من أشهر الحيل المنطقية التي يستخدمها الفكر الديني هي ما يمكن أن نسميه "المسار الإجباري"..
تصور أنني قلت لك أن "(ب) صحيحة بدليل أن (أ) صحيحة"..
الآن، لكي نتأكد من صحة المقولة، لا يكفينا أن تكون (أ) قادرة على أن تؤدي
إلى (ب)، وإنما يجب أن تكون (أ) مؤدية حتما إلى (ب) دون وجود احتمالات
أخرى..
وأما لو كانت (أ) تحتمل
مسارات متعددة حيث يمكن أن تؤدي إلى (ب) أو إلى (ج) أو إلى (د) أو إلى
(هـ)..إلخ، فهذا كفيل بأن يجعل العبارة الأولى عاطلة منطقيا، لأن الإستنتاج
المذكور ليس هو الإستنتاج المحتمل الوحيد هنا..
لنأخذ مثالا : لو
كنا نجلس في غرفة وقلت لك أن هناك أسد خارج الباب، ثم سمعنا صوت جسم يصدم
الباب فعلا، فهل هذا الصوت يعتبر دليلا على أن الأسد موجود هنا؟
منطقيا لا، وإنما يدل على أن الأسد "يمكن أن يكون موجودا، وأنه هو مصدر
الصوت"، ولكن الحقيقة أن العديد من الأشياء يمكنها أن تؤدي إلى هذا الصوت،
منها أن يكون إنسانا أو ذئبا أو طائرا أو حتى فرع شجرة..إلخ، أو قد يكون
أسدا، أي أن المسألة تظل احتمالية إلى حين ظهور حقائق أخرى ترجح هذا
الإحتمال أو ذاك..
ولكن واقعيا، لو أنني أخبرتك عن وجود الأسد، ثم
سمعنا الصوت، فالأرجح أنك ستصدق كلامي، لسبب بسيط هو أنك لم تضع
الإحتمالات الأخرى في حسابك، أي أنني نجحت في توجيه تفكيرك ,وحصره في اتجاه
معين..
ولو أنني في مركز سلطة أعلى منك، ولو أنني نجحت في
استمالتك عاطفيا، ولو أن تصديق وجود الأسد يشبع نزعات نفسية بداخلك، ولو أن
الإدعاء تكرر على مسامعك منذ الطفولة، ولو أنني نجحت في قمع أي احتمالات
أخرى وإسكاتها، فإن هذا كله كفيل بأن يجعل تصديقك لي أسهل وأسرع..
وهذا - باختصار - ما يفعله الفكر الديني: يطرح قضيته بتسلسل محدد قد يبدو
منطقيا لأول وهلة، فقط لأن المسار المذكور مفروض علينا فرضا، وأما
الإحتمالات الأخرى فهي غائبة إما بسبب غموض القضية أو بسبب القمع التراثي
الديني..
ولإدراك خلل تلك السلسلة يكفي أن نتذكر أن المؤمن لديه
نتيجة جاهزة مسبقا، وهو مصرّ على أن يصل إليها، وبالتالي فهو يحدد لك أن
(أ) حتما تؤدي إلى (ب)، (الصوت حتما يعني أن هناك أسد بالباب)..
ولإسقاط تلك الحجة لا يلزمنا أن نثبت أن (أ) يستحيل أن تؤدي إلى (ب)، فمن
الوارد أن تؤدي إليها، ولكن يكفينا أن نثبت أن (أ) يمكن أن تؤدي إلى عشرات
النتائج الأخرى جوار (ب)، مما يعني ببساطة أن صحة (أ) لا يعني بالضرورة صحة
(ب)..
لنتذكر تلك الأمثلة من الخطاب الديني:
الكون لابد أن له بداية، وبالتالي فهو مخلوق، والخالق هو إله واحد مطلق عظيم حكيم عادل رحيم..
هذا النبي قام بمعجزة، مما يدل أنه جاء بوحي من الله..
لقد دعوت بشيء وتحقق، مما يدل ان الله استجاب لي..
هناك ظاهرة خارقة حصلت، وبالتالي فلابد أن عالم الغيب موجود وبالتالي الله موجود..
..إلخ،
هذه مقدمات ونتائج، لا تبدو بالضرورة خاطئة، فالعقل قد يتصور حدوثها جميعا بالشكل الموصوف..
فأين الخطأ إذن؟
الخطأ - كما أوضحنا- في إهمال الإحتمالات الأخرى الواردة، وحصر العقل فقط في السيناريو الديني المقدم إلينا..
ولنعيد النظر في العبارات السابقة:
الكون لابد أن له بداية، وبالتالي فربما هو نابع من أكوان أخرى، وربما هو
مخلوق بواسطة كائنات تعيش في بعد آخر، ربما تجري علينا تجارب، وربما الكون
مخلوق بواسطة آلالهة وثنية عديدة متفقة أو متصارعة، وربما إله واحد ناقص
أحمق شرير ظالم يتسلى بنا، وربما إله لامبالي خلقنا ونسينا، وربما إله عظيم
لكنه مات، وربما الكون نفسه كائن حي.. ونعم ربما هو الله الذي تعرفه، لكنه
ليس الإحتمال الوحيد بحال من الأحوال..
وبالمناسبة فالإحتمالات
الأخرى ليست من اختراعي، وإنما هي واردة في أديان أخرى في الهند وفارس وحتى
في بعض قصص الخيال العلمي، ومن الناحية النظرية فكلها واردة بنفس القدر..
كذلك، هذا الشخص قام بمعجزة، فربما هو ساحر وربما دجال وربما هو عفريت من
الجن، وربما هو كائن فضائي، وربما جاءنا من المستقبل المتقدم، وربما هو
المسيح الدجال.. ونعم، ربما هو نبي مرسل، لكنه ليس الإحتمال الوحيد..
وبالمناسبة فالإحتمالات الأخرى واردة في نصوص دينية عديدة، حيث نجد السحر والشعوذة والقدرات الشيطانية المختلفة..
كذلك، لقد دعوت بشيء ما وتحقق، فربما هي مصادفة، وربما حققتها لك كائنات
فضائية تراقبنا وتحبك، وربما حققها لك الشيطان ليقودك إلى طريق ضلال يعده
لك.. ونعم ربما الله استجاب، لكنه ليس الإحتمال الوحيد..
كذلك،
هناك ظاهرة خارقة حصلت، فربما هي ليست خارقة وإنما معرفتك هي القاصرة،
وربما هي خارقة ووقعت بفعل ساحر أو شيطان أو كائنات فضائية.. ونعم، ربما من
الله، لكنه ليس الإحتمال الوحيد..
وهكذا فالفكر الديني حتى لو
سلمنا بأنه منطقي فهو يحاول فرض مساره المنطقي الأوحد عليك وإهمال
الإحتمالات المنطقية الأخرى، ولكي تسقط هذا الفكر فأنت لا تحتاج إلى إثبات
خطأه، وإنما فقط إلى إثبات أن الإحتمالات- بالحقيقة- هي بالعشرات والمئات،
وطالما أننا نتحدث في قضايا غيبية فلا توجد وسيلة لترجيح احتمال على
الآخر..
المؤمن لا يرى ذلك، ربما لأنه مشغول جدا بالنتيجة التي
يريد - بكل حرارة- الوصول إليها، والتي رسخت في ذهنه لأسباب وراثية وعاطفية
لا منطقية، ولهذا فهو لا يدقق في التسلسل المنطقي أو في الإحتمالات
الواردة المختلفة لما يطرحه..
والخطوة الأولى لحل تلك الإشكالية
هي الخروج من النظرة الإبراهيمية الضيقة، والتي يتصور بعضنا أنها الإحتمال
الوحيد لتفسير الوجود، ولننظر إلى السيناريوهات الأخرى الوافرة في التراث
الإنساني، مثل الأديان البدائية والوثنية والغنوصية والفلسفات الروحانية
والمادية، لا لكي نصدقها بالضرورة، وإنما لكي ندرك أن الخيال الإنساني قد
أفرز تفسيرات عديدة لظواهر الطبيعة، وأن العالم أوسع كثيرا من رب اليهود
وعقيدتهم..
وفقط من ذلك المنظور الواسع نكون قادرين على تقييم الأفكار الدينية المطروحة أمامنا..
الأديان تحدثت عن كائنات تدعى آلهة، فظهر من ينكر قداسة الأديان وظل على
إيمانه بالآلهة\الإله فهو ربوبي، كما ظهر من ينكر وجود الآلهة أصلا فهو
لاربوبي\ملحد..
إلى هنا والأمور واضحة، إلا أنه جاءنا من يقترح بأن القضية غير قابلة للحسم سلبا أو إيجابا، فهو لاأدري..
هذا تعبير عجيب نوعا ما، وأتصور أنه سيبدو مدهشا لو استخدمناه في مجالات
أخرى: مثل الجدل القديم بين الرأسمالية والإشتراكية، فتخيل أن يقول أحدهم
أنه لا يدري أي النظامين أفضل، أو أن المسألة معقدة جدا - هذا وارد، ولكن
تخيل أن يتم خلق تصنيف ثالث يعتمد على هذا الشخص الذي لا يدري الرأسمالية
أنسب أم الإشتراكية: فيصبح لدينا لاأدرية اقتصادية..
أو خذ هذا
السؤال الذي يطرح مؤخرا عن أيهما أفضل للمجتمعات: الثورة أم الإصلاح؟
والحقيقة أنني شخصيا صرت أميل إلى الموقف اللاأدري، فيبدو أن المتغيرات
كثيرة جدا بين مجتمع وآخر، يشكل لا يمكنك من الخروج بنتيجة حاسمة أبيض
وأسود، ولكني لا أتصور أن أطلق على نفسي لاأدري سياسي..
على كل حال فاللاأدرية صارت شائعة ومقبولة، وما كدنا نستوعبها حتى جاءنا مولود رابع، وهو اللاإكتراثية..
صاحبنا هذا - يقولون- لا يؤمن بوجود الله، ولا يؤمن بعدم وجود الله، وهو
أيضا لا يقف على الحياد بين الرأيين، وإنما هو لا يهتم أصلا بالقضية..
هو حر طبعا، ولكن أن يصبح هذا اللاإهتمام تصنيف جديد يضاف للقائمة - أليس هذا غريبا بعض الشيء؟
منذ متى صارت "لا تفرق معي" هي موقف بحد ذاته من قضية ما؟
فلو أنك سألت أحدهم عن رأيه في تفضيل الرأسمالية والإشتراكية، فقال لك: حل
عن راسي، فهذه المسألة لا تهمني ولن تغير شيئا بحياتي، فهنا سوف تبتسم
بوجهه قائلا: أها أنت لديك موقف فلسفي عميق من المسألة، وهو أنك لا تهتم..
ووجه الغرابة هنا أننا بالحقيقة لا نتحدث عن موقف فكري وإنما شعور نفسي
باللامبالاة تجاه القضية، وهو شعور قد يكون مفهوم ومبرر، ولكن هل هذا يكفي
لأن نصنفه بشكل فلسفي؟
فلماذا إذن لا نضيف إلى القائمة "المزاجي"،
فهذا شخص لا مؤمن ولا ملحد ولا لاأدري ولا لاإكتراثي، فلو سألته إن كان
يؤمن بالله أم لا فسيجيبك أنه أحيانا يهتم بالمسألة، وأحيانا يراها تافهة،
فهو متقلب بين الإثنين..
ويمكن أن نضيف أيضا تصنيف "المستمتع" وهو
شخص يستمتع بنقاش قضية وجود الله، وكذلك "الضاحك" وهو شخص كلما سمع سؤال:
هل الله موجود؟ ابتسم ضاحكا في سخرية وسعادة..
عذرا على الأمثلة
المتبذلة، ولكن المقصد أن الشعور النفسي تجاه قضية ما، لا يستدعي برأيي
تصنيفا.. لأن المشاعر مسألة متغيرة لا يمكن تحديدها، فالحقيقة أن كلنا ما
بين الإكتراث واللاإكتراث بشأن جميع القضايا، والفارق هو في الدرجة أو
الوقت الذي نوليه للمسألة في مراحل عمرية مختلفة..
ولا أعرف ما هي
درجة اللامبالاة التي تجعلني أصنف ضمن اللاإكتراثيين، فهل لو فكرت بالدين
أو كتبت منشورا عن الدين كل أسبوع فقد صرت مهتما؟ ماذا عن شخص يكتب كل سنة؟
ماذا عن شخص لا يفكر بالموضوع ولا يناقشه إلا لو سئل عنه، هل هذا
لاإكتراثي أم لا؟ لا جواب لأن المسألة مطاطة شخصية جدا..
والأهم
أن هذا الشعور- بعدم الإهتمام- لا يتعارض بالضرورة مع الموقف الفكري، فأكثر
الملحدين لا يهتمون بالأديان وبالتالي يصح تصنيفهم كلااكتراثيين (ولعلنا
لا نرى سوى نسبة قليلة منهم وهم الناشطون دينيا بوسائل التواصل الإجتماعي،
وأما الغالبية فلا تفعل)..
بل يمكنني القول أن النسبة الغالبة من
العوام المؤمنين بالأديان ينطبق عليهم تعريف اللاإكتراثي، فهذا الشخص ربما
لا يقرأ ولا يناقش ولا يفكر، وقد لا يمارس الطقوس إلا حسب العرف والعادة
والتقليد، ولكنه لا يهتم بالقضية بالمعنى البحثي أو الجدلي..
أما
لو تناولنا الجانب الفكري: أن اللاإكتراثي هو شخص يرى أن تلك القضية لا
تؤثر في حياتنا، فلا أدري كيف توصل إلى هذا الإستنتاج؟ فلو فرضنا أن إله
الأديان حقيقي، فمن يجرؤ على القول أن هذا لا يهم؟ يا أخي نتحدث عن كائن
سيحرقك بالنار إن لم تؤمن به، وبالتالي في حالة وجوده فهذا شأن خطير ينبغي
علينا جميعا التفاعل معه، وفي حالة عدم وجوده فقد صرنا ملحدين، أي أنك
اضطررت للإكتراث ولو قليلا لتفكر وتناقش هذا الطرح ثم تتحرر منه..
أما بعد، فالأديان جزء أساسي من التراث الإنساني الماضي والحاضر، تؤثر في
حياتنا بدرجات متفاوتة شئنا أم أبينا، وإن كان كل صاحب عقل لن يخضع حياته
لتلك التعاليم، فبنفس الوقت فإن كل مثقف مضطر لأن يعرف شيئا عنها، وأما
الذي لا يهتم كثيرا بها فهذا حقه، كما أن ليس الجميع يهتم بالسياسة أو
الموسيقى أو الأدب، فالأذواق والإهتمامات تختلف، ولكن لا أرى أي داعي
لتصنيف الأذواق وكأنها مواقف فلسفية..

هل هناك حقيقة مطلقة أم كل الأمور نسبية؟
وإن كانت عقولنا نتاج التطور العشوائي فكيف يمكننا أن نثق بدقتها؟
وهل المنهج العلمي نفسه نتائجه يقينية، أم هي أيضا قابلة للشك؟
ماذا عن السرديات التاريخية الإنسانية، هل تمثل حقائق، أم كلها تكهنات لا يمكن إثباتها؟
وعن قضية الألوهية: كيف يجرؤ الملحد على نفي وجود الإله بلا دليل؟ ألا
يجعله ذلك بمثابة الوجه الآخر للمؤمن المتعصب؟ وأليست اللاأدرية الحيادية
هي الموقف الأكثر حكمة هنا؟
تلك أسئلة تطرح، وما يجمع بينها هو
الموقف من اليقين، والذي يتباين فيه الناس ما بين يمين الثقة المصدقة، وما
بين يسار الشك الكامل بكل شيء..
يميل أصحاب العقول الفلسفية إلى
الشك، فيقللون من إمكانية المعرفة ويحلو لهم التأكيد على أن كل شيء نسبي
متغير، فالبشر عقولهم وحواسهم وقدراتهم محدودة ناقصة يمكن أن تتوهم وتخدعهم
بسهولة، ونحن مسجونون تماما داخل تلك العقول والحواس، ولا أمل في اليقين
هنا، وبالتالي فالفلاسفة والمتفلسفون يميلون دائما إلى اللاأدرية، ويرون
التأكد وكأنه حماقة أو قصور نظر..
هذه وجهة نظر مفهومة، ولكنها تفتح الباب لمزيد من الأسئلة غير المريحة:
فإن كان كل شيء نسبي، فما الفارق بين الجاهل والعالم؟ وبتلك الحالة ما
فائدة محاولة التفكير والبحث أصلا، إن كان أي علم سأصل إليه لا يختلف كثيرا
عن الجهل الذي بدأت منه؟ وإن كنت سألتزم اللاأدرية تجاه قضية معينة، مثل
وجود الإله، فما الذي يمنع أن ألتزم اللاأدرية تجاه وجود زيوس وآمون رع
وكريشنا وبعل ومثرا، بالإضافة إلى العفاريت والسنافر والغيلان، والذين لا
يمكن نفي وجودهم قطعا؟ بل ولماذا لا نلتزم اللاأدرية تجاه قضية وجود الكون
والبشر أنفسهم، والذين لا يمكن إثبات وجودهم يقينا؟
وإن قلنا أن
المعرفة تساوي الجهل، ملتزمين اللاأدرية المطلقة والمحايدة تجاه كل شيء،
فكيف يمكننا أن نتخذ قرارات حياتنا؟ ولنأخذ مثالا: إن أصبت بمرض، فهل أذهب
إلى الطبيب أم إلى الساحر؟ حسب العقلية النسبية فلا فرق، إذ كلاهما يمتلك
معرفة نسبية قاصرة متغيرة غير يقينية..
هذا السؤال الأخير
يقودني إلى الموقف المناسب من تلك القضية، وهو التفرقة بين اليقين النظري
والثقة العملية، مع نبذ المفهوم الأول باعتباره سفسطة فارغة، وتبني الثاني
بالأساس..
أما اليقين الذي يبحث عنه الفلاسفة- وينفون وجوده-
فأعترف أنني لم أفهمه أبدا، فاليقين بمعناه المباشر هو شعور نفسي بالتأكد
والثقة داخل الجوارح، وفي تلك الحالة نسأل: هل اليقين له قيمة موضوعية حقا؟
ولو تذكرنا أن الشخص الجاهل المتعصب الأحمق مغسول الدماغ لديه من اليقين
بداخله أضعاف ما لدى الفيلسوف العالم المفكر الحكيم، فسنخرج باستنتاج أن
اليقين هو أشبه ببضاعة رخيصة، تنال أكثر مما تستحق من الإهتمام..
قد يقول قائل: ولكن ما يبحث عنه الفلاسفة- ويفتقدوه آسفين- ليس يقين
الجاهل المتعصب المخدوع هذا، وإنما يقين المعرفة الموضوعية القائمة على
أساس علمي حقيقي..
ونسألهم: كيف تتصورون أن يكون شكل هذا
اليقين الموضوعي؟ كيف يأتي وما طبيعته؟ ولو قلنا - جدلا- أننا قد توصلنا
إلى معرفة يقينية كاملة بشيء ما، فكيف سنعلم أن هذا قد حدث؟
لنقرب
الفكرة بمثال جدلي: لنفترض وجود الإله، صاحب العلم الكامل المحيط، ولنسأل:
هل يمكن للإله نفسه أن يتأكد من أن معرفته كاملة يقينية بالفعل؟ هل يستطيع
الله إثبات أنه ليس هناك شيء يجهله مختبئا في مكان ما، خارج بصره وعلمه؟
الجواب أنه لن يمكنه ذلك أبدا، ليس لنقص في هذا الكائن المتخيل، وإنما
لغموض معنى اليقين والإثبات الكاملين، مما يوضح أن المسألة كلها سفسطائية
محضة, وأننا أمام كلمات مبهمة ليس لها معاني محددة تستحق النقاش..
وبسبب ما سبق لا أفضل وصف نفسي باللاأدري، فالكلمة لها جانب إيجابي أنها
توحي بتحري الدقة والنزاهة الفكرية، ولكن لها جانب سلبي خطير أنها توحي
بالحياد المائع ما بين العلم والجهل، فتقلل من قيمة المعرفة الإنسانية،
وترفع بالتالي من قيمة الخرافات..
وقضية الألوهية ليس لها خصوصية
عن أي قضية أخرى تحتمل تفسيرات غيبية، وإن كنت سأقف محايدا من الله والخلق،
فعلي أن أقف محايدا من قضية أن الشياطين تسبب المرض، أو أن زيوس يسبب
الصواعق، وحينها نكون أمام عبث يهدد البناء العقلي والعلمي كله..
وإن كان اليقين كله وهم، فالسؤال للاأدري يكون: لماذا تعرف نفسك فكريا من
خلال الوهم؟ وهل من المنطقي أن نحشر بكل كلامنا أننا غير متأكدين، أم أن
الأكثر حكمة هو تجاوز هذا الوهم لغويا، واستخدام الكلمات بشكل أكثر كفاءة
يهتم بالتفرقة ما بين الصواب والخطأ كلاهما على أرضية بشرية نسبية، دون أن
تضع الكل في سلة واحدة هي سلة عدم اليقين..
على الجانب الآخر
حين أصف نفسي كملحد فلا أقصد أنني قد تفحصت الوجود كله وتأكدت بنفسي من عدم
وجود الله أو زيوس أو بعل، هذا عبث، وإنما أقصد أنني أمتلك من المعرفة
الإنسانية ما يجعلني أختار أن أعيش حياتي على فرضية أن تلك الكائنات لا
وجود لها..
وهذا يرجعني إلى الثقة العملية التي أتحدث عنها، فهي
تستند إلى الأفعال والسلوكيات الواقعية التي تثبت نتيجة إيجابية، بعكس
اليقين النظري الذي ينتسب إلى الشعور النفسي والموضوعية الفلسفية
المتخيلة..
ولمن يسأل: كيف نثق بعقولنا وهي نتاج التطور؟ نقول:
ومن قال أننا يجب أن نثق بكل ما تنتجه عقولنا؟ فالعقول تنتج الصواب والخطأ
على السواء، ولكن ما نثق فيه هو المنهج الذي يستند - انتقائيا- إلى العقل
والتجربة الحسية، ويتفاعل مع الواقع ليعيد تصحيح نفسه باستمرار..
فأنا أصدق بالمنهج العلمي بشكل يجعلني أذهب إلى الطبيب لا إلى الساحر،
وأنت كذلك، لأن التجارب والخبرة الحسية المتاحة تجعلنا نرى نجاح هذا المنهج
وفشل الآخر، وهذا- حتما- لا يعني أن الطب علم إلهي كامل ثابت، وإنما هو
فقط أكثر نجاحا في معالجة البشر من المناهج الأخرى، وبالتالي أجدر بالثقة
العملية..
هذا النجاح بالطبع لم يأت مصادفة أو عبثا، وإنما بفضل
المنهج العلمي الذي يتعامل بشكل منظم تفاعلي مستمر مع الواقع، ولا يستند
على خيالات أو أمنيات أو سلطة أو وحي أو مشاعر داخلية..
ومن أهم
أدوات قياس نجاح المنهج هو قدرته على التوقع، فحين يقوم أينشتاين بحساباته
الرياضية ويستنتج وجود الثقب الأسود، ثم يتم اكتشاف هذا الثقب بعد سنوات
طويلة، فهذا لا يدل فقط على أن حسابات أينشتاين صحيحة، وإنما على أن المنهج
الرياضي والفيزيائي كله منهج "صحيح"، بالمعنى العملي..
فكلمات
مثل الحقيقة المطلقة واليقين الكامل هي بنظري كلمات ليس لها أي معنى
واقعي، وإنما المتاح أمامنا هو المناهج الناجحة التي تحقق توقعات صائبة
وتزيد من قدرات من يطبقها، وبالتالي تستحق الثقة العملية، خاصة إذا ما
قارناها بالمناهج الفاشلة، وبغض النظر عن أي سفسطات فلسفية، فإن كلنا ننزع
بالضرورة العملية إلى اللجوء إلى المناهج التي نعرف- بالتجربة المتكررة -
أنها تنجح، وهذا فقط هو ما يهم..

لدينا على ساحة الثقافة العربية عدد من المفكرين أو الباحثين، يطرحون أفكارهم التجديدية بشأن إصلاح الفكر الديني، عن طريق تنقيح التراث وإعادة تأويل النصوص المقدسة..
هؤلاء المفكرون - سنسميهم "المصلحون" تجاوزا- يمكن القول أنهم قدموا فوائد مهمة بناءة، كونهم أبرزوا بعض نقائص الخطاب السلفي التقليدي، وطرحوا أفكارا توافقية تصالح بين الدين والحداثة، وقدموا تأويلات نصية أقرب إلى العقلانية والأخلاق المعاصرة، فعملوا بذلك على مواجهة نزعات التطرف والتعصب والإنغلاق الديني، ثم إنهم عملوا على "دمقرطة" الدين، أي إظهار أن الجميع من حقه التفكر وفهم النص كما يشاء، مما يسحب البساط من تحت أقدام الكهنوت (أو الحاخامية) الرسمية الإسلامية، ويفتح بابا للعقلانية على غرار ما حدث في عصر الإصلاح الديني الأوروبي بداية من القرن السادس عشر..
ولكن على الجانب الآخر يمكن القول أن جهود المصلحين كان لها نتائج سلبية، تتراوح بين الفشل في مقاومة الفكر التقليدي الرسمي، وبين المساهمة في إعاقة التقدم الحقيقي وترسيخ نزعات الجهل والتخلف والتطرف..
تلك الأضرار - لو صحت- فهي بالطبع تبدو غير مقصودة، وأيضا غير مباشرة، وإنما يحتمل أن المصلحين حين يتكلمون بما يظنونه خير فإنهم يرسلون- بلا وعي- رسائل مبطنة تحمل أفكارا سلبية وأحيانا خطيرة - وهذا بلا تعميم على الجميع بطبيعة الحال..
----------------------------------
المصلحون يداهنون الدين..
فلكي يتمكنوا من انتقاد التراث، وبنفس الوقت يحافظوا على أمنهم الشخصي وسط المسلمين، ويحملوا المؤمن على تقبل كلامهم برحابة صدر، فإنهم يحرصون بإلحاح على توكيد إيمانهم بعظمة هذا الدين وأنه دين راقي يكرم الإنسان يحض على الأخلاق والقيم..إلخ.. تلك هي الرسالة الظاهرة وهي لا تبدو سيئة..
أما الرسالة الضمنية الضارة في تلك المهادنة فكأنها تقول: إن كان نقد التراث مباحا فإن نقد الإسلام نفسه مرفوض، وإن كان من يخالف الفقهاء يعتبر مصلحا، فإن من يخالف الإسلام نفسه يعتبر عدوا للحق والخير- وهذه رسالة سلبية تسيء إلى كل من هو غير مسلم، سواء كان على دين مخالف أو لادينيا..
البعض قد يدافع عن ذلك بالقول أن المصلحين يعملون في إطار الواقع الممكن، فهم مضطرون للمهادنة ليستمع لهم الناس، ولكن يمكن الرد على ذلك بأمرين: الأول أن المهادنة - كما يرى البعض- لا تخفف بالضرورة من حدة التطرف وإنما قد يكون العكس هو الصحيح، فتأكيد المصلح على عظمة الإسلام تجعل العوام أكثر تمسكا به، بينما لو سكت عن ذلك النفاق ربما يفتح الباب لمزيد من التنوير - أقول يسكت ولا أقول ينتقد صلب الدين فهذا شبه محال أحيانا، وأما الرد الثاني فهو أن هناك بالفعل تيارات علمانية صارت تنتقد الدين بشجاعة تؤتي بعض الثمار، مما يفند مسألة الإضطرار هذه..
----------------------------------
بدلا من الرفض التام للتطرف، نجد أن المصلحين يوافقون بعض الأفكار المتطرفة من حيث لا يشعرون..
توجد قاعدة منطقية تسمى مفهوم المخالفة، فحين أقول لك: لا تأكل طعاما دسما بالليل، فهذا يعني- ضمنيا- أنه يمكنك التهام الطعام الدسم نهارا، وهذا ما يفوت بعض المتكلمين، فمثلا حين يريدون انتقاد التشدد ممثلا في ظواهر التكفير والإرهاب، فإنهم يقولون- مثلا- أنه من الخطأ قتل المسيحي يا جماعة لأن المسيحي أصلا- بتأويلهم- ليس كافرا، بل إنه يؤمن بالله مثلنا، وهذا الكلام ظاهرة جيد وباطنه خطير لأنه يعني- بمفهوم المخالفة- أنه لا مانع من قتل شخص ملحد لا يؤمن بالإله..
فالمصلح أحيانا لكي يمرر أفكاره التنويرية فإنه قد ينزلق إلى تأييد الكثير من أفكار التطرف، بقصد أو بدون قصد..
----------------------------------
هم يمنحون قبلة الحياة للإسلام..
لو كنت ترى أن الإسلام هو المكون الرئيسي للفكر العربي، وأن هذا الدين راسخ ومستمر، فقد ترى حينها المصلح بطلا يجدد ذلك الفكر والتراث الشعبي، ولكن على الجانب الآخر فالبعض لا يرى أن الدين بذلك الرسوخ، بل يرى أن الإسلام اليوم في مأزق حقيقي، بعد صعود التيارات الإسلامية وسقوطها ومع انتشار البحث والنقد الحر السابح في فضاء الإنترنت ومع تصاعد المد اللاديني في بلادنا، بل ويرى أن العلمانية أمر واقع مفروض، ومقبول شعبيا، وأن المشروع الإسلامي لم يبق منه إلا لافتات على وشك الزوال، فحينها يكون المصلح أشبه بمسعف يحاول ترقيع الإسلام لينقذه من الفناء، وهذا - بنظر البعض- دور سلبي معوق للتنوير الحقيقي..
----------------------------------
المصلحون كذلك بدلا من الخروج من دائرة الفقه والفتاوى التراثية، فإنهم ينقلون الجدال إلى أرض المشايخ، ويلعبون بقواعدهم..
فتجدهم يغرقون المستمع في مستنقع الكتب الصفراء من المعاجم والتفاسير وأقوال فلان وعلان، لينتقوا ما يلائم أفكارهم الخاصة، وهم أحيانا يستخدمون نفس أدوات التراث لنقد التراث- هذا قد لا يبدو سيئا..
ولكن المشكلة في ذلك أنه ضمنيا يرسخ مبدأ الإحتكام إلى التراث الذي يزعمون التحرر منه، فتجد أحدهم يشكك في الروايات، ثم يثبت كلامه برواية، وهو منهج مهادن يمثل خضوعا غير مباشر للسلفية، وترسيخا للسفسطائية والجدالات البيزنطية الدينية التفصيلية التافهة والمضيعة للوقت، كما أنه منهج زئبقي انتقائي يصفه الخصوم بالتضارب والهوائية، ويجعل كل مصلح جزيرة منفصلة، يرتبط مشروعه بشخصه ولا يمكن أن يستمر بعده..
----------------------------------
ثم إن المصلحين يضربون العلمانية في مقتل..
حين يقدمون تأويلاتهم الخاصة- التي تحمل بعض العقلانية والإنسانية- للنص الديني، فإن الرسالة الظاهرة الإيجابية هنا هي إصلاح الدين، ولكن هناك رسالة ضمنية سلبية خطيرة، ألا وهي أننا يجب أن نحكم الدين في حياتنا..
فالمصلح هنا يقبل ضمنيا فرضية أن الفكر الديني هو المكون الرئيسي للقانون والمجتمع، ومن ثم لا مانع من تطبيقه، بشرط أن يكون ذلك بتأويل المصلحين الراقي، ولكن المشكلة في ذلك الطرح أن البعض لا يقبل تطبيق الدين عليه أصلا، خاصة العلمانيين أو أصحاب الطوائف الأخرى، والذين لا يريدون دولة مسلمة متسامحة، وإنما يريدون دولة علمانية لا دور للدين فيها..
----------------------------------
أما البديل المقترح فهو أن يمارس المصلح نقد التراث والتاريخ الديني في مجمله، بشكل متوازن يجمع ما بين مراعاة الخطوط الحمراء الخاصة بأمن المصلح الشخصي، والإمتناع عن محاولة زخرفة النقد بالمهادنة والنفاق للدين، وأن يكون النقد كذلك بدون المبالغة في الخوض في جدالات بيزنطية تفصيلية تستخدم نفس أدوات السلف وتنقل الجدال إلى أرضهم، وأن يكون التركيز الإصلاحي الأكبر على ترسيخ قيم الإنسانية والعقلانية، والتي- ليدعوا كذبا - لا تخالف جوهر الأديان، وبالتالي يكون المطلوب هو تحكيم القيم الإنسانية بصيغتها المعاصرة مثل الديمقراطية والليبرالية والمساواة والعلمانية وحكم القانون وفصل السلطات، مع تنحية التراث كله والتأويلات والنصوص المقدسة عن الحياة العامة، لتصبح شأنا شخصيا..

كثير من النكات على الطريقة الغربية تبدأ برجل يدخل إلى بار ثم يحدث الموقف.. والآن، يحكى أن ملحدا ونسويا ونباتيا ومناصرا للبيئة دخلوا معا إلى بار، كيف عرفنا أنهم كذلك؟ لأنهم بعد ثواني أخبروا الجميع بأنفسهم..
كنت أتساءل لماذا البعض يكره تلك الفئات الأربعة كالجحيم، رغم أنهم - بالعادة- ينطلقون من فلسفات إنسانية راقية، كما أنهم - بالعادة- لا يؤذون أحدا، فلماذا الغضب منهم؟
لو كنت منحازا لصالح الملحدين أو النسويين أو النباتيين أو أنصار البيئة فقد تقول أن الجواب يكمن في المنطلقات الإنسانية ذاتها، فأولئك الأشخاص يذكرون البعض بأنه مايزال يتبنى أفكارا وممارسات سيئة (خرافية أو افتراسية أو ذكورية أو تلويثية) ولهذا يكرههم الناس بلا وعي..
ولو كنت منحازا ضد تلك الفئات فستقول أن السبب يكمن في النكتة المذكورة، والمغزى باختصار أن أولئك الأشخاص- بالعادة- يحملون انتماءاتهم كلافتة مزعجة يحشرونها في آذان كل من يقابلهم..
التعصب يصعب تعريفه بدقة، ولكنه بنظري يحمل سمات معينة، منها أن صاحبنا يحمل أفكارا راديكالية صدامية، وغالبا تكون أفكارا جماعية لا فردية، أي أنه يعبر عن فئة ينتمي لها ويدافع عنها، سواء كانت بلدا أو دينا أو حتى نادي كروي، وهو غير مستعد للنقاش برحابة صدر، وفي أسوأ الأحوال هو راغب في التدخل في حياة المخالفين أو إجبارهم على نمط حياة معين..
ولكن لا يشترط أن التعصب يكمن في الفكرة ذاتها، فقد تكون الفكرة جيدة ولكن التعصب يكون في ممارسة التعامل مع تلك الفكرة، فبعيدا عن التطرف الراديكالي الخطر نجد أن من أهم سمات التعصب في الحياة اليومية أن تتبنى فكرة معينة بكل حماس- بل هوس- وتصر على حملها معك ورفعها في وجه الناس في كل وقت، بغض النظر عن الظروف والسياق ومدى تقبل الآخرين للنقاش أصلا - وهو أمر سخيف فعلا مهما كانت الفكرة ذاتها صحيحة وإنسانية..
لو صادفت هذا النمط فستتذكر كم هو مزعج كالوباء، الذي يؤمن بدين أو أيديولوجية أو فلسفة جماعية، أو حتى فكرة فردية تفصيلية محددة تتعلق - مثلا- بضرورة تخفيض جمارك السيارات، فتجده لا يكاد يتحدث إلا عن فكرته، فيقدمها بشكل أحادي ويصر على حشرها بكل موضوع أيا كان، فلو كان الحديث يدور حول التكنولوجيا فسيقول الأخ أن من أروع المخترعات على الأرض هي السيارات التي ينبغي خفض جماركها، ولو ذكر أحدهم كثرة تكاليف الزواج فسيقول هو أنه يمكن توفير المال للزواج لو تم تخفيض جمارك السيارات، ولو تكلم أحدهم عن الديانة البوذية فسيقول صاحبنا أن البوذية تدعو إلى التصالح مع النفس وهو أمر مستحيل الوصول إليه مع التوتر الذي يصيبنا الإرتفاعات الفاحشة في الجمارك، ولو كان النقاش حول سورة يوسف بالقرآن فسيتطرق فورا إلى الآية التي تقول "وجاءت سيارة"، مما سيذكره بالجمارك..إلخ..
ولتجنب ذلك ربما ينبغي أن نرفع السعادة والعلاقات الإنسانية فوق الأفكار والعقائد، وأن نتذكر أن أروع ما في الحياة أننا- غالبا- بشر عاديون، فلسنا قادة سياسيين ولا وكلاء مبيعات ولا روبوتات مبرمجة، لحسن الحظ..

سؤال يتكرر كثيرا بالمنتديات اللادينية، مفاده أنني (الناشر) أحب فتاة مؤمنة أنوي الإرتباط بها، فهل أصارحها بأنني لاديني أم لا؟
كلما قرأت السؤال (بصيغته السابقة والمعاكسة : فتاة ملحدة وشاب مؤمن) قفزت إلى ذهني عشرات الأسئلة متفرعة عنه، يليق بكل إنسان أن يسألها بذهنه، ومن خلالها يرسم لنفسه جواب سؤاله:
هل هو شيء صحي أن أبدأ حياتي بكذبة؟ وألا يقلل ذلك من احترامي لذاتي وراحة ضميري، كما يعتبر خداعا للشريك وانتقاصا من حقوقه؟
ولكن، هل الإخفاء يعد كذبا؟ وهل أنا ملزم بمصارحة الشريك بكل فكرة تدور بعقلي، حتى لو كان سينتج عنها الضرر؟ وأليست الحكمة مطلوبة أحيانا لكي تسير الحياة؟
ولكن، إن كانت تلك الحجج الأخيرة تنفع في حالة مؤمن ترك الدين وهو بالفعل متزوج وربما لديه أولاد، فيخشى أن المصارحة قد تكون سببا في هدم الأسرة، وهنا قد نقول أنه مضطر للكذب، فماذا عن حالة شخص لاديني مازال على البر لم يتزوج بعد، فهل هناك اضطرار في الأمر؟ أليست المصارحة في تلك الحالة أولى، لأن ضرر الفراق هنا قد يكون أقل وطأة من ضرر الخداع والكذب واحتمال انكشاف الأمر لاحقا؟
ثم: لأضع نفسي مكان الشريك الآخر، هل أقبل أن يقدم لي نفسه في صيغة كاذبة أو يخفي عني جزءا من حياته حتى مع وجود حسن النوايا؟ ولو حدث هذا فهل سأعذره وأعتبر موقفه أخلاقيا؟ وهل سأستطيع الثقة به بعد ذلك؟ وهل يجب أن أقبل لنفسي ما لا أقبله من الطرف الآخر؟
ولكن، هل الدين مسألة بتلك الأهمية؟ هل نرتبط لندخل في جدالات ومناظرات فلسفية، أو لنؤسس حركات وأحزاب أيديولوجية، أم أن الحياة بالأساس تبنى على التوافق والود والمحبة وعشرات العناصر الأخرى التي قد لا يكون التدين من بينها؟
ولكن، أليست الأفكار والأيديولوجيات جزء أصيل من هوية الشخص؟ وهل من الطبيعي أو الصحي أن تخفي هويتك عمن تحب وتريد مشاركة الحياة؟ وأليس التوافق والتفاهم الفكري هو عنصر أساسي في الحب نفسه؟ بل أليس الصدق والثقة والإحترام المتبادل كذلك من عناصر الحب؟ وهل يعد حبا حقيقيا هذا الذي تضطر فيه لإخفاء أفكارك عن الشريك خشية من رد فعله؟ وهل الشريك الذي سيتركك بسبب أفكارك يحبك فعلا؟
ثم، هل الدين حقا مسألة تافهة، أم أنك تراه كذلك من وجهة نظرك كلاديني، بينما الدين بالمجتمع هو عنصر مهم ويتدخل بجميع شئون الحياة؟ إن كان التدين ليس مهما كما تقول فلماذا تحرص على إخفاءه؟ أليس التدين مرتبط بقضايا أخرى تخص اختيارات الحياة وعاداتها وحتى أسلوب تربية الأولاد؟

الدين،
لو منحك معلومات لا تستطيع التأكد منها بعقلك وحواسك، فلن يمكنك الثقة بما يقول..
لو منحك معلومات تستطيع التأكد منها بعقلك وحواسك، فلن تحتاج إليه كمصدر للمعلومات..
لو قدم لك أخلاقا تخالف ضميرك وإنسانيتك، فلا يصح أن تقبلها..
لو قدم لك أخلاقا تتفق مع ضميرك وإنسانيتك، فلن تحتاج إليه كمصدر للأخلاق..
في كل الحالات، العقل والضمير كافيان..