الجمعة، 1 فبراير 2019

لماذا حريتي أهم من مشاعرك




في أكثر ساحات النقاش والرأي (من وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء وصولا إلى وسائل التواصل الإجتماعي) نسمع شكوى متكررة من "مساوئ حرية التعبير"، مع المطالبة بتخفيف تلك الحرية..

مجمل الشكوى هي أن الكتاب الفلاني، أو المقال أو الفيلم أو القصيدة أو المنشور أو الرسم الكاريكاتوري..إلخ، هو عمل مسيء لأنه يستفز مشاعر الفئة الفلانية أو يحرض على كراهية الجماعة العلانية، وبالتالي هذا العمل يجب حظره، لأنه عمل شرير، ولا يصنف في باب "حرية التعبير الإيجابية"- وطبعا الرقابة والحذف والمنع هو الحل..

هذا لا نسمعه في الشرق فقط، أو من المتعصبين دينيا وقوميا فقط، وإنما نسمعه في الغرب ومن علمانيين وليبراليين، مشاهير وعوام..

نعم نشأنا على سماع أن الغرب يقدس حرية التعبير، وهذا صحيح إلى حد كبير، ولكن هناك شواهد توحي أن المسألة تتغير بشكل مقلق.. فمع تضخم مفاهيم حقوق الإنسان في الغرب بدأت المسألة تتوسع لتأخذ منحى مبالغ فيه، وهو حماية مشاعر الإنسان من كلام الإنسان الآخر.. وبعد أن كانت المطالبات بحق حرية التعبير، صارت المