحية و الفحش - عائشة، اللعوب ذات المؤخرة المدهشة –- عشق الغلمان - غلمان الجنة – عهر الجنة - القوادة الإلهية - عودة إلى التساهل في العورات  - عورة المسلمة أمام محارمها - الفقه و نكاح المحارم - مهزلة رضاع الكبير - حتى البهائم

سابعا: محمد
النبي و النساء - النساء اللاتي أحلهن الله لنبيه- اللاتي وهبن أنفسهن له - مسارعة الله في هوى نبيه - عن الخصائص النبوية – زيجاته – عائشة – الظلم الحلال – غنيمة أخرى - روايات الفحولة النبوية - حتى في الحيض و الصيام – النبي لا يغض بصره - الطمع في زوجة الإبن- حماية الله لنساء نبيه- سراريه – جويرية – ريحانة – مأساة صفية – مارية - حفصة تمسك برسول الله متلبسا - ابن مارية - عائشة و صفوان - عائشة و الأخبار الجنسية - المزيد من الروايات الفاحشة - عائشة و "إخوانها" الغامضون - روايات شذوذ الرسول- الشذوذ مع الأحفاد

ثامنا: الختام

من يحتاج إلى دليل؟





 

يقولون: "من الناحية العلمية والفلسفية لا يمكن إثبات عدم وجود الله أبدا.. ومن الخطأ القول أن عدم وجود دليل على وجود الله هو دليل على عدم وجوده، فالمعروف أن عدم الدليل ليس دليل العدم، وهكذا يصبح الإلحاد - نفي وجود الإله- قرارا عاطفيا غير علمي وغير قابل للإثبات".


و بالمثل نقول :
"
من الناحية العلمية والفلسفية لا يمكن إثبات عدم وجود "الآلهة" أبدا.. ومن الخطأ القول أن عدم وجود دليل على وجود الآلهة هو دليل على عدم وجودهم ، فالمعروف أن عدم الدليل ليس دليل العدم، وهكذا يصبح "التوحيد"- نفي وجود سائر الآلهة - قرارا عاطفيا غير علمي و غير قابل للإثبات".

فما العمل إذن؟

واحد من اثنين
:

الأول أن تلتزم باللاأدرية الحيادية المطلقة بين الجميع ، فتقف في المنتصف محايدا بين الإيمان بالله والإلحاد به، ثم تقف محايدا بين الإيمان بزيوس وحورس وبعل وكريشنا و أهورا مازدا والإلحاد بهم -وذلك إن استطعت التضحية بعقلك إلى هذا الحد.

والحل الثاني أن نعتمد القاعدة البسيطة القائلة أن البينة على من ادعى، وأن الأصل هو عدم افتراض ما لا نحتاج إلى افتراضه، و من ثم نلتزم فقط بتصديق ما يوجد دليل على صدقه وبترجيح ما يوجد دليل على ترجيحه، وحينها سوف تصبح ملحدا- ليس بمعنى أنك متيقن من عدم وجود الآلهة والشياطين والسنافر، ولكن بمعنى إنك لا تأخذ وجود تلك الكيانات بجدية، و كذلك الحال مع كل كيان خرافي اخترعه أحدهم دون أن يكون هناك دليلا على صدق وجوده أو ترجيح ذلك الوجود.

عن غسيل الدماغ





إياك أن تقول عني مغسول الدماغ ،
بالعكس، فقد شككت و بحثت بموضوعية وحياد،
فقرأت الكتب التي أعطوها لي وأنا صغير،
وفكرت بنفس العناصر والأدوات التي زرعوها في رأسي منذ ولادتي،
ولم أدخل في مناقشات سوى مع أشخاص يؤمنون بنفس الفكر السائد في مجتمعي،
لم أقرأ سوى جرائدنا ولم  أشاهد سوى إعلامنا ولم أستمع سوى إلى رجال الدين الذين يظهرون في تلفازنا الوطني،

 ثم بعد هذا ""التفكير"" توصلت في النهاية- بعقلي الحر المستقل- إلى أن الحق المطلق هو ذاته ما علموه لي و أنا صغير... فيالها من صدفة سعيدة!

بعد هذا كله كيف تقول أنهم غسلوا دماغي؟!

ليس شأنك



 


"ما رأيك في الشذوذ الجنسي\ المثلية؟"

هو سؤال عجيب يشبه مثلا سؤال "ما رأيك في أكل البيتزا بالسكر؟" ؛ والجواب ببساطة أنه أمر يعود لكل فرد ،فطعام الإنسان-  بالإضافة إلى سلوكه الشخصي و الجنسي-  هو أمر يعود إلى الإنسان نفسه ولا يخص أحدا سواه.

أنا لم أجرب البيتزا بالسكر، وأتصور أنها أمر مقزز لا أود تجربته ، ولكن هذا لا يعطيني أدنى حق في فرض ذوقي على الآخرين ومنعهم من أكل البيتزا بالسكر.

بالمثل، من حقك أن تطرح رأيك في أي شيء، فقط مع ملاحظة أنه حين يكون ذلك الرأي يتعلق بالسلوك الشخصي لإنسان آخر، فرأيك يظل بلا أي قيمة- سلبا أو إيجابا-  ذلك لأن هذا الشخص هو الوحيد الذي يحق له تقرير سلوكه الشخصي، و ليس أنت أو أنا أو غيرنا.

إن كان لا يعجبك فلا تفعله. نقطة.

في مجتمع متقدم وعقلاني، فالخط الأحمر الوحيد هو حقوق الآخرين، لا يحق لأحد انتهاكها، أما انتهاك حدود الدين و الأخلاق و "الطبيعية" و ضرر الذات فهو ببساطة حرية شخصية، ولا يهم إلى أي حد بدا لك منفرا أو مقززا أو منافيا للقيم التي لقنوك إياها وأنت صغير فكبرت لتعتقد أنها قوانين كونية لا يأتيها الباطل!

بالتالي أي سلوك يتم بحرية بين أشخاص ناضجين هو أمر يعود لهم ولا يحق لأحد حشر أنفه فيه- لا أرى لذلك استثناءا.

وحين يقول بعض المدافعين عن حقوق المثليين أن المثلية نزعة جينية لم يخترها الشخص، أو يقولون أنها موجودة في الطبيعة عند بعض الحيوانات، فهذا قد يصلح فقط لتوضيح الأمور معرفيا، ولكن لا يجب ربطه بالحقوق أو بتبرير سلوك شخصي لا يحتاج إلى تبرير أصلا .. بصيغة أخرى من حق كل إنسان أن يختار أي سلوك غريب أو شاذ أو ضار أو منافي للطبيعة أو الدين أو حتى الأخلاق ، دون أن يحق لشخص آخر، يزعم أنه محامي موكل حصريا من قبل الله أو الطبيعة أو الأخلاق، أن يمنعه عن ذلك السلوك- ببساطة لا أحد محتاج إلى تبرير سلوكه الشخصي لك أو لغيرك أصلا.

"هذا ليس شأنك" – تلك ثلاثة كلمات يجد البعض صعوبة شديدة في استيعابها خاصة في عالمنا العربي.

الأحد، 25 سبتمبر 2016

عن الحُب





خواطر - غير رومانسية- عن الحب،

سأتحدث عن ذلك الكيان السرمدي المعروف بعدة أسماء موحية، كالهوى و العشق و الغرام.. تلك القيمة الإنسانية التي تدفئ حياتنا و تجعلها قابلة للإحتمال.. ذلك الشعور السحري الغامض الذي لا ينجو منه أحد و الذي يستحيل وصفه بكلمات..  ذلك اللغز القديم الذي حيّر معه الأدباء و الشعراء.. المعبود الدائم الذي تدور حوله اليوم الأغاني و الأفلام في كل مكان..  الوغد اللعوب الراقص برشاقة على الخط الفاصل بين الفرح و الحزن، المتعة و الألم، الحياة و الموت، الجنة و الجحيم.

الطبيعي أن تفكير المرء يتطور مع العمر و القراءة و التفاعل و الخبرات ؛ و في خلال السنوات السابقة حدث لي تحول هائل في المفاهيم، بدأ بانقلاب الإيمان من الأديان والآلهة، و انتقل بعد ذلك إلى مراجعة فلسفية شاملة في النظر لكل شيء تقريبا: من أول معنى الحياة و الوجود و العلوم و تقييم الأخلاق وصولا إلى المواقف السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية- و كان من الطبيعي أن يشمل التغيير تبدّل النظرة إلى مفهوم الحب.

حين تنبذ الغيبيات و الروحانيات فأنت غالبا تنبذ معها مفاهيم فكرية مثل الخيالي و المطلق و المثالي و الكامل، و تصير بشكل عام أكثر تركيزا على العلمي و الواقعي و النسبي و الناقص و الموضوعي و الأرضي؛ و هذا هو ما يحدث مع الكثيرين- و في هذا الإطار تعلمت عدة أمور:

1- تعلمت التفكيك؛ البعض حين يرى ظاهرة معينة يهتم بفهمها قبل أي شيء آخر؛ و لأجل الفهم فقد تعلمت أن لا أنظر إلى الأشياء الكبيرة باعتبارها كتلا أحادية ضخمة تحتاج تفسيرا أحاديا ضخما لفهمها، و إنما أنظر إلى الأشياء الكبيرة بصفتها ظاهرة معقدة أنشأتها مجموعة عوامل متعددة متنوعة متباينة، و أحيانا متناقضة، تتجمع معا لتنتج لنا ذلك الشيء الكبير.

ظاهرة "الحياة"- على سبيل المثال- ليست "شيئا سحريا واحدا كبيرا نتعامل معه دفعة واحدة"، و لو نظرنا لها على هذا النحو فيستحيل فهمها، و إنما الحياة هي ظاهرة معقدة ناتجة عن تفاعلات كيميائية و بيولوجية كثيرة تتجمع معا بشكل معين لتشكل ذلك النشاط المسمى حياة؛ و يستحيل تفسير الحياة إلا بتفسير مكوناتها، بنفس الشكل الذي يستحيل معه فهم نوعية طعام معيّن بدون فهم مكوناته: مقاديره و كيفية خلطها معا..إلخ -  بل إن ماهية "التفسير" هنا لا تعني أكثر من عملية تفكيك الظاهرة إلى عناصر مادية دنيوية و فهم كل عنصر من عناصرها على حدة، مع ربطهم ببعضهم بطبيعة الحال؛ أما الإستعانة بالكلمات السحرية الكبيرة غير الدنيوية (مثل "الروح") فهي ضمانة أكيدة أننا لن نفهم الحياة أبدا.

بالمثل، أعتقد أن الحب ليس شيئا واحدا كبيرا روحانيا غامضا، و لو نظرنا له على هذا النحو فيستحيل أن نفهمه، و إنما هو مجموعة أشياء دنيوية عديدة تتجمع معا لتصنع ذلك الشعور السحري و تلك الرابطة التي تبدو كبيرة موحدة و أحيانا خالدة تسمو فوق الزمان و المكان و المادة، مثل الروح تماما.

بل الحب عبارة عن خلطة؛ وصفة من عدة أمور مختلفة : إعجاب، انبهار، انجذاب، تعاطف، تقارب، تفاهم، ألفة، طول عشرة، ثقة، احترام، احتياج..إلخ، - هذه عوامل توجد بين الناس بشكل متفرق، و حين يتجمع منها ما يكفي يمكن اعتباره حبا.

و بالطبع الجنس هو أحد العوامل؛ من الحماقة تجاهله، و من الحماقة فصل الجنس عن الحب تماما، و لو كان الحب مسألة أفلاطونية محضة تقوم على التوافق العقلي و النفسي لرأينا كل يوم شابا يحب امرأة تكبره بسبعين عاما مثلا!، أو حتى لرأينا شابا يحب شابا مثله!- لكن ما نراه أن الإنسان عادة يحب شخصا مناسبا له في العمر و مغايرا له في الجنس (إلا لو كان ذو توجه مثلي بطبيعة الحال)؛ بل نحن نرى الحب يتأثر بالشكل الخارجي كثيرا، فوقوعك في حب فتاة جميلة رقيقة هو أكثر احتمالا من وقوعك في حب امرأة قبيحة أو خشنة..إلخ -  و كالعادة هناك استثناءات تؤكد أن الشكل الخارجي ليس هو العامل الوحيد؛ و بالتالي نعم هناك جنس بدون حب، و هناك حب بدون جنس، و لكن هذا لا ينفي أن الجنس في الأغلب الأعم هو عنصر مهم جدا من عناصر الحب.

لو صحت تلك النظرة "التفكيكية" أن الحب مكون من عوامل عديدة، فسيعني ذلك أن هناك حب أكثر اكتمالا من حب، و سيعني أن هناك نصف حب و ثلاثة أرباع حب، كما سيعني أن الحب يمكن أن يولد و يكبر تدريجيا، و يمكن أن يشيخ و يموت أيضا، و هو ما نعاينه في حياتنا بالفعل.

2- تعلمت الواقعية ؛ في عمر الطفولة و أوائل المراهقة كنت أتصور أن لكل حبيب نصفه الآخر، مختبئ في مكان ما، ننتظر أن نجده؛ و سرعان ما أدركت حماقة تلك الفكرة الساحرة!

بشكل عام: يبدو أن المطلق و الكامل و المثالي هي مفاهيم وهمية بامتياز؛ و رغم ما يمنحنا الإيمان بتلك المفاهيم من مشاعر الشغف و التسامي، إلا أنه إيمان قد لا يخلو من شر، حين يجعلنا محبوسين في فهم قاصر للواقع و بالتالي رفض دائم له انتظارا للخيال المثالي الذي لا يأتي أبدا.

على الجانب الآخر، فنبذ المطلق و الكامل و المثالي هي الوسيلة الأمثل لفهم الواقع كما هو- لا كما نتخيله أو كما نريده في أحلامنا- و هذا النبذ هو بالتالي الوسيلة الأمثل لتقبل ذلك الواقع و التعامل معه، كما هو.

كل شخص ناضج لديه تجربة يعلم أن الحب مهما كان جميلا فهو ليس شيئا ملائكيا مثاليا خالدا متساميا عن كل شيء مهما شعرنا -  في لحظات معينة- أنه كذلك، بل هو شعور بشري نسبي متغير و قابل للشرخ و الكسر، كما يحتاج إلى رعاية و جهد للحفاظ عليه و حمايته ، و لا يمكن أن يخلو من العيوب و المنغصات إلا لمن يخدع نفسه بذلك، و عادة لا تدوم الخدعة طويلا.

3- تعلمت الإنسانية ؛ و أقصد بها تقديم الأفراد على المبادئ و القيم، التي أرى أنه ينبغي أن تستمد قيمتها من إسعادها للناس، و إلا فهي مجرد شعارات فارغة لا تساوي شيئا.

الحب يتضمن مكاسب حياتية و معنوية ينبغي أن يتوقعها المحبان و هذا من حقهما؛ و لا معنى لحب يتعس أصحابه ؛ و حتى ما يتضمنه الحب من جهد و ما يبدو أنه تضحية أحيانا، فالمنطق في نظري يحتم بأن تكون النتيجة المنتظرة من تلك الجهود ستحقق سعادة للطرفين بقدر مقبول؛ فالحب ليس صنما ينبغي أن نضحي له بالقرابين، و الحب ليس أهم من المحبين و إنما هو شعور كامن في قلبيهما لا وجود له خارجهما - و لا خير في حب لا يحقق السعادة.

4- تعلمت المادية ؛ ما سبق هو محاولات عامة لفهم الحب و التعامل معه؛ و لكن لا يجب تناسي أن جميع المشاعر الإنسانية منبعها هو نشاط المخ و الهرمونات؛ و في حالتنا فأحد أهم الهرمونات المسئولة عن مشاعر الحب هو الأوكسيتوسين: تلك المادة تسبب تدفق المشاعر، و تزيد من ثقتنا بالآخرين و تمييزنا لوجوههم، كما تساعد على العطاء و الألفة و سائر المشاعر المرتبطة بالحب.

ذلك الحب له فوائد تطورية هامة: فهو يعزز روابط المجتمع و يضمن بقاء النسل (و لهذا هو حتما مرتبط بالجنس).

و ختاما لتلك النقطة و للمقال، فقد تعلمت أنه لا يجب الإنتقاص من القيم الإنسانية، مهما فككناها و فسرناها و ربطناها بالواقع و أرجعناها إلى المادة.

هناك مغالطة نقع فيها جميعا على اختلاف معتقداتنا، و لعلها نابعة من سمة غريزية ساهمت الموروثات في ترسيخها؛ تلك المغالطة تربط القيمة بانتفاء الفهم؛ فنتخيل أن أعظم الأشياء هي الأشياء الغامضة التي تستعصي على الفهم و التفسير؛ ذلك الغموض يعطيها إيحاءا مزيفا بالتسامي- و هنا يصبح تفسير الشيء أو تفكيكه بمثابة قتل له!

أذكر حوارا للفيزيائي ريتشارد فاينمان، يحكي عن صديق قال له أن العلماء أمثالكم لا يقدرون الجمال، لأنهم حين ينظرون إلى زهرة جميلة فكل ما يفكرون فيه هو مادة تلك الزهرة و تكوينها، و من ثم يفوتهم تذوق الجمال الفني و الشعري الكامن فيها ؛ و كان رد فاينمان أنه قادر تماما على رؤية كل ما يراه صديقه في جمال الزهرة و تذوقه مثل الآخرين تماما، و لكنه- كعالم- قادر على رؤية جمال إضافي لا يراه صاحبه، و ذلك حين يتأمل في تكوين الزهرة و عمل أعضائها و قدرتها على الحياة و النمو و التناسل..إلخ -  و الخلاصة أن الفهم و التفسير يضيفان إلى جمال الأشياء و لا ينقصان منها، أو هكذا ينبغي في ظني.

و هنا أختلف مع الكثيرين: كون الحب نابع من تفاعلات كيميائية لا يجعله أقل روعة؛ خاصة حين نتذكر أن الحب ليس هو تلك المواد، و إنما هو نشاط ناتج عنها، كما أن التفكير هو نشاط ناتج عن كيمياء المخ أيضا، و هذا لا ينقص من قيمته و أهميته ؛ كذلك كون الحب عبارة عن عناصر عديدة لا يقلل من قيمته، و كذلك الحال مع كونه أمرا بشريا ناقصا نسبيا مركبا- فهذا كله لا يجعله أقل روعة بل ربما يزيده بشكل من الأشكال.

أما من يرى أن الحب وهم أو خدعة فقد اختار أن يتخلى عن جزء ثمين جدا من إنسانيته؛ و من يرى أن الشيء يجب أن يكون كاملا خالدا مثاليا حتى يكون له قيمة، فهو مازال بداخله متعلقا بخرافات بالية، تجاوزها بعقله و مازال عاجزا عن تجاوزها بقلبه؛ فالنضج يحتم علينا أن نتقبل الواقع و ندرك جماله كما هو بنسبيته و محدوديته و تغيره و قصوره، و نستمتع به قبل زواله.

الحب- مثل سائر القيم الإنسانية- لا تنفصل قيمته عن البشر؛ و مهما يكن الحال يظل الحب قيمة عظيمة و غالية، لأننا نحن- البشر- من قررنا أنه كذلك.

السبت، 24 سبتمبر 2016

سخافة الحجج ضد النباتية




النباتية هي الإمتناع عن تناول اللحوم (البقر و الدجاج و الأسماك..إلخ).

و تنقسم إلى عدة أنواع فرعية أهمها Vegetarianism و هو نظام يسمح بأكل المنتجات الحيوانية دون اللحم (كالبيض و الألبان و العسل)، و veganism و هو نظام يتجنب المنتجات الحيوانية كلها و يكتفي بالمنتجات النباتية فقط.

الناس تختار النظام النباتي لأسباب عديدة، منها أسباب صحية أو أخلاقية.

ليس الهدف هنا هو الترويج للنباتية، و إنما توضيح بعض الأمور بشأنها حسب معرفتي، و الرد على بعض الحجج ضدها، و التي أرى أكثرها سخيفا جدا.
------------------------------------------

- من الناحية الصحية
هناك الكثير جدا من الدراسات حول المقارنة بين الأنظمة الغذائية المختلفة، و ما استخلصته منها أن النباتية نظام جيد من الناحية الصحية : بشكل عام النباتيون لديهم معدلات وفاة أقل من اللاحمين، و إصابتهم أقل بكثير في نسب أمراض القلب و السكري و السرطان و غيره.

علما بأن الشخص اللاحم المنظم الذي يقلل من تناول اللحوم خاصة الحمراء (اللحوم البيضاء و الأسماك أفضل) مع الإكثار من تناول الخضروات و الحبوب و البقوليات فهذا أيضا يعتبر نظاما جيدا من الناحية الصحية.

على الجانب الآخر النباتي غير المنظم ستنقصه بعض العناصر الغذائية: أهمها البروتين و الكالسيوم و فيتامين بي (خاصة بي 12 و أوميغا 3)

النباتي لديه أفضلية تتمثل في أنه حين يقلل من اللحوم سينوع طعامه أكثر ما بين الخضروات و الحبوب و البقوليات و بالتالي سيحصل على تغذية أفضل من الشخص الذي تكون وجبته هامبرغر و بيتزا فقط ، و لكن النباتي في نفس الوقت سيحتاج إلى وعي و قراءة حتى يدرك العناصر التي قد تنقصه و يتداركها، و هو أمر ممكن جدا.
------------------------------------------

- من الناحية الأخلاقية
لا يمكن فصل تعريف الخير و الشر الأخلاقيين عن تعريف النفع و الضرر أو اللذة و الألم.. و يصعب المجادلة في أن قتل كائن، يحس و يتألم، ثم التهام لحمه، هو عملية قاسية بل ربما همجية.


و يزداد الأمر وضوحا لو كان ذلك الفعل هو لمجرد التلذذ بطعم اللحم و غير حتمي لبقائنا- و وجود النباتيون أحياء بيننا لهو أبسط و أوضح دليل على أنه يمكن للإنسان البقاء بدون التهام لحم كائن آخر.
الشخص العادي – اللاحم- يعترف بذلك ضمنا حين يرفض أن يأكل لحم بعض الحيوانات    القطط و الكلاب مثلا، بل غالبا سيشعر بالشفقة عليها لو تم ذبحها   و سيتقزز من المنظر ، مما يعني أن قتل و أكل البقر و الخراف و الدجاج و الأسماك..إلخ- هو أمر نتقبله فقط لأننا اعتدنا عليه، و هذا لا يجعل الأمر مقبولا من الناحية الأخلاقية.
------------------------
-- و لكن أكل اللحم هو جزء من نظام الطبيعة: الإفتراس!، أليس كذلك؟

نعم هذا صحيح، الإفتراس موجود في الغابة و فعله أجدادنا، و كذلك القتل و السرقة و الإعتداء و الإغتصاب..إلخ.

و السؤال هو: هل وجود الشيء في الطبيعة يجعله مقبولا لنا اليوم؟

لو فرقنا- اصطلاحا- بين أفعال البشر و بين الطبيعة ، فسنجد أن كل التقدم الأخلاقي و المعرفي الذي أنجزته البشرية هو مضاد للطبيعة: العدل و المساواة هي أمور لا وجود لها في الطبيعة، و كذلك نظام الدول و الديمقراطية و حقوق الإنسان..إلخ، كلها أمور إنسانية مفتعلة لم يكن يعرفها أجدادنا- البدائيون الجهلة - فضلا عن أن يمارسوها.


و من يجد في نفسه إخلاصا مبالغا فيه للطبيعة – أمنا العزيزة الصماء القاسية- فعليه أن يترك كل تلك المدنية "غير الطبيعية" و يذهب ليحيا في مغارة أو كهف في غابة، يصطاد و يتقاتل على الطعام و الجنس مع إخوانه من الكائنات "الطبيعية" الأخرى التي تفتقد إلى العقل و إلى الإرتقاء المجتمعي الذي حققه البشر بعد طول عناء.

باختصار: الطبيعة تمثل فقط "ما جئنا فوجدناه" على هذا الكوكب، و لكنها لا تمثل ما "يجب أن يكون" و لا تأمرنا بشيء كأنها صنم معبود.. حين خرجنا من الكهف و اكتشفنا الزراعة ثم الكتابة صرنا أكثر ذكاءا و رحمة و عدلا و إنسانية من الطبيعة.. و كما تقدمنا فمنحنا أنفسنا حقوقا إنسانية (غير طبيعية) فمع مزيد من التقدم نمنح الحيوانات حقوقا حيوانية (غير طبيعية أيضا).
------------------------
-- و لكن النباتات أيضا تتألم، فعلى النباتيون إذن أن يتوقفوا عن أكلها، و إلا فهم منافقون يكيلون بمكيالين!

هنا الحجة تشبه الموقف الإفتراضي التالي : يأتيك شخص آكل للحوم البشر، تعترض على ما يقوم به فيتهمك بالنفاق: أنت يا عزيزي تلتهم الدجاج و هو يتألم أيضا مثل البشر، و بالتالي لا يحق لك الإعتراض على أكلي للبشر!

(و بالمناسبة أكل البشر للبشر هو أمر كان يمارسه أجدادنا أيضا، و بالتالي يعتبر أمرا "طبيعيا" بامتياز أي أنه يتماشى مع حجة الطبيعيين، فلعلهم يطالبون بالسماح به من هذا المنطلق!).

صاحبنا في المثال يصور المسألة و كأن أكل البشر يساوي أكل الدجاج، لمجرد أن هذا يتألم و ذاك يتألم ، و بالمثل صاحب حجة "النباتات تتألم" يصور المسألة و كأن أكل البقرة يساوي أكل التفاحة، لمجرد أنه يعتقد أن هذا يتألم و ذاك يتألم.

أين الخطأ في تلك الحجة؟ الخطأ هو مساواة غير المتساوين : الكائنات لا تتساوى فيما بينها، و إنما تتباين في عقلها و مشاعرها و تألمها الجسدي و النفسي، و بالتالي في حقوقها و أسلوب التعامل معها.

و لهذا فلا أحد يقول أن قتل البشر يساوي- أخلاقيا- قتل سمكة، و لهذا حين يطالب أحدهم باحترام حقوق الحيوانات فهو لا يطالب بحقهم في التصويت في الإنتخابات مثلا!، و إنما بالأساس في حقهم في عدم التألم أو الأيذاء- ذلك لأن الحقوق تتغير بتغير حجم شعور الكائن و امكانياته العقلية : حتى حقوق الطفل تختلف عن حقوق الراشد.

أما الدراسات إياها في الروابط التي يتم تداولها فهي لا تثبت أن النبات يتألم ، حتى و إن قيل ذلك في عنوان الخبر على سبيل الإثارة الصحافية ، و إنما هي تقول أنه يصدر ردات فعل كيميائية تجاه ما يتعرض له من عدوان خارجي، و هذا لا يثبت وجود الألم، و القول بذلك يشبه القول أن الحجر حين أكسره يصدر صوتا و هذا معناه أنه يصرخ ألما!

شعور الألم- كالذي نشعر به- هو مسألة معقدة مرتبطة بالجهاز العصبي و قشرة المخ، و الذي لا يمتلكه النبات، حتى أن هناك جدل علمي حول ما إذا كان السمك يتألم أم لا، بسبب أن قشرة المخ عنده بدائية (الأرجح أنه يتألم بشكل ما، و لكن أقول أن وجود الخلاف نفسه يبعد شعور الألم عما هو أدنى من الأسماك بيولوجيا، كالنباتات).

بالتالي حتى لو افترضنا أن للنبات نوعا ما من الشعور (و هذا وارد) فلا يوجد أي سبب لنقارنه بالمشاعر التي نعرفها أو يعرفها كل من لديه جهاز عصبي و مخ متطور.

و بعيدا عن التعقيد العلمي: هل لديك القدرة على أن تمسك سكينا و تقطع ساق قطة مثلا، كما أن لديك القدرة على قطع فرع شجرة أو قضم حبة طمامم؟ هل لديك القدرة على أن تقول أن الوضعين متساويان؟ لا أظن.

الحقيقة أن تلك الحجة أسوأ من حجة آكل لحوم البشر المذكورة في الأعلى، و ذلك لكون المسافة البيولوجية بين الدجاج و البشر هي أقل من المسافة بين النبات و الحيوانات التي نأكلها، و بالتالي فالمقارنة الثانية أبعد.

ثم لنقفز و نسأل سؤالا آخر: حتى لو افترضنا جدلا أن النبات يتألم كالحيوان، فيصبح السؤال: من الذي يتسبب في قتل نباتات أكثر: النباتي أم اللاحم؟

الجواب هو الثاني!، لأن الحيوانات التي يتم استيلادها و تربيتها خصيصا لتصنيع اللحوم تلتهم كميات هائلة من النباتات، و بالتالي حين تلتهم أنت ستيك بقري فإن ذلك اللحم سيتضمن 1- قتل حيوانا واحدا، و 2- قتل كميات من النباتات أكثر مما يأكله الشخص النباتي.

و هذا يمثل ردا على حجة أخرى ضد النباتية: و هي حجة أن عدم أكل الحيوانات سيخل بالتوازن البيئي.. فقائل هذا الكلام فاته أن الحيوانات التي نأكلها يتم تربيتها خصيصا لتوريد اللحوم - فهي كثيرة لأننا نأكلها، و لسنا نأكلها لأنها كثيرة!

و بالمناسبة، النباتات بالفعل كائنات لها نوع من الحياة و ربما نوع من الشعور الغامض بالنسبة لنا، و بالتالي يجب احترامها و تجنب أذاها قدر الإمكان (بالإضافة لفوائدها البيئية)، و لكن إن لم نتمكن كبشر من الإستغناء عن الطعام النباتي لحياتنا، فيمكننا على الأقل التخلي عن الطعام الحيواني- و هذا يعتبر تقدما جزئيا مهما لصالح الحيوان و لصالح النباتات أيضا.

و حين يأتي اليوم الذي يتمكن البشر من إيجاد بديل عن التهام أي كائن حي ، كما توجد اليوم بدائل عن أكل اللحوم، فحينها ربما يصبح أكل النباتات أمرا خاطئا.
------------------------

في الماضي كانت نسبة كبيرة من البشر يمتلكون العبيد، و لا يمكن افتراض أن جميع أولئك "الأسياد" كانوا بالضرورة أشرار منعدمو القلوب لأنهم قبلوا بذلك النظام- الذي نعتبره اليوم ظالما و همجيا- بل على الأرجح أنهم لم يستنكروه لأنه كان سائدا\عاديا\طبيعيا و لم يروا له بديلا واضح، و كذلك أكثر الناس تحكم على الشيء حسب العادة و الموروث    .

و اعتقادي أن أحفادنا لن يأكلوا اللحم بل ستكون البدائل الأخرى أكثر انتشارا، و اعتقادي أنهم سينظرون إلينا كما ننظر نحن اليوم إلى ملاك و تجار العبيد في الماضي، فالأكيد أنه كلما تقدمت البشرية أخلاقيا كلما اتسعت مظلة الرحمة و الحقوق، لتشمل البشر الآخرين ثم الكائنات الأخرى.