الاثنين، 20 أبريل 2020

قصة السكينة


لغز الحضور الإلهي في اليهودية والمسيحية والإسلام..

 

الجذر العبري "ش ك ن" له أصل سامي، ونجده كذلك في العربية في كلمة "سكن" بنفس المعنى تقريبا :  أي أقام في مكان واتخذه موضعا.. وقد ورد الجذر في التوراة بهذا المعنى عدة مرات، فقيل مثلا أن يافث "يسكن" في خيام سام (تكوين 9-27)..

ولكن في سفر الخروج نجد ذات الجذر يستخدم تجاه الرب نفسه، بمعنى الإقامة أو ربما الحلول، فقيل أن مجد الله "يسكن" على جبل سيناء (خروج 24-16)..

مع رحيل الشعب يأمر الرب موسى أن يكلم بني إسرائيل لكي يبنون للرب "مقداش" (أي ملجأ آمن، أو حرم) لكي "يسكن" وسطهم (25-8)، ويحدد يهوه لهم بالتفصيل كيف يبنون ويزينون هذا "المسكن" (25-9)، وهو تابوت العهد المزخرف والمغلق بغطاء من الذهب الخالص..

وبعد ذلك يأتي الأمر ببناء خيمة  (الإجتماع) ليتم وضع التابوت بداخل غرفة مخصصة فيها - والخيمة هي نواة الهيكل اليهودي، وتسمى أيضا "مسكن" (منذ خروج 26-1، وتتكرر التسمية عبر الكتاب)..

ولكي نفهم الصورة يمكننا تذكر أن الدين ينشأ عن دمج عدة مصادر وأفكار معا، بتناقضاتها: فبينما ظهر الله (إيل) عدة مرات في سفر التكوين لآدم وإبراهيم ويعقوب مثلا، إلا أنه حين ظهر لموسى في سفر الخروج أعلن أنه يظهر لأول مرة بإسم جديد هو يهوه (خروج 6-3)، ويخبرنا علماء الآثار أن الإله يهوه لا ينتمي إلى أرض كنعان وإنما ترجع أصوله بالفعل إلى بدو سيناء وصحراء الأردن (مما يجعل وجود اسم يهوه أحيانا في سفر التكوين هي إضافات متأخرة، في إطار تحول اليهود اللاحق من الوثنية إلى التوحيد ودمج إيل مع يهوه ليصبحا نفس الإله).. ولأن اليهودية تدمج بين عدة عقائد مختلفة ، فلا غرابة أن نجد لله خصائص مختلفة، فبينما نقرأ  في عدة مواضع أنه يسكن السماء، إلا أن آيات أخرى تخبرنا أنه كذلك يسكن - مثل كثير من الآلهة القديمة- على جبل مقدس..

وبينما كان الرب يتجلى في شكل شجرة محترقة (لموسى في أول لقاء، خروج 3-2)، أو في الصحراء على هيئة عمود سحاب نهارا، وعمود نار ليلا (لكي يهدي الشعب الطريق في سيناء، خروج 13-21)، فإنه بعد بناء التابوت والخيمة المتنقلة وتأسيس الكهنوت الهاروني، صار يتجلى لقومه في شكل سحابة  عند الخيمة، يأمرهم بأن يقدموا له الذبائح عند باب الخيمة حيث يجتمع الرب معهم ليكلمهم، ويكون دائما وسطهم (خروج 29)..

وكأن اليهود عرفوا الرب يهوه في طريقهم للخروج من مصر، فأخذوه معهم من سيناء، محمولا في التابوت، إلى أرض فلسطين!

-------------------------------------

وقد حظى التابوت والخيمة (المسكن) بقداسة تليق بتواجد الله فيهما، ليس فقط من ناحية عناية البناء والزخرفة الفاخرة، ولكن كذلك من جهة التعامل: حيث يأمر الرب الكهنة اللاويين - أبناء هارون- أن يحملوا الخيمة ويعتنوا بها ويخيموا حولها، كما يهدد أي فئة أخرى تقترب من الخيمة بالموت (العدد 1-48،51).. وهو تهديد يتكرر مع تابوت العهد (العدد 4-20) بل ويتم تنفيذه لاحقا في عهد داود حين قام رجل بمد يده ليسند التابوت، خوفا عليه من السقوط، فيضربه الله فيموت فورا (صموئيل الثاني 6-6)..

ويرتبط مصير مسكن الله مع مصير شعبه، حيث نقرأ في أسفار يشوع وقضاة وصموئيل وملوك وأخبار الأيام أن الإسرائيليين ظلوا يحملون الخيمة معهم في رحلاتهم وغزواتهم.. وبعد دخول فلسطين وتقسيم الأرض بين القبائل، تم نقل الخيمة إلى أرض إفرايم (قبيلة يشوع، خليفة موسى)، حيث ظلت هناك طيلة فترة القضاة (نحو ثلاثة قرون)، ولاحقا سيحل محلها الهيكل السليماني كمسكن للتابوت..

وأما التابوت فقد أخذه الإسرائيليون معهم ليساندهم في الحرب ضد الفلسطينيين، ولكن بعد هزيمتهم قام أعداءهم بأخذ التابوت إلى ديارهم، وتحكي القصة أن الفلسطينيين أصابتهم عندئذ البلاءات كالأورام والطاعون، حتى اضطروا لإعادة التابوت لشعب الله، حيث تبادلته عدة عوائل إسرائيلية حتى وصل إلى الملك داود الذي بنى له خيمة مخصصة، إلى حين جاء سليمان وبنى هيكله، واضعا تابوت الرب في غرفة خاصة (قدس الأقداس)، ويحكي أنه عندها امتلأ المعبد بسحابة، حيث أن مجد الله ملأ بيت الله (ملوك الأول 8- 10،11)

وبعد الغزو البابلي للقدس وتدمير الهيكل وسبي الشعب إلى بابل، لا نعرف ماذا حل بالتابوت الإلهي..

-------------------------------------

هذا الزوال لمركزية الكهانة في القدس، وضياع التابوت، سيزلزل العقلية اليهودية ويفتح المجال لفكر جديد راديكالي، أكثر ديمقراطية دينية إن جاز التعبير، فالقداسة لن تزول وإنما بالأحرى سيتم توزيعها على الشعب كله..

ففي سفر إرميا (وإن كانت تدور أحداثه في القرن السابع ق.م، إلا أنه كتب على مراحل واحتوى إضافات متأخرة حتى القرن الثاني ق.م) نقرأ (3-16) توجد نبوءة بأثر رجعي تحكي أن الإسرائيليين سيأتي عليهم زمن يزدادون عددا ثم لا يذكرون تابوت الرب ولا يهتمون به.. وفي تفسير الحاخام راشي للآية (أواخر القرن الحادي عشر  للميلاد) يعلق بأن الشعب كله سوف يتشرب روح القداسة حتى أن الحضور الإلهي سيكون عليهم بشكل جمعي، وكأن تجمعهم هو ذاته تابوت العهد..

وفي سفر المكابين الثاني (2-4،8) يحكون أن الله تعمد إخفاء الخيمة والتابوت، حيث أصدر أوامره للنبي إرميا أن يحملهما معه، ويخفيهما في كهف لا يعرف مكانه أحد، ويغلق المدخل، وذلك حتى يأذن الله بعودتهما مرة أخرى..

-------------------------------------

وكان هناك عامل آخر ساهم في اللامركزية الدينية وهو الترجومات، إذ أن اليهود - منذ بعد السبي- بدأوا يتخذون الأرامية كلغة رئيسية، وإن ظلت الطقوس والتلاوات تقام بالعبرية، حتى ظهرت الحاجة إلى وجود ترجمات (خاصة أرامية) يفهمها الشعب، كانت تتلى على الشعب إلى جوار النصوص العبرية الأصلية، وذلك منذ منتصف القرن الأول للميلاد..

وفي تلك الترجومات، وفي التلمود والتراث اليهودي الحاخامي، ظهرت نزعة متجردة تبعد الله عن الأنسنة والتجسد، فلم يعد من اللائق عليه أن يتمشى وينزل ويتصارع ويحبس في التوابيت كما كان الحال سابقا، وبالتالي ظهرت تعبيرات بديلة تعبر عن الظهور الإله بشكل غير شخصي وغير مباشر..

-------------------------------------

من تلك التعبيرات كلمة "شكينه"، سكينة، وهي كلمة عبرية لم ترد في التناخ بتلك الصيغة، بل وردت بالمعنى كما ذكرنا، ثم صارت تستخدم في الكتابات اللاحقة بعد هدم الهيكل عام 70 للميلاد، بشكل يرتبط بالبركة والعناية الإلهية، بديلا عن ذكر الإله نفسه، حيث نقرأ أنه حين يقوم المؤمن بدراسة التوراة فإن السكينة تكون بينهم، وكذلك الحال حين يجتمع عشرة للصلاة، أو يجلس ثلاثة للقضاء، كما أن السكينة تنزل على الناس تدعمهم في المرض والشدائد..

وهكذا صار الإله أكبر ابتعادا وتجردا عن كل ما هو أرضي، وبنفس الوقت صار أكثر إتاحة للمؤمن العادي..

وقد وصفت السكينة بأنها نور مشع يعبر عن بهاء الله، كما ارتبطت مع الروح القدس، وهي روح الله الواردة في أول سفر التكوين، فشبهت بالحمامة وأن لها أجنحة.. كما قيل بأن لها صوت رنين مثل الجرس..  

وأما في بعض الكتابات القبالية والغنوصية، فقد اكتسبت السكينة هالة أنثوية، بل وتوصف بأنها "ابنة الله"..

-------------------------------------

التعبير الثاني يظهر في الترجومات والأدب الحاخامي كتعبير عن الحضور الإلهي هو "ممرا"، وهي كلمة أرامية مرتبطة بالجذر العبري "أمر"، والتي تعني - كما  في العربية- كلاما أو خطابا أو حكما، ولعلها مرتبطة بإسم المكان الذي تلقى إبراهيم الوحي عنده "بلوطات ممرا)..  

لاحقا صارت تلك الكلمة بديلا لله أو وكيلا عنه، فيقال مثلا أنه في البدء قامت ممرا الله (أمر الله أو حكمه أو حكمته) بخلق الكون، كما يقال "صوت ممرا" بدلا من صوت الرب، كما أن ممرا تحفظ إسرائيل وتقوم بالمعجزات في مصر وهكذا..

ذلك الإستخدام لم يكن بدعة تماما، فأول سفر من التوراة يخبرنا أن الله خلق العالم بكلمة، بشكل يبدو مشابها للإله المصري القديم بتاح (الفتّاح) والذي خلق العالم بأن فتح فمه- ولكن الجديد هنا أن الكلمة بدا وكأنها تتحول- بفضل التلاعبات الفلسفية واللغوية- إلى كيان مستقل..  

      

ثم بالطبع هناك التأثير اليوناني، حيث مفهوم اللوغوس (الكلمة، المنطق، العقل، الفكر).. ذلك التأثير كان بدأ يتسرب إلى العقلية اليهودية، فنجد مثلا أن فيلون- الفيلسوف اليهودي السكندري 30 ق.م- 50 ب.م- يكتب باليونانية عن اللوغوس وكأنه الوكيل  الذي خلق الله العالم، ويديره، من خلاله، كما فسر النص التكويني الذي يقول أن الرب خلق الإنسان على صورته، مستنتجا أن اللوغوس إذن هي صورة عن الله، تنعكس على الأشياء، كالظل الذي يمتلك شكل الشيء ولكن لا يعكس نوره وبهاءه..  

تلك المقارنة - بين الأصل المقدس والإنعكاسات الظلالية- تذكرنا مباشرة بفلسفة أفلاطون عن عالم المثل وانعكاساته على عالم الواقع، وهو تأثير يظهر مع الرواقيين الذين تأثروا بأفلاطون وبلوروا مفهوم لوغوس سبيرماتيكوس، وهو جوهر الوجود الذي يخلق الأشياء، ولاحقا  ستتبلور الأفلاطونية الجديدة، والتي تربط اللوغوس فلسفيا بأقانيم الوجود (العقل والنفس والروح)..

ولعل تلك التطورات مرتبطة بفقدان الشعب اليهودي لحضور الإله بذاته في طقوس الهيكل، فصار البديل هو تلاوة واستحضار كلمات الله المقدسة التي تقوم بدورها في طمأنة المؤمنين وحفظ المجتمع، فكما أن مراسيم الملوك تعبر عن حضورهم وإن غابوا بالجسد، فكذلك الكلمة المقدسة هنا هي حضور الله ووكيله والواسطة بينه وبين شعبه..

 -------------------------------------

كلمة ثالثة مستخدمة هي "مجد الله" يقرا"، وهي كلمة أرامية تستخدم في الترجوم، فمثلا حين يتحدث النص في سفر الخروج عن جبل الله، تأتي الترجمة "جبل مجد الله"، مما يستبعد الله من أي حضور جسدي مادي، ويستبدل به هالة معنوية من المجد..  

 -------------------------------------  

هذا هو السياق الذي ستتبلور فيه، وبالتوازي معه، المسيحية كدين وكفلسفة، بمفاهيم الأقانيم والروح القدس كمصدر للوحي، والكلمة كوسيط بين الله والبشر، وإن تجسد في شخص يسوع، فتلك الأفكار لا يمكن فهمها إلا بفهم الخلفية الثقافية التي أفرزتها..

وكذلك نجد معنى الحضور الإلهي، مثلا في متى18-20 يقول يسوع (لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ)..  

كما نجد تلك التأثيرات مبطنة في هذا النص من إنجيل يوحنا 1-14 (وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ).. فالكلمة هي اللوغوس، ممرا، أي الحضور الإلهي على الأرض.. والحلول هنا هو السكن، إذ أن الكلمة اليونانية  "سكنو" مرتبطة بميثلتها العبرية، وهنا إحالة للسكن الإلهي أو الشكينة الحاضرة مع الشعب.. وأما المجد فهو الكلمة الأرامية الترجومية "يقرا"..

 -------------------------------------  

لو سألت المسلم العادي عن معنى "السكينة" فسيكتفي أنها شعور بالطمأنينة، بدون أي أبعاد لاهوتية أخرى..

والكلمة ترد في القرآن في عدة مشاهد، بالفعل أكثرها تتعلق بطمأنة الله لقلوب المؤمنين..

(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) الفتح 4

(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) الفتح 18

(إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) الفتح 26

(ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) التوبة 26

(إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) التوبة 40

ومن اللافت أن جميع تلك الآيات - التي وردت في سورتين فقط- جاءت كلها في سياق مرتبط بالحرب والجنود الإلهية القادمة لنصرة المؤمنين، مما يمكن أن يمنح السكينة معنى روحي أقوى من مجرد التعبير المجازي عن الهدوء النفسي..

وفي موضع وحيد تأتي السكينة بمعنى يرتبط مباشرة بالسياق الموسوي المذكور، فيحكي القرآن عن قصة تنصيب صموئيل لشاؤول ملكا (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة 248..

إن المسلم العادي قد يمر على تلك الآية مرور الكرام، ولكن حين نطلع على الخلفية اليهودية لتابوت العهد والشكينه الكامنة فيه، فإن ذكرها بالقرآن بهذا الشكل لا يمكن أن يكون صدفة، فإما أن الكاتب يقصد الحضور الإلهي على النمط اليهودي الترجومي، وإما أنه ينقل عن اليهود كلمات لا يدرك معناها ويفرغها من محتواها اللاهوتي، فيجعلها مجرد شعور عادي بالطمأنينة..

في تفسير الطبري للآية المذكورة من سورة البقرة يحكي تفاصيل كثيرة عن قصة ضياع التابوت من وجهة نظر إسلامية، ثم يأتي إلى تفسير السكينة فيقول أن أهل التأويل- كالعادة -اختلفوا فيما تعنيه:

فبينما رأى البعض ببساطة أنها الطمأنينة والوقار ، فهناك أقوال جعلت لها أبعادا أعمق، فينقل الطبري قولا عن علي ابن أبي طالب أن السكينة : هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان..

والريح هنا تذكرنا بالروح (فالكلمة واحدة في العبرية، وفي سفر التكوين أن روح الله كانت ترف على وجه المياه، فيهوه هو إله هوائي بامتياز كما نرى من ظهوراته)..

ونجد أقوالا أخرى خيالية : السكينة ريح خجوج, ولها رأسان- السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان-السكينة لها جناحان وذنب- لها جناحان وَذَنَب مثل ذنب الهرة - وقال آخرون: بل هي رأس هرة ميتة، وعن وهب بن منبه, عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل قال: السكينة رأس هرة ميتة، كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ هر، أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح.. وقال آخرون: إنما هي طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء.. أو أنها طست من ذهب يغسل فيها قلوب الأنبياء, أعطاها الله موسى, وفيها وضع الألواح. وكانت الألواح، فيما بلغنا، من در وياقوت وزبرجد... و يحكي أحدهم: سألنا وهب بن منبه فقلنا له: السكينة؟ قال: روح من الله يتكلم، إذا اختلفوا في شيء تكلم فأخبرهم ببيان ما يريدون.

وفي الحديث نجد ما يشبه النصوص التلمودية المذكورة، ففي صحيح مسلم (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)..

وفي عدة مصادر (كسنن أبي داود وعمدة التفسير وتخريج المسند) توصف حالة الوحي المحمدي بأن رسول الله "غشيته السكينة"، وهو تعبير يبدو غريبا لو تذكرنا حالة الإرتعاش والتعرق والثقل والإرهاق التي كانت تصيبه- فالأقرب أن السكينة هنا لا علاقة لها بالطمأنينة، وإنما بروح الوحي ذاته..    

وفي روايات أخرى نكتشف أن السكينة ليست فقط مشاعر مجردة، وإنما هي كيان مستقل، ففي البخاري ومسلم : (قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ ، وَفِي الدَّارِ دَابَّةٌ فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ ، فَنَظَرَ فَإِذَا ضَبَابَةٌ ، أَوْ سَحَابَةٌ قَدْ غَشِيَتْهُ ، قَالَ : فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : اقْرَأْ فُلَانُ ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ).. وبالطبع فوصف السحابة هنا لا يمكن إدراك مدلولاته إلا بالرجوع إلى الخلفية اليهودية المذكورة..

وهناك روايات عديدة تربط السكينة بمعنى الروح الإلهية، ففي مسند أحمد ومجمع الزوائد وغيره ينقل عن علي أنه قال ( لا خيرُ هذه الأمة بعد نبيِّها أبو بكرٍ ثمَّ عمرَ رضي اللهُ عنه وما نبعد أنَّ السكينةَ تنطقُ على لسانِ عمرَ رضي اللهُ عنه)..

فيبدو أن بعض التعبيرات تجد طريقها بالوراثة إلى النصوص الدينية، حتى وإن فقدت الكثير من وظائفها، وذلك بشكل يمكن مقارنته بعالم التطور البيولوجي حيث نرى الأعضاء الآثارية التي نرثها مع فقدانها لفائدتها (كشعر الجسد وضروس العقل وعضلات الأذن وبقايا الذيول والجفن الثالث..إلخ)، وهي عناصر يستحيل فهمها بدون فهم الخلفية التاريخية التي أنتجتها، فالأديان- مثل الكائنات- هي شجرة واحدة متصلة، وإن اختلفت أشكال فروعها..

https://en.wikipedia.org/wiki/Shekhinah

http://www.jewishencyclopedia.com/articles/13537-shekinah

http://www.jewishencyclopedia.com/articles/10618-memra

http://www.thefirstgospel.com/rich_text_2.html

الأحد، 12 أبريل 2020

إسلامات مصرية



الدين بنظري يشبه الفايروس، من حيث أنه يدخل الأجساد- أو العقول- ويكمن بداخلها لفترة، ثم يبدأ في استغلال مواردها لصالحه فينمو فيها، ويمرضها، ثم إنه ينتقل من جسد لآخر حتى يصبح وباءا منتشرا مدمرا للأفراد والمجتمعات..

ومثل الفايروس، فإن الدين أيضا يتطور ليبقى، فهو يتخذ أشكالا عديدة حسب المرحلة، سأناقش بعضها هنا..

----------

في العصر الحديث، وفي مصر تحديدا، رأينا الإسلام الإشتراكي بالستينات، متماشيا مع الأجواء الناصرية الشائعة، فظهرت الكتابات الإسلامية اليسارية، تمجد الفقراء العاملين وتلعن الطبقات المستغلة، وتقدم الإسلام على أنه أيديولوجية ثورية ضد الإستعمار، وبرزت رموز أبو ذر الغفاري (لص وقاطع طريق، في ثوب ثوري يساري) إلى جوار علي والحسين، في ثورتهم الهاشمية البروليتارية ضد البرجوازية الأموية - وكانت الآية المفضلة للمرحلة هي "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم"..

وأما في عصر الإنفتاح الساداتي فقد اكتشفنا أن الإسلام بطبيعته يؤيد الحرية الإقتصادية، كما اكتشفنا- فجأة، وبرعاية الرئيس المؤمن- أن الشيوعية مذهب إلحادي، فرأينا الكثير من المفكرين ينتقلون من معسكر اليسار إلى الأسلمة، ويؤيدون أمريكا باعتبارها أهل كتاب وليسوا ملاحدة مثل الماركسيين- وبعد معاهدة كامب دافيد ستصير الآية المفضلة للمرحلة هي "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله"، وأما على المستوى الإجتماعي الرأسمالي فأية المرحلة هي "ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا"، والتي تفنن الشعراوي في شرحها..

والشعراوي هنا له أهمية خاصة للمرحلة، فقد روج للإسلام اليميني حيث يجب على الفقير أن يرضى بقضاء الله العادل، ولا يتطلع إلى ما في يد الغني..إلخ، كما صرح متفاخرا أنه سجد لله شكرا  على هزيمة مصر الشيوعية أمام إسرائيل في 67 ، بل وكان له دور كبير في الترويج لما سمي بموجة توظيف الأموال والتي تم النصب فيها - بإسم الإقتصاد الإسلامي- على آلاف من المصريين..

ولكن أهمية الشعراوي الكبرى بنظري تكمن في تأسيسه لتيار إسلامي شعبوي جديد يمكن تسميته "الإسلام الفلّاحي"..

فمع الهجرة المتزايدة من الريف للقاهرة، وعودة كثير من المصريين من الخليج الوهابي، تم استقبالهم بالإسلام مناسب لهم: شيخ يجلس على مصطبة ويفسر الكتاب القرشي بلهجة ريفية مصرية فيضرب الأمثال بالحمار والجاموسة والجلة والقلة والدود وأبو قردان، بشكل يشبه جلسات الكتّاب التي كان يتم تحفيظ الأطفال للقرآن فيها ، أمام الجماهير الجالسة على الأرض مفغورة الأفواه من فرط الإنبهار..

وبعد أن كان الإسلام يتسم بنوع من النخبوية- مع شيوخ على مستوى عالي مثل محمد عبده أو شلتوت أو عبد الحليم محمود- صار له نسخة شعبية رائجة تصل للمواطن البسيط- تلك النسخة التي ستنجح أخيرا في إزاحة الشعبوية اليسارية الناصرية..

وبالطبع لم يكن الشعراوي هو النسخة الوحيدة، فمثلا كان هناك الأكثر شعبوية وهو الشيخ  الكفيف كشك، والذي يمتاز بالقفشات (النكات) مع طول اللسان والجعير بشكل غوغائي، فيسخر من الفنانين في أقاويل مشهورة (شريفة فاضل، لا هي شريفة ولا أبوها فاضل.. عبد الحليم حافظ ظهرت له معجزتين: أنه يمسك الهوى بإيديه وأنه يتنفس تحت الماء.. وعن أم كلثوم قال: امرأة في السبعين تقول "خدني لحنانك خدني"، يا شيخة خدك ربنا.. كما قال: كنا نبحث عن إمام عادل فجاءنا عادل إمام..إلخ).. وبعكس الشعراوي- الذي كان صديقا للفنانات التائبات وسببا في هدايتهن- فقد كان كشك يمثل المعارضة الثورية للنظام والنخب، وإلى الآن تحكى الأساطير عن شجاعته أمام الجهات الأمنية وكيف أنه مات ساجدا كما تمنى، بشكل حوله لأسطورة شعبية في أذهان العوام..

وأما للشباب الأفضل تعليما وثقافة فقد ظهر نموذج مختلف أنسب لهم: دكتور العلم والإيمان، والذي يربط - بكل وقار- حقائق الدين بمكتشفات العلوم، ويهزم صديقه الإفتراضي الملحد (الشيوعي ربما؟) بالضربات القاضية..

ثم هناك- بالطبع- الإسلام الإخواني، والذي هو خط شعبوي من الإسلام السياسي يرجع إلى عصر سقوط الخلافة، وظل محافظا على شعبيته التي تزايدت مع عصر الصحوة في السبعينات، يتراقص ما بين المعارضة والمداهنة لكل حاكم..

كما تم فتح المجال للتيار السلفي الوهابي  لينتشر كالطاعون تحت جلد المجتمع، وأكثره بعيد عن السياسة لا يتكلم في حكم ولا يعرف الفارق بين البار والبرلمان، وإنما يكتفي بحشو أدمغة متابعيه بالصلوات والنوافل والأذكار ورياض الصالحين، إلى جوار حكايات عذاب القبر ، والحنين إلى زمن واإسلاماه، والمرأة العفيفة التي لا تخرج من دارها إلا إلى بيت زوجها ثم القبر..

وكانت الثمانينات هي عصر الحجاب: روج له المشايخ والسلفيون، كما قام الإخوان - المسيطرين على الجامعات- بشراء وتوزيع قطع القماش على الفتيات، كما تكفلت الأسلمة الريفية باستخدام سلاحها الفلاحي الأثير ضد السافرات، وهو تشويه سيرة الفتاة والطعن في رجولة أبيها أو أخوها أو زوجها، حتى يتقي الله ويستر عوراته خوفا من الفضيحة والعار، لا اقتناعا بأوامر الله..

وفي التسعينات، وإلى جوار الإسلام اليساري واليمين والأزهري والريفي والغوغائي والسلفي ظهر الإسلام المودرن الكيوت المخفف، متمثلا في عمرو خالد، والذي سيفرخ بعد ذلك معز مسعود ومصطفى حسني وغيرهم- شباب مهندمين متأنقين، لا يشبهون السلفيين إلا في بعدهم عن السياسة، ولا يشبهون الإخوان إلا في سطحيتهم وجهلهم بأصول الدين، إلى جوار اشتراكهم جميعا في اليمينة المحافظة، ولكن بشكل يتناسب مع قيم السوق الحديث - فهكذا تحول الإسلام إلى سلعة يتم تزيينها وإخفاء عيوبها وتقديمها لمستهلك لا يقرأ ولا يتحزب، في شكل مخدر لذيذ وبديل لأي فعل حقيقي..

وتدور الأحداث: الموت السياسي والإحتقان الشعبي في عصر مبارك، ثم الثورة ثم صراعات الحكم، وعلى المستوى الإجتماعي مزيد من الإحباط والضياع والإستهلاكية، إلى جوار الغوغائية الشعبية المتمثلة في انهيار سلوكي وفني وثقافي عام..

وكالعادة تحور الإسلام ليفرز شكلا جديدا، يمكن أن نسميه "الإسلام الشوارعي" أو "الإسلام السرسجي"..

والكلمة الأخيرة يصعب شرحها لغير المصريين: فهو تعبير شبه عنصري نقيض للرقي والتهذيب، موجه لمجموعة من الشباب المراهقين القاهريين السوقيين أصحاب السمات المتشابهة: يرتدي ملابس لامعة فاقعة، أحزمة غريبة الشكل، سراويل ضيقة، شعر محلوق من الجانبين فقط مع كتلة أمامية مرتفعة، وغالبا ستراه يسمع الأغاني الصاخبة (المهرجانات) أو يرقص عاري الصدر بالشارع حاملا المطاوي، أويقف على النواصي يجعر بفم مفتوح أو يتحرش بالفتيات، مع الكثير من "لامؤاخذة" و"خلصانة" و"أوقسم بعهد الله"..إلخ.. باختصار يمكنك تخيل الممثل محمد رمضان..

هذا الجيل في العموم لا يمكن أن نصفه بأنه إسلامي النزعة بالشكل التقليدي، بل قد يحتوي عناصر علمنة شعبية، كما قد يمتلك معايير أخلاقية بدائية فطرية تنبع من "الجدعنة والرجولة والتكاتف وأخد الحق وزمالة الشارع"، لا من الدين أو القانون- مما يتجلى مثلا في ظاهرة الأولتراس التي تخلط الكرة بالسياسة بالثورة..

ولكن هذا لا يمنع وجود عناصر إسلامية نابعة من التربية ودروس المساجد، والتي لا يقابلها  بديل فكري أو أيديولوجي يصل للشارع سواها: تلك العناصر تتجلى في بعض سلوكيات ريفية محافظة تستخدم مصطلحات العورة والدياثة وتحقر المرأة بشكل عام (فالتحرش الشوارعي مثلا يظهر في ألفاظ تعبر عن الإشتهاء والشتم والدعوة بالهداية، مما يعكس الكثير عن الفصام الذي نعيشه)..

ولو كان الإسلام الكيوت المودرن يؤيد النظام العام ولا يتدخل بالسياسة، فإن الإسلام الشوارعي يرتبط بالمعارضة، أو لنقل أن المعارضة الإسلامية تستغل الشعبوية السرسجية- فالأولتراس مثلا يتم اختراقهم ليس فقط من قبل التيارات اليسارية والأناركية، ولكن من الإسلاميين أيضا..

هذا الإسلام الجديد يجمع ما بين سمات الإسلام وسمات الشارع المصري، على تناقضها: فالمتابع للخطاب الإسلامي السياسي عموما- سواء رموزهم الإعلامية أو جماهيرهم- يلاحظ منذ فترة زوال هالة التهذيب اللفظي التي كانوا يرفعونها، على أساس أن المسلم ليس بفحاش ولا طعان..إلخ، فعلى العكس: منشوراتهم ومقاطعهم وتعليقاتهم صارت تمتلئ بالسب والفحش بأقذر الألفاظ لكل من يخالفهم، ولا يعرفون في ذلك حدودا ولا أخلاقا..

هذا نراه في نموذج مثل أحمد البحيري، والذي وصف الراحل فرج فودة بسبة قذرة في عنوان أحد مقاطعه، وكذلك يفعل بشكل منحط للغاية تجاه كل خصوم جماعته .. كما نراه يتجسد في ظاهرة إخوانية معارضة هو عبد الله الشريف، صاحب البرنامج الشهير، فالرجل خطابه سياسي، ولغته شعبية تليق بسائقي التوكتوك، إلا أن لحيته سلفية، وهذا - ولا شك- من أهم أسباب شعبيته- فكأنه رأس داعشي تم تركيبه على جسد شاب ثوري شعبي..

وعبد الله، صاحب السمت السلفي والذي كان يعمل خطيبا لأحد المساجد، لا يلتزم بالبروتوكلات الإسلامية التقليدية، فهو يتساهل في إيراد أي معلومة أو شائعة تؤيد موقفه، بل ويبدو أحيانا وكأنه يتعمد الكذب (متجاهلا وصية "فتبينوا")، وهو يسخر من خصومه (ضاربا عرض الحائط بآية "لا يسخر قوم من قوم") كما أنه يتجاهل "ولا تنابذوا بالألقاب" فيطلق الأوصاف المسيئة على خصومه..

وربما تفسير تلك اللغة هي أن الخطاب الإسلامي السرسجي يجمع ما بين ثقافة دينية تكفر (ليس علينا في العلمانيين سبيل)، وما بين ثقافة شعبية شوارعية لا تستطيع التعبير عن مشاعرها بشكل مهذب حضاري..

عبد الله مثلا  حين يسيء إلى خصومه فهو ينتقي الألفاظ النسائية متعمدا  (مثلا يسمي أحد منتقديه بلقب "سماح بعد بكرة)، والتفسير بنظري أن صاحبنا يجمع ما بين ثقافة دينية ترى المرأة عورة ومسبة، وبين ثقافة شعبية تستخدم الألقاب المهينة كسلاح في الحروب وخناقات الحواري.. وحين أراد الإنتقام ممن يصفون الإخوان بأنهم "خرفان" (قطيع)، قال لنطلق نحن أيضا على خصومنا السياسيين لقب "معيز" (ياللإبداع!).. وذلك- يقول- لأن المعزة بطبيعتها أنثى، مما يزيد المهانة طبعا.. وقال في برنامجه"ستقولون لي "لا تنابذوا بالألقاب"- ويرد :أنا مش شيخ يا معزة.. وكأن الآية تلزم المشايخ فقط)..

هذا الشاب الشوارعي هو الذي تجده في المنتديات يدافع عن الإسلام بالسب والشتم دون أن يكلف نفسه قراءة كتاب، وهو الذي تجده في الشوارع يثور دون أن يفهم ما الذي يثور ضده أو ما الذي يريده.. فهو يتعامل مع قضاياه كما يتعامل تجاه خناقة شارع..

وهكذا نجد لدينا إسلامات بقدر حال المجتمع وثقافته.. 

وللإنصاف فلا يجب الفصل بين تحولات الإسلاميين، وتحولات المجتمع عموما، فهذا التيار بالنهاية هو جزء من المجتمع، يرتقي بارتقائه وينحدر بانحداره..

الأحد، 21 يوليو 2019

كابوس الدجالين



في الغرب، كما في الشرق، يوجد آلاف الأشخاص ممن يزعمون أن لديهم قدرات روحانية خارقة للطبيعة : يشفون المرضى, يتنبئون بالمستقبل و يعرفون الطالع ، يكلمون الموتى, يرون و يسمعون أشياءا عن بعد، يقرأون الأفكار, يحركون الجمادات و يثنون المعادن..إلخ، و العديد من هؤلاء يصبحون نجوم مجتمع بارزين في الإعلام، كما يحصلون على أموال طائلة من العوام المؤمنين بقدراتهم.

هناك شخص واحد لا يحب أصحاب الإدعاءات الخارقة مقابلته أبدا، بل و يكرهون مجرد سماع اسمه، فالرجل يمثّل لهؤلاء ما يمثّله الشرطي للمجرمين.


"أنت قابل للإنخداع!"
في واحدة من محاضرات تيد الشهيرة TED، نرى المحاضر شيخا هرما يدخل القاعة برأسه الكبيرة الصلعاء و جسده الضئيل و ملابسه البسيطة و لحيته البيضاء الكثة و الطويلة، يمشي بصعوبة متقدما أمام الجماهير حاملا سنوات عمره التي قاربت التسعين.

لكن منذ استهلال الحديث يظهر الرجل حيوية ذهنية يقظة طريفة، بل خبيثة، غير متناسبة بالمرة مع شيخوخته الظاهرة، فيفاجئ المشاهدين بعدة أمور: عويناته التي يرونها على وجهه ليست عوينات بل هي مجرد إطارات فارغة دون زجاج! أما ما حسبوه ميكروفونا يحمله في يده متكلما فيه فهو ليس ميكروفونا بل ماكينة حلاقة كهربية!


"أنتم قابلون للإنخداع، خاصة حين لا تتوقعون ذلك"-  هذا ما يريد البدء بقوله للجمهور بتلك المزحات الصغيرة.

و لا يلبث الرجل أن يخرج علبة أقراص كاملة فيبتلعها دفعة واحدة -  من ماذا؟ دواء منوّم!، من ذلك الفرع من الطب البديل المعروف بالعلاج التجانسي homeopathy ؛ و بما أن الدواء منوّم فتلك العلبة يفترض أن تخدر العجوز و تقتله، إلا أننا سنلاحظ أن إكماله لباقي المحاضرة بشكل طبيعي نشط هو أبلغ رسالة إنكار و تسفيه عمليين لذلك العلاج غير الفعال، الذي يعتمد على الإيحاء و التأثير النفسي لا أكثر.

يلي ذلك إلقاء مشوق عن أهمية التفكير العقلاني و النقدي، مع ضرورة التشكيك الحذر في كل ما نسمعه أو نراه، حتى نتجنب التعرض للخداع و النصب.

"مهما كنت ذكيا أو متعلما فإنه يمكن خداعك!" هذه مقولة يهوى جيمس راندي تردادها باستمرار.

و ذلك ما يقوم به الرجل فعليا: خداع العوام بشكل مقصود علني، بهدف توعيتهم و إيقاظ ملكاتهم النقدية و من ثم تحصينهم ضد الإنخداع على أيدي الدجالين الفعليين، الذين كرس راندي العقود الأخيرة من حياته لكشفهم و فضحهم.

الكاذب الصادق

راندال جيمس هاميلتون زوينج، أو المعروف بإسم الشهرة جيمس راندي ، ولد في 7 أغسطس 1928، في تورنتو بكندا، و منذ الصغر ترك دراسته و اشتغل بالسحر و ألعاب الخداع ، ثم عبر شبابه و كهولته عمل في عروض حواة مسرحية متنوعة متعلما العديد من الحيل، كما كتب عمود أبراج حظ في إحدى الصحف، و لاحقا عمل كمؤدي في نوادي ليلية في بريطانيا و أوروبا و الفلبين و اليابان، و منذ منتصف الأربعينات بدأ ممارسة فن التفكك من القيود و الأغلال و الهروب من الزنازين Escapology ، الأمر الذي برع فيه الساحر الأسطوري هاري هوديني من قبل،  و في الستينات و السبعينات قام راندي بتقديم عدة برامج على الراديو و التليفزيون عن السحر و حيل الحواة.


و في الستين من عمره تقاعد جيمس راندي- الذي عرف بلقب "المذهل"-  و بدأ يحقق في ماهية القوى الروحانية و فوق الطبيعية المزعومة، و قد حصل على الجنسية الأمريكية عام 1987 ، و لاحقا سيقوم بتأليف العديد من الكتب عن الخوارق و تاريخ السحر.

هكذا، على خطى هوديني، انتقل راندي من أداء ألعاب الحواة إلى نشاط آخر هو كشف مزاعم أهل الخوارق و العلوم الزائفة، مثل أدعياء الشفاء الروحاني و التخاطر الذهني و مخاطبة الموتى و التحريك عن بعد..إلخ، و قد أنشأ "مؤسسة جيمس راندي التعليمية" JREF بغرض تفحص تلك المزاعم و التحقق منها.
 
هاري هوديني

لقب طريف آخر تم إطلاقه على راندي هو"الكاذب الصادق"، إذ أنه حين يمارس ألاعيبه يؤكد دائما للمشاهدين أنه لا توجد أي سحر أو روحانيات أو خوارق في المسألة، بل فقط حيل ذكية و خفة يد و إيحاءات نفسية بارعة ؛  و الجدير بالذكر أن ذلك اللقب نفسه هو عنوان الفيلم الوثائقي الذي تم عمله حول قصة حياته An Honest Liar ، و الذي استغرق تصويره ثلاث سنوات و تم إطلاقه في 2014.

في تخصصه الأحدث - كشف أدعياء القدرات الخارقة - يطبق راندي أسلوبين ناجحين للغاية: الأول هو قيامه بتكرار أفعال أولئك المدعين بنفسه أمام الجميع، مما يثبت إذن بشكل عملي أن تلك الأفعال يمكن إجراءها ببعض البراعة و لا تستلزم أي إمكانيات فائقة للطبيعة.

هكذا نشاهد لراندي عروضا جماهيرية يبدو فيها أنه يعرف أمورا غير متاحة لحواسه ، أو يقوم بثني المعادن- المعالق و المفاتيح- عن طريق التركيز فقط، أو حتى يشرع بنفسه في إجراء "الجراحات الروحانية" Psychic surgery  ، و هي عمليات جراحية مزعومة تُجرى بالأيدي فقط، دون مخدر أو أدوات جراحة! ؛ إجراء منتشر يمارسه بعض الأدعياء خاصة في الفلبين و البرازيل، مستخدمين – إلى جوار المهارة و خفة اليد- دماء الحيوانات و قطع من أعضاء الدجاج لتمثيل أعضاء المريض التي يخرجونها بأيديهم العارية أمام الجماهير المنبهرة!


و الأسلوب الثاني الذي يستخدمه راندي لكشف الدجالين هو مطالبتهم بالقيام بما يقومون به تحت رقابة صارمة و قواعد علمية دقيقة تستبعد أي احتمال لتلاعب أو حيل خفية أو إيحاءات - و هو في طلبه هذا يكون شديد الإلحاح على المدعين، الذين يصل بهم الحال غالبا إلى الهروب، و هو هروب يحرص راندي على تسجيله و إعلانه على الملأ.

بتلك الوسائل البسيطة نجح هذا الكاذب الصادق - مرة بعد مرة-  في كشف الكثير من أدعياء السحر و أصحاب الخوارق المزعومين حول العالم، و الذين يجدون أنفسهم في مواجهة زميل سابق خبير، يعرف جميع حيلهم دون استثناء.

يوري غيلر 
هو شاب روحاني إسرائيلي كان يزعم أنه يمتلك القدرة على ثني المفاتيح و المعالق المعدنية بعقله وحده، كما يستطيع قراءة أفكار الناس و رؤية ما في الأماكن المغلقة، بل و كان يظهر على التليفزيون مؤكدا أن الجميع بإمكانهم القيام بذلك فقط ببعض التركيز و الإرادة! ، حتى حظي الرجل بشهرة عالمية و حصل على ثروات هائلة، كما صار نجما إعلاميا تتناوله الصحف و المجلات و البرامج بصفته ظاهرة محيّرة خارقة لكل قواعد العلوم المعروفة.

و لكن ذلك الإنبهار و البريق لن يستمران لفترة طويلة.

خرج جيمس راندي لينتقد ادعاءات غيلر بشكل عملي بأن قام بتكرار كل ألاعيبه السحرية، مع الفارق المعتاد أنه أكد على أن ما يقوم به هو مجرد حيل مدروسة لا أكثر: يمكن تجهيز ملعقة و ثنيها عدة مرات قبل الظهور لتضعيفها فتنثني بسهولة بمجرد الإمساك بها و التظاهر بالتركيز الروحاني عليها، و ربما يمكن صرف أنظار الناس و ثني المفتاح عن طريق دفع طرفه خفية في المنضدة أو الكرسي ثم إظهار طرفه علنا بشكل احترافي يبدو معه و كأنه ينثني بالتدريج أمامنا ، و كذلك يمكن الإستعانة بمرايا صغيرة لتخمين ما رسمه الشخص في ورقة ووضعها في ظرف مغلق، و ذلك عن طريق إدارة الوجه و تغطية العينين باليدين أثناء قيام الشخص بالرسم، مع استخدام المرآة المخفية في اليد لرؤية ما يقوم برسمه في الخلف، ثم التظاهر لاحقا بتخمينه عن طريق التركيز الروحاني التمثيلي.

التفاسير و المحاكاة التي قام بها راندي لا تعتبر بحد ذاتها دليلا حاسما على أن يوري غيلر نصاب، و لكنها – على الأقل- تقدم للناس احتمالا أكثر منطقية لما قد يكون حدث فعلا، بشكل يظل أكثر ترجيحا من مزاعم القدرات الروحانية الخارقة.

و لكن لاحقا جاءت الفرصة لخطوة أخرى أكثر قوة و حسما.

في 1973 تم استضافة غيلر في برنامج تليفزيوني آخرToday show  من تقديم المذيع جوني كارسون، و الذي تصادف أنه هو نفسه ساحر سابق و متشكك مثل راندي، فاستعان كارسون براندي لمساعدته على تحضير الأمور بحيث يتجنب أي ألاعيب خفية من قبل غيلر ، فنصحه جيمس بإعداد أدوات التجربة بنفسه و عدم السماح ليوري أو فريقه بالإقتراب منها، و بالطبع عدم السماح للساحر المزعوم بإحضار أدواته الخاصة- و التي قد يكون تلاعب بها مسبقا.

 و جرى إعداد المسرح بشكل مناسب : تم تقديم عدة ألعاب سحرية لغيلر و السماح له باختيار ما يشاء منها : معالق جاهزة ليثنيها بعقله ، علب مغلقة واحد منها فقط ممتلئ ينتظر أن يقوم بتخمينه دون لمسه ، كما قيل له أن واحدا من موظفي البرنامج قد قام بعمل رسمة محفوظة في ظرف مغلق، و سألوا يوري هل تود استخدام قدراتك لمعرفة الرسمة؟ فتحجج بأنه قد يحاول القيام بذلك في وقت لاحق.

كذلك فشل غيلر في معرفة العلبة الواحدة الممتلئة وسط العلب، كما رفض ثني أية معالق في هذا اليوم، معلنا أنه لا يشعر بأن لديه القوى الروحانية الكافية في الوقت الحالي ، و بدا على الشاب العصبية و الإرتباك الشديدين.

بعد البرنامج لفترة طويلة شرع يوري غيلر في رفع عدة دعاوي و قضايا تعويض ضد راندي الذي تسبب في إهانته و تدمير سمعته على هذا النحو.

بيتر بوبوف
نموذج آخر لدجال نجح جيمس راندي في كشفه علنا.

هو مبشر تليفزيوني مسيحي و معالج روحاني ذاع صيته في الثمانينات بسبب عروضه المبهرة، حيث كان يقف وسط الجماهير الغفيرة بالآلاف يعظ صارخا بصوته المؤثر ، و ما يلبث أن يختار شخصا عشوائيا من الحضور و يتكلم معه عارفا معلوماته الشخصية كإسمه و المرض الذي يشكو منه، ووسط الحشود المؤمنة يهتف بإسم المسيح معلنا أنه قد تم طرد الشيطان من الضحية و تم تدمير ذلك المرض اللعين إلى الأبد، هللويا - و من المؤكد أن بوبوف بدا لأتباعه رجلا مؤيدا من الله بقدرات خارقة على المعرفة و على الشفاء.

لكن لاحقا سيتبين أن الأمور ليست بتلك البساطة أو تلك الروحانية.


في عام 1986، و بالإستعانة بماسح راديو خاص، تمكن راندي من التقاط موجات راديو كشفت سر المعرفة الفائقة التي يستعرضها بوبوف و يزعم أنها من عند الله ؛ إذ اتضح أن زوجته إليزابيث تقوم في أثناء العروض بإبلاغه بيانات الأشخاص الذين يتحدث معهم ، و التي عرفتها هي من خلال جلسات "إنترفيو" تحضيرية سابقة للعرض، فكان بوبوف في أثناء العرض ينصت إلى تلقين إليزابيث له من خلال سماعات لاسلكية مخفية في أذنه، و يتظاهر بأنه يستحضر المعلومات من قوى روحانية كبرى، و يسردها أمام الجموع المشدوهة.

نجح راندي - عن طريق الماسح-  من تسجيل تلقينات زوجة بوبوف له.

ثم في مناسبة أخرى نجح في دس رجل متنكر في ثياب امرأة زعمـ(ت) أن لديهـ(ـا) سرطان رحم، فقام بوبوف بشفائهـ(ـا)!

و حين تم إذاعة تلك المقاطع علنا (3) و تم كشف ألاعيب بوبوف في برنامج تليفزيوني شهير- هو نفس برنامج كارسون ذلك الذي كشف غيلر من قبل - تفجرت الفضيحة ، و مع المزيد من الضغط الإعلامي  اضطر المبشر إلى الإعتراف بالدور الذي كانت تلعبه زوجته من وراء الكواليس، و كالمتوقع انهارت شعبية بيتر بوبوف بشدة حتى أنه أعلن إفلاسه بعد أقل من عام و نصف من تلك الحادثة ، و لم يبد أن قدراته الروحانية الخارقة قد نفعته كثيرا.

جولات أخرى لكشف المحتالين
بالإستعانة ببضعة أدوات و بمبادئ مبسطة من المنهج العلمي، نجح جيمس- المذهل- راندي في كشف عشرات الدجالين الآخرين عبر عقود.

في أحد العروض يقوم بمواجهة شخص يدعونه "الرجل المغناطيس" يزعم أن لديه خاصية خارقة تجعل المعادن تلتصق بجسده ؛ أعلن جيمس أن هذا الإلتصاق ناجم عن مادة زيتية لزجة على صدر الرجل، و لكشف الحيلة قام بتغطية جذعه ببودرة تلك و طلب منه تكرار حيلته، إلا أنه لم ينجح بل انزلقت الأجسام المعدنية من على جسده -  مما أكد ظن راندي.

ساحر آخر مشهور يدعى جيمس هيدريك، كان يقوم أمام الملأ بالتركيز بنظره مقتربا من كتاب مفتوح على منضدة، ثم يفاجئهم بتقليب صفحات الكتاب بعقله فقط ، مبهرا الجماهير ؛ واجهه راندي بأن ما يقوم به هو حيلة بسيطة تعتمد على النفخ خفية في الأوراق، و لكشف الحيلة قام برش قطع صغيرة من الفوم الخفيف جدا حول الكتاب، و طلب من الرجل أن يقوم يقلب الصفحات دون تحريك الفوم، لكن هيدريك تملّص من الإستجابة ، مما فضح كذبه أمام الجميع.

و مع شخص آخر يزعم أن لديه قدرة خاصة على رؤية "الهالات الروحانية" للأشخاص و معرفة أماكن تواجدهم السابقة، أحضر راندي خمسة متطوعين و أوقفهم وراء ساتر، ادعى الرجل أن بإمكانه رؤية هالاتهم من خلاله، ثم جعل راندي المتطوعين يظهرون من وراء الساتر، و طلب من الرجل أن يحدد المكان الذي كان كل شخص واقفا فيه حسب هالته ، و النتيجة توقعات خاطئة تماما .

و مع سيدة تدعي أن باستطاعتها معرفة إن كان الشخص حيا أو ميتا فقط من خلال النظر إلى صورته دون معرفة سابقة ، أحضر لها راندي صور خمسة أشخاص مجهولين و طلب منها تحديد إن كانوا أحياء أم أموات، و النتيجة أيضا خرجت لا تشي بأية قدرات خاصة .

سيدة أخرى أكدت أن بإمكانها مساعدة الشرطة في الكشف عن الجرائم عن طريق قدرتها الخارقة على معرفة الماضي المتعلق بأية أداة بمجرد لمسها ، فقام جيمس باختبار قدرتها عمليا من خلال تحضير بضعة أدوات متنوعة أمامها، مع الطلب منها أن تذكر تاريخ كل أداة، و النتيجة ارتباك و فشل ذريع .

اختبار آخر قام به راندي لشخص "راصد للمعادن" ، و هو ممارسة شهيرة يدعي البعض فيها قدرتهم على معرفة أماكن مواد معينة (ماء أو معادن) تحت الأرض من خلال الإمساك بعصا طويلة و رصد ذبذباتها ؛ و للتحقق من الأمر أحضر راندي سبعة علب مغلقة و طلب من الرجل استخدام عصاته لمعرفة العلبة الوحيدة التي تحتوي على الزنك الخام وسط العلب الأخرى الفارغة، و النتيجة خيبة أخرى .

مدعية أخرى تزعم دراستها للقوى الفائقة لحجر الكريستال، و تؤكد أن بعض أنواع تلك الحجارة تحسن من صحة الشخص فورا بمجرد الإمساك بها في يده حتى أن حركة ذراعه تزداد قوة عن الطبيعي! ؛  لتفحص ادعاءها قام راندي بوضع الحجر السحري المزعوم في كيس مغلق، و أحضر جواره خمسة أكياس مماثلة تحتوي على سم فئران، ثم استعان بسيدة وسيطة أخرى- صحافية- و جعلها تمسك كل كيس بيدها على حدة، و طلب من المعالجة أن تقيس قوة حركة ذراع الوسيطة في كل مرة لتتعرف بتلك الطريقة على الكيس الصحيح، الذي يفترض أنه سيترك تأثيرا ملحوظا على قوة السيدة – لكن السيدة اختارت كيسا خاطئا مما أظهر كذب ادعاءاتها .

و في مواجهة ممارس مزعوم للتخاطر العقلي Telepathy ، كان الرجل يستعرض انتقال فائق للأفكار بين وسيطين مرافقين له (رجل و سيدة)،فيقوم بتوصيل جهاز رصد خاص (شبيه بجهاز كشف الكذب) إلى أصابع الرجل، بهدف تحديد موعد نقل الأفكار من السيدة إليه، فحين يستقبل الرجل الأفكار ينشط ذهنه فيصدر الجهاز رنينا خاصا؛ هنا اقترح راندي أن التزامن قائم على مجرد اتفاق لتبادل علامات بصرية خاصة بين الرجل و السيدة، و لكشف الأمر يطلب من الرجل أن يجلس مدير ظهره إلى السيدة، بينما يقوم راندي شخصيا بإصدار إشارة إلى السيدة لنقل أفكارها إلى الرجل في توقيت محدد، يفترض أن الجهاز يواكبه معلنا وصول الأفكار إلى المستقبل – لكن ما حدث هو صدور الرنين في غير توقيت الإشارة عدة مرات، مما أوضح الأمور و أكد أن التوافق الأول كان بالفعل نتيجة اتفاق بصري بين الرجل والسيدة- التي شعرت بالحرج من كشف الأمر فغطت وجهها بيدها و غرقت في ضحك مكتوم .

استضاف راندي أيضا خبير "علم خطوط" Graphology ، ممن يؤكدون أن لديهم قدرة على تحديد شخصية المرء و العمل المناسب له من خلال خط  يده وحده، و هو علم مزعوم تم الترويج له بشكل واسع حتى أن بعض الشركات صارت تستخدم "خبراء" ذلك "العلم" لمساعدتهم على اختيار المتقدمين للوظائف لديها ؛ للتحقق من ادعاءات الرجل أحضر راندي أمامه خمسة أشخاص يشغلون خمس وظائف مختلفة، و أعطاه خمس نماذج لكتابات أولئك الأشخاص، ثم طلب منه أن يقوم بمعرفة أي الأشخاص ينتمي إلى أي المجالات العملية اعتمادا على خط يده  وحده، و النتيجة تطبيق عملي صارخ على فشل ذلك العلم المزيف .

تلك المواجهات الفضائحية المدمرة - و غيرها- جعلت كثير من أدعياء القدرات الخارقة يتجنبون الإستجابة لتحديات جيمس راندي و باتوا يهربون منه كالجحيم.

سيلفيا براون
هي كاتبة أمريكية لديها قدرات وساطة خارقة مزعومة تمكنها من التواصل مع أرواح الموتى الذين يبلغونها رسالات من العالم الآخر توصلها لأحبائهم، ليس مجانا طبعا.

ظهرت سيلفيا في العديد من البرامج التليفزيونية و الراديو، و رغم تعرضها لبعض الإنتقادات بسبب بعض التنبؤات الخاطئة إلا أنها حظيت بإقبال ساحق من المؤمنين بقدراتها، وصل إلى أنها- كما قيل- كانت تتلقى 700 دولار في مقابل استشارة لمدة 20 دقيقة، على التليفون!، كما تم تقدير دخلها السنوي من تلك القراءات الروحانية وحدها إلى ثلاثة ملايين دولار.

أشد المنتقدين لسيلفيا - كالمتوقع- كان جيمس راندي؛ و كرد على انتقاداته أعلنت السيدة في عام 2001 ، إبان ظهورها في برنامج الإعلامي الشهير لاري كينغ، أنها ستؤكد شرعيتها عن طريق قبول تحدي جيمس راندي الشهير، بمنح مليون دولار لأي شخص يتمكن من إثبات أن لديه أي نوع من القدرات الخارقة للطبيعة تحت رقابة علمية صارمة ، لكن سيلفيا سرعان ما تراجعت عن كلامها مدعية بأن مبلغ التحدي غير موضوع في الضمان، و رغم إظهار راندي لخطاب موثق بأن المبلغ موجود، و إبداءه الإستعداد لوضعه في الضمان- بالمخالفة لشروط الجائزة- إلا أن براون لم تستجب و لم تبادر بالإتصال بمؤسسة راندي، و ذلك رغم إعلانها مسبقا عدة مرات أنها مستعدة للتحدي.

".. زعمت سيلفيا أنها لم تستطع الإتصال بي لأنها لم تجد اسمي في دليل التليفون ؛ بحق السماء هذه السيدة تدعي أنها تتصل بالموتى،  لكنها لم تتمكن من الإتصال بي أنا؟!"،  أنا - على الأقل- على قيد الحياة لو لاحظتم!" – بتلك النبرة الساخرة يتحدث جيمس عن الروحانية المزعومة في محاضرته الشهيرة في تيد.

الجدير بالذكر أن سيلفيا براون- التي قامت بتأسيس كنيسة Novus Spiritus  في منتصف الثمانينات، تم لاحقا – في 93- إدانتها قضائيا بتهم تتعلق بذمتها الماليةـ و صدر ضد زوجها – الثالث- حكما بالسجن، و ضدها حكما آخر مع وقف العقوبة.

المشروع- الفضيحة-  ألفا
  Project alpha
في عام 1979 تم إعلان أن الثري و المهندس الشهير جيمس ماكدونيل دوغلاس، رئيس مجلس إدارة ماكدويل دوغلاس للطيران، قد قام بمنح نصف مليون دولار لجامعة واشنطغتون لتأسيس مختبر جديد ماكدونيل للأبحاث العقلية فوق الطبيعية.

مدير مختبر ماكدونيل – بروفيسور الفيزياء بيتر فيليبس، المهتم بالخوارق و الباراسيكولوجي لسنوات طويلة-  أعلن للصحافة أنه سيشرع في فحص ظاهرة القدرة العقلية على التأثير على الجمادات psychokinesis خاصة لدى الصغار ؛ و وسط ثلثمائة شاب متقدم تم اختيار شابين صغيرين هما مايك إدواردز  و ستيف شو، اللذان أذهلا الجميع بأفعالهما التي بدت خارقة ، و بعد سلسة من الإختبارات المتنوعة أعلن الباحثون في المختبر أن إدواردز و شو (المعروف بإسم باناكيك) يمتلكان ولا شك قدرات فائقة تمكنهما من التأثير على الجمادات بعقليهما دون لمس.

لكن في مؤتمر صحافي - سيأتي بعد نحو خمسة سنوات-  ستتفجر المفاجأة : الشابان محتالان، أرسلهما و قام بتدريبهما جيمس راندي شخصيا!

قبل بدء الفحوصات، أرسل راندي إلى مدير المختبر فيليبس رسالة متضمنة أحد عشر "محذورا" يفضل التنبه لها في اختبارات التحقق من ادعاءات الخوارق: منها مثلا نصيحته بعدم السماح للمتقدم بتغيير قواعد الإختبار في المنتصف لمصلحته، بل ينبغي أن تظل القواعد ذاتها معمول بها بدقة، و في إطار تحريك المعالق حذر راندي من وضع عدة نماذج لمعالق متنوعة أمام المدعي بل يجب الإكتفاء بنموذج واحد، كما نصح راندي بوجود ساحر\ محتال آخر في أثناء الإختبار، و عرض القيام بنفسه بهذا الدور، بالإضافة إلى بعض النصائح و الإقتراحات الأخرى.

منذ البداية لم يبد أن الباحثين في مختبر ماكدونيل اهتموا بتطبيق اقتراحات راندي، فأكد فيليبس أنه قادر بمفرده على الإشراف على التجارب بدقة و الخروج بنتائج دقيقة علميا ، و لكن يبدو أن هذا الوعد لم يتحقق؛ فقد تم السماح للمدعين بأخذ زمام المبادرة في الإختبارات، مما مكنهم من خداع العلماء بعدة طرق، كما تبين لاحقا و تم توثيقه في عدة مصادر هنا وهنا وهنا.

على سبيل المثال فالشابان قاما باستغلال وجود عدة نماذج للمعالق أمامهم ، فتمكنوا – بخفة يد- من تبديل العلامات الورقية المكتوبة من ملعقة إلى أخرى، و هكذا حين قام الباحثون بقياس المعالق مرة أخرى بعد التجارب ظنوا أن مقاساتها تغيرت عما كانت عليه قبل التجارب، الأمر الذي عزوه إلى تاثيرات الشابين العقلية!

كذلك في باقي الإختبارات الأخرى، التي خرجت تقارير علماء المختبر مؤكدة أن إدواردز و باناكيك نجحا فيها مثبتين قدراتهما، تبين لاحقا أن الشابين نجحا في خداع العلماء بألاعيب ماكرة و خفة يد شبيهة بحيل الحواة.

و في منتصف عام 81 ، في مؤتمر للسحرة، قام راندي بالتلميح أنه هو من أرسل الشابين إلى المختبر و قام بتدريبهما لخداع الباحثين ، لكن تم التعامل مع كلامه على أنه مجرد مزحة.

قبل هذا مباشرة، كان فيليبس قد راسل راندي طالبا منه المساعدة، فأرسل الأخير له عدة فيديوهات و تسجيلات عن أساليب الخداع في عالم السحر، و منها فيديو متعلق بألاعيب يوري غيلر، مما دفع الباحثون في المختبر إلى تغيير أساليبهما و استبدالها بخطوات و قواعد أكثر دقة و صرامة، فقاموا بوضع علامات مصغرة على المعالق بدلا من العلامات الورقية ، و منعوا الشابين من التلاعب المباشر مع أدوات الإختبارات، بالإضافة إلى قواعد أخرى استخدمها راندي مسبقا في كشفه لمحتالين سابقين.

هنا بدا أن القوى الخارقة للشابين قد تبددت فجأة، لكن الحقيقة أنهما باتا عاجزين عن خداع الباحثين، و خرجت التقارير التالية للمختبر تخفف من نغمة الحماس السابقة، مشيرة إلى أن القدرات الخارقة للشابين "ليست بالوضوح المتوقع".

و أخيرا في 83، أعلن جيمس راندي في مؤتمر صحافي أنه قد قام بخداع مختبر ماكدونيل التابع لجامعة واشنطغتون، و أمام الجميع استدعى الشابين للقيام بحيلة ثني الملعقة، ثم سألهما"هل تتفضلان بإخبارنا كيف تفعلانها؟"، فأجابه أحدهما ببساطة "نغش!" مما استدعى تأوهات الحضور المصدومين.


إدواردز و باناكيك مع جيمس راندي

و هكذا انتهت المسرحية، التي تضمنت نجاح شابين صغيرين مدربين - باستخدام ألاعيب حواة - في خداع علماء مختصين على مدار أعوام، و عبر 160 ساعة من الإختبارات و الفحوصات المختلفة.

و كالمتوقع كان للقضية توابع ضخمة، نجم عنها انهيار المستقبل الوظيفي للعديد من الباحثين المشتركين في المشروع، كما تم إغلاق مختبر ماكدونيل نهائيا.

بالطبع لم تكن الفضيحة أو الإحراج أو تشويه السمعة هي الهدف مما قام به "المحتالون" الثلاثة، و لكن الغاية كانت البرهنة على ما يؤكده المتشككون أمثال راندي منذ زمن: أن الكل يمكن خداعه، حتى العلماء.

القضية ببساطة أن المؤمنين بالروحانيات كانوا دوما يشتكون من أن مشكلتهم الرئيسية هي عدم توفر التمويل اللازم لإجراء الأبحاث التي ستثبت صدق معتقداتهم، و لكن على الجانب الآخر المشككون يرون أن المسألة أكبر من هذا: و تتعلق بالإنحياز المسبق للمعتقدات التي يود الروحانيون إثباتها بأي شكل.

الباحثون في مختبر ماكدونيل لم يكونوا أغبياء، و لكن كان لديهم ميل إلى تصديق وجود القدرات الخارقة، و لهذا تم خداعهم، لأن انحيازهم المسبق جعلهم يمنحون الشابين الفرصة لخداعهم.

و لعل أكثر ما يؤكد هذا هو ما أشار له راندي لاحقا، من أنه قد اتفق مع إدواردز و باناكيك منذ البداية أن لو تم سؤالهما في أي وقت "هل أنتما مخادعان؟ هل تقومان بتزوير نتائج الفحوصات؟" أن يجيبا بنعم(!) – ولكن المدهش أن هذا السؤال البسيط، الذي كان كفيلا بإنهاء المسألة فورا، لم يتم طرحه على الشابين بشكل مباشر أبدا طوال فترة الإختبارات!

مسرحية خوزيه ألفاريز
لم يكن مشروع ألفا هو المقلب الوحيد الذي أجراه جيمس  راندي لإثبات قابلية الناس للإنخداع ، ففي عام 1987 قام باختراع كيان وهمي سماه "كارلوس" قال أن عمره ألفين سنة، و ادعى أن هذا الكائن يتجسد في عدة أجسام عبر العصور، آخرهم فنان أمريكي شاب يدعى خوزيه ألفاريز.

ألفاريز في الحقيقة هو ممثل أدائي، و هو رفيق راندي و تلميذه و مساعده، حيث أشرف الأخير على تدريب الشاب على العديد من الحيل و الألاعيب، فعلمه- مثلا- أن يضغط كرة بينغ بونغ تحت إبطه لإبطاء نبضات قلبه في أثناء التظاهر بنوبات التلبس الروحاني، ثم اتجه الإثنان إلى أستراليا في 88 ، بعد أن راسل راندي العديد من شبكات التليفزيون و الجرائد الأسترالية حاكيا لهم عن استعراضات عجائبية لكارلوس في الولايات المتحدة.

و في أستراليا، تم استضافة ألفاريز- كارلوس- في عدة برامج تليفزيونية كبرى، و عبر سماعة أذن لاسلكية كان راندي يلقنه الأجوبة المناسبة على أسئلة اللقاءات؛ و تجلت ذروة نجاح الجولة في عرض أوبرا سيدني، حيث عرض أمام الجماهير عدة قطع كريستال خاصة تدعى "دمعات كارلوس" بسعر 500 دولار للواحدة، كما عرضت "كريستالة أطلانتيس" بـ14000 دولار، و حظيت المعروضات بحالة إقبال شرائية مدهشة (رغم أن فريق راندي رفض تلقي الأموال لنفسه) .

بعد كشف الخدعة انفجرت حالة من الغضب العارم في الإعلام الأسترالي، الأمر الذي استجاب له راندي بالتصريح بأنه لا يوجد صحافي واحد أتعب نفسه في محاولة التقصي حول المعلومات العجائبية التي تم الترويج لها عن كارلوس.

و الطريف أن نجومية كارلوس لم تخفت، فقد ظل الناس يقابلون خوزيه في الشارع مصرين على الإقتناع بقدراته الروحانية الخارقة.

تحدي المليون دولار
لعل أشهر ما يتصل بجيمس راندي و مؤسسته هو ذلك التحدي الشهير بمنح مليون دولار جائزة لأي شخص ينجح في إثبات أن لديه قدرة روحانية أو خارقة أو فوق طبيعية من أي نوع، بشرط أن يتم ذلك تحت رقابة علمية مناسبة .

بدأت المسألة في عام 1964حين كان راندي في أحد البرامج التليفزيونية و تحداه أحد الباراسيكولوجيين بأن يراهن بماله إن كان واقفا مما يدعيه، فاستجاب جيمس بأن عرض ألف دولار من ماله الخاص لأي شخص ينجح في إثبات وجود قوى فوق طبيعية لديه تحت اختبارات مدققة - و منذ ذلك الحين تزايد المبلغ حتى وصل إلى مليون دولار.

أما الشروط فليست معقدة لكنها دقيقة مصممة لفضح الحيل و الألاعيب: إن كنت تزعم ثني المعالق بعقلك فلن يسمح لك أن تحضر معالقك الخاصة، إن كنت تزعم رؤية الهالات حول الأشخاص فعليك القيام بذلك تحت اختبارات صارمة ، إن كنت تزعم الرؤية عن بعد فلن يسمح لك بالإقتراب مما ينتظر منك رؤيته ، إن كنت سترصد الماء أو المعادن بعصاك فعليك أن تكون مستعدا لفعل ذلك تحت ظروف موضوعية متحكم بها، إن كنت ستقوم بعملية جراحية روحانية فستقوم بها و الكاميرات تراقب كل حركة من حركاتك.

و الجدير بالذكر أن مئات تقدموا إلى التحدي حتى اليوم، أما عدد الذين نجحو في اجتياز الإختبارات الأولية فهو: صفر!

خاتمة: درس العقلانية

في 28-1-2015،  في السادسة و الثمانين من عمره، كتب راندي معلنا استقالته من منصبه في مؤسسته، معلنا في نفس الوقت أنه لن يتوقف عن معاركه، بالمحاضرات و الكتابة ، ضد الشعوذة و الدجل و ادعاءات الخوارق .

لعقود طويلة قام راندي بالترويج لمفاهيم العقلانية و العلمية و الدقة و لأهمية التفكير النقدي الواعي التشكيكي، و  قد تم نشر عدة مقالات عن الرجل في  Scientific American  و غيرها.

في يوليو 1995 بعنوان
A skeptically inquiring mind
و في 9 مارس 2015 بعنوان
A Plea for a Scientific Worldview from An Honest Liar, on Debunker James Randi

نسمعه في أحد اللقاءات يصرح بأنه شخصيا يريد الحفاظ على عقله دقيقا و صاحيا قدر الإمكان، فهو لا يدخن أي شيء و لا يشرب الخمر أبدا ، لأنه ممن يرفضون تشويش عقولهم و تركيزهم أو تقليل قدراتهم المنطقية بأي شكل، و من أقواله أن هناك فارقا هائلا بين أن يكون لديك عقلا منفتحا، و أن يكون لديك ثقبا في رأسك يتسرب منه مخك!-  بمعنى آخر ليس من الحكمة الإنفتاح العقلي على كل شيء أو الإستعداد لتصديق كل شيء دون تدقيق.


و فيما يقوم به هو لا يفضل لقب "هادم" الخوارق، و إنما يعتبر نفسه "محققا علميا" فيها، و في أحد اللقاءات له مع ريتشارد دوكنز سأله الأخير: ماذا لو كانت تلك القوى الخارقة موجودة و نجح أحد المختبرين في تحقيق تحديك؟"، فأجاب راندي أن هذا سيسعده تماما، و أنه سيكون راضيا بدفع المليون دولار في مقابل تقديم حقيقة معرفية جديدة للناس.

و هو لا يتفق مع من يقولون أن الدجالين- حتى لو كانوا كذابين فهم على الأقل يريحون الناس نفسيا و يقدمون لهم التعزية ..إلخ ، بل على العكس هو يؤكد على الجانب السيء و الشرير لما يقومون به، ليس فقط من ناحية خداع المريض و ضياع وقته و ضياع فرصته في الحصول على حلول حقيقية لمشاكله، بالإضافة طبعا إلى ابتزاز أمواله ، لكن راندي أيضا يشير إلى التأثير النفسي السيء للخزعبلات ، فالمتحدثون مع الموتى على سبيل المثال يربطون الشخص عاطفيا بقريبه أو صديقه المتوفى لفترة أطول من المعتاد، فيزداد حزنه بدلا من أن يقل، و يشبه راندي أولئك المشعوذين بالعقبان، طيور جارحة تجلس على الأشجار و تنتظر مجيء المعاناة و الحزن إليها ؛ الأشخاص الحزينون يكونون أكثر ضعفا و احتياجا للمساعدة و بالتالي هم أكثر قابلية للإنخداع- الدجالون ينقضون على اولئك الضحايا لاستنفاد أموالهم دون شفقة.

بالطبع ليس جيمس راندي هو المتشكك الوحيد الذي يجتهد في فضح ادعاءات الدجالين، و هو حتما ليس أولهم و ليس آخرهم، و لكن لعله أشهر من يقوم بذلك اليوم و أكثرهم جاذبية و كاريزما و دهاءا ، و المهم أن تلك العدوى الحسنة (الإستعانة بالعلوم لكشف الدجل) هي عدوى تنتشر بشكل كبير حتى صار هناك أجيالا جديدة من العقلانيين الذين يتبنون الترويج لنفس قيم الدقة و الفحص العلمي، ليس فقط في الغرب و لكن في أماكن أخرى حول العالم يتواجد فيها أولئك المشعوذين- كالهند على سبيل المثال التي صار فيها عقلانيون يتكبدون صعوبات عديدة لمواجهة الدجل المستشري هناك و فضحه بأساليب علمية.

 وما أحوج عالمنا العربي إلى من يقوم بمثل هذا الدور.

تطور لا نسبية




لا؛ العلم ليس متغيرا، والأخلاق ليست نسبية ؛ إنهما فقط يتطوران، مثل كل شيء..

الفارق كبير: فكلمات مثل التغير والنسبية هي كلمات خادعة توحي بالتخبط والعشوائية والتبدل صعودا ونزولا ودورانا بلا نمط أو غاية واضحة..

وهذا بعيد عن الواقع، فليست المسألة وكأن العلماء لديهم كل يوم رأيا جديدا ليس له علاقة بما قبله، أو أنهم يبنون نظرياتهم على خبط عشواء متقلب..

ولو كان الحال كذلك فما قيمة العلم أصلا؟ ولماذا نجهد أنفسنا في تحصيله وتوثيقه؟ وما معنى أن ندرس لأطفالنا معلومات يمكن أن تنقلب رأسا على عقب حين يكبرون؟

وكذلك، ليست المسألة وكأن الناس يصحون ذات يوم ليقرروا أن القتل والسرقة خطأ، ثم يصحون في اليوم التالي ليقرروا أنها صواب..

ولو كان الحال كذلك فلماذا نتمسك بمبادئنا؟ ولماذا نهتم بتحسين أخلاقنا إذن؟ بل لماذا نكترث بمناقشة الصواب والخطأ أصلا، طالما أن ما سنستقر عليه اليوم سيتغير إلى نقيضه غدا أو بعد غد؟


إنما يمكن فهم المسألة ببساطة عن طريق الرجوع إلى التعريفات:

فالعلم هو محاولة منهجية لفهم الواقع وتوصيفه والتعامل معه؛ ولو اتفقنا أن الواقع يتميز ببعض التماسك والثبات، مما يمكننا من استنباط ما نسميه قوانين طبيعية، ففي تلك الحالة يكون العلم هو طريق متصاعد نحو مزيد من النجاح في فهم تلك القوانين وتوصيفها بمزيد من الدقة والشمول..

هذا الصعود لا يشترط أن يكون في شكل خط مستقيم، وإنما قد يحتوي تعرجات أو حتى يشمل سقطات وتراجعات وانتكاسات، ولكن هذا لا يمنع أن المسعى واضح والهدف محدد، وأن التطور - أو التخلف- يمكن قياسه..

القول بأن الأرض كروية هو - قطعا- أكثر تقدما من القول بأنها مسطحة، يمكن قياس ذلك بما تم رصده وبالقدرة التفسيرية لهذا القول، ولا مانع بعدها من أن نحاول فهم أبعاد الشكل الكروي - أو شبه الكروي- بدقة أكبر..

كذلك الأخلاق هي قواعد وسلوكيات تضمن بقاء النوع وتحسن أحواله وسعادته؛ هذا الهدف محدد وثابت، وأما ما يتغير فهو وسائل تحقيقه، والتي تختلف على حسب ظروف المجتمع، ففي حالة الخطر مثلا نحتاج إلى الشجاعة والشدة بشكل خاص، بينما في حالات المن والرفاهة نحتاج إلى اللطف وتعايش بشكل أكبر..

وهكذا فالتطور أيضا صاعد، نحو مزيد من الأمن والرفاهة للبشر، وكلما تحسنت ظروف المجتمع كلما كنا أقدر على الإرتقاء بأخلاقنا بعيدا عن سلوك حيوانات الغابة، ونحو مزيد من الحرية والفردية والسلمية..

فالأخلاق السائدة في العالم المتقدم اليوم هي - قطعا- أفضل من أخلاق المغول أو الفايكنغ، يمكن قياس ذلك بأمان البشر وسعادتهم، ولا مانع بعدها من أن نحاول صقل أخلاق اليوم لتتحسن أكثر فأكثر..

هنا نلاحظ أن كلا من العلم والأخلاق له معايير قائمة في الطبيعة والظروف، لم يخترعها البشر بقدر ما هم يحاولون فهمها وتطويعها، وفي هذا الإطار لا يجب الحديث عن أنواع من العلوم وأنواع من الأخلاق، فهي ليست مسألة أمزجة وأهواء، بقدر ما هي مسألة قدرة ومراحل تطورية..

ولا شك أن العاملين مرتبطان يغذي أحدهما الآخر ، فكلما ازدادت علومنا كلما كنا أكثر قدرة على إدارة حياتنا، وبالتالي صرنا أكثر قدرة على توسيع دائرة ممارستنا للمحبة والسلام والحرية، فتتطور أخلاقنا..

هذا مسعى حقيقي وملموس ومتصاعد، وليس دورانا عبثيا في دائرة مفرغة من العشوائية، كما توحي كلمات مثل "النسبية" و"التغير"..

بل ولعله المسعى الأرقى والأجدر باهتمامنا، وهو ما يجعلنا بشرا..

السبت، 20 يوليو 2019

طبقات الدين



منذ أكثر من ألف سنة قبل الميلاد، كان هناك معبد للإله الآرامي حدد في دمشق بسوريا..

وحين غزا الرومان المدينة أعادوا تصميم المبنى ليصبح معبدا للإله جوبيتر..

وفي أواخر القرن الرابع تم تحويل المعبد إلى كاتدرائية مسيحية كبيرة..

وبعد الغزو العربي تم تهديم الكاتدرائية لتصبح المسجد الأموي الشهير بدمشق..

---------------------
أوزير - يس (أوزير)، هو إله مصري مات وقام من الموت..

لازار - وس (لعازر)، هو الرجل الذي أقامه يسوع من الموت بالأناجيل..

عزرا - ئيل، هو ملاك الموت في التراث اليهودي والإسلامي..

---------------------
في مصر القديمة كان يتم الإحتفال سنويا بأول الربيع، شمو، بداية موسم الحصاد الذي يمثل عودة الأرض إلى الحياة..

وفي إيران منذ آلاف السنين كان يتم الإحتفال بعيد النيروز، بداية العام في يوم الإنقلاب الربيعي، حيث يتساوى الليل والنهار..

وفي إسرائيل تم الإحتفال بنفس الأيام الربيعية، عيد الفصح، بعد أن تم ربطها بخروج الشعب من مصر..

ويحتفل المسيحيون بنفس التاريخ، لأنه يحدد موعد قيامة يسوع من الموت وعودته إلى الحياة..

---------------------
لاماسو أو شدو أو غريفن، هو كائن أسطوري بأجنحة وجسد ثور أو أسد، وأحيانا وجه إنسان، في الحضارات الأشورية والحثية واليونانية، أحيانا كان يتم وضع تماثيله على مداخل المعابد لحراستها..

القروب في اليهودية، هي كائنات ملائكية لها أجنحة وأجساد حيوانات ووجه إنسان، وتقوم على حراسة الجنة أو حمل العرش الإلهي..

البراق في الإسلام، هو شبه حمار حمل محمد في رحلة المعراج، ويصور ببعض الرسومات بأجنحة ووجه إنسان..

---------------------
الأديان مثل الكائنات: تولد وتكبر وتتصارع وأحيانا تموت، وهي لا تنشأ فجأة ولا تهبط من السماء وحيا، وإنما هي جزء من حلقات التراث الإنساني المتصلة، فهي تخرج من الأرض ببطء وتدرج وتتفاعل وأحيانا يأكل بعضها بعضها، ولكن المهزوم - مثل جسد الكائن- لا يفنى، وإنما يتم هضمه حتى يصير جزءا من جسد الآكل..

هكذا  فالمؤمن الإبراهيمي الموحد، حين يتلو لفظة آمون بالصلاة، أو يتضرع للإله الجالس على عرشه، المحاط بأعوان مجنحين هم في الأصل آلهة سابقة، أو يحذر العصاة من الهلاك في وادي هنوم الواقع بالقدس، فإنه لا يفعل سوى ترديد الجزء الصغير جدا من التراث الديني الذي وصله، والذي هو قمة جبل الجليد الوثني الكامن تحت أنقاض أديان تسمى نفسها سماوية..

المقامة الرجولية



يُحكى في أحد بلاد العربان، الزاخرة بالمجد والعنفوان، أن المواطنين الشرفاء الغيورين، قد أمسكوا يوما بصبي وفتاة من الشياطين، بالجرم متلبسين، إذ كانا في الشارع واقفين، وبكل شوق وحنين، لبعضهما محتضنين!

وكانت فضيحة مدوية، حيث انقضت عليهما الجماهير الأبية، الرافضة للعري والإباحية، وقيدوهما بثبات، وانهالوا عليهما بالضرب والصفعات، وألقوا عليهما الوعيد والتهديدات، والشتائم واللعنات، لأفراد الأسرة الأحياء منهم والأموات، جزاءا وفاقا لجميع العشاق الملاعين، الذين يتصورون أننا شعب من الديوثين، الخالين من المروءة والدين.. مالهم كيف يحكمون؟ أفبعذابنا يستعجلون؟

واختلفت الآراء، فيما يجب اتخاذه من إجراء: بين صقور يرون وجوب قتل الفاسقين، أعداء الحق والدين، انتقاما للفضيلة، وحفاظا على شرف القبيلة، وبين وسطي يريد جلد مرتكبي القبيحة، تخلصا من عار الفضيحة، فالجلد هو عقوبة الجناة، كما نجده في شرع الله، وأما عن فريق الحمائم، فقد رأى الإكتفاء بإبلاغ ولاة الأمر أصحاب اللحى والعمائم، ليقوموا هم بالتصرف الملائم..

ولكن مع استمرار التحقيقات الميدانية الشديدة، ظهرت بالقضية حقائق جديدة، حيث بدأ الشاب الكلام بروية، مفجرا مفاجأة مدوية، فقد حرك بالحديث شفتاه، معترفا بأنه لا يعرف الفتاة، ولا تربطهما أي علاقة، سواء حب أو حتى صداقة!، وإنما القصة وما بها، أنه كان يتحرش بها، وذلك بدون سابق معرفة، وهو نادم على تلك الفعلة المقرفة..

وهنا هدأت الأجواء، وتنفس المواطنون الصعداء، حيث لم تعد المسألة جريمة زنا نكراء، تستحق إسالة الدماء، وإنما هي مجرد اعتداء، من ذكر على إحدى النساء، ومن منا لا يرتكب الأخطاء؟

وكانت نهاية المأساة، بأن تم تأنيب الفتاة، على ارتدائها ملابس ذات طابع جريء، كفيلة بأن تفتن شبابنا البريء، وتم تذكيرها بضرورة الحجاب، تجنبا للعذاب، في يوم الحساب، وبعدها تم إطلاق سراح الشاب، مع الإعتذار على ما سببوه له من اضطراب..

ورجع المواطنون إلى حياتهم العادية، وهم يفتلون شواربهم الرجولية، مرتاحين الضمير، حامدين ربهم على أن بلادهم الشريفة ما تزال بخير..

الإله دمية محمد



لا تملك إلا أن تعجب بأسلوب تعاطي محمد بين الوحي والبشرية، وكيف يتبدل كالزئبق بين حالة المتكلم بإسم الإله، وحالة البشر المسكين المغلوب على أمره.. وكأنه الرجل الأخضر (هلك) أو دكتور جيكل ومستر هايد..

حين يزعجوه تجده يتوعدهم بإسم الإله الجبار : سأدمركم بصاعقة وأسقط السماء عليكم كسفا أيها الكفار الملاعين..

حين يتحدوه  - إن كنت رجلا فافعلها - يتحول إلى بشر مغمغا: سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا؟

حين يحاول إثبات رسالته يتفاخر - بلسان الإله - بأنه خلق الكون في ستة أيام وكان عرشه على الماء وهو يرزقكم ويحاسبكم يا حشرات..

حين يطالبوه بآية يتحول - بسرعة البرق- إلى بشر مسكين، يقول إنما الآيات عند الله يا شباب وما أنا إلا نذير متواضع الحال..

حين يشرع في إغراء الجنود يعدهم - في صوت إلهي مطمئن -  أن من ينصر الله ينصره، وأن الله يدافع عن الذين آمنوا..

وحين تخرب الخطط يعود إلى لعب دور البشر البائس، ويقول لهم لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الغيب وما مسني السوء..

حين يريد النكاح يختفي محمد ويظهر خالق الكون، يترك المجرات وينزل من على عرشه، ويذهب ليخطب فلانة وعلانة إلى رسوله..

وحين يظلم زوجاته يختفي العدل الإلهي ويظهر محمد البشر يدعو ربه - وبراءة الأطفال في عينيه- أن لا تحاسبني فيما لا أملك..

حين يريد الخلاص من أصحابه اللحوحين الذين يقتحمون بيته أو ينادونه من النافذة وهو ينكح زوجاته، يكلمهم بإسم الإله، الذي ينظم الشئون المنزلية لرسوله..


البعض يمتدح تواضع محمد ويسأل بكل سذاجة: ألا يكفيه أنه اعترف ببشريته، ولم يدعي الألوهية مثلا؟

على أساس أن أحدا كان سيصدق أنه إله؟ وعلى أساس أن بشريته كانت موضع شك ، وهو يخطئ ويصاب في المعارك وينكح ويشتهي وتتآمر عليه زوجاته ليل نهار؟

لقد ربح بنبوته ما لم يكن يربحه عن طريق الألوهية، ولهذا فقد احتفظ بالإله كورقة تخرج في الوقت المناسب، وتختفي في الوقت المناسب..

لا تملك إلا أن تعجب به وهو يحول خالق الكون إلى مأذون وقواد ومديرة منزل وحارس شخصي..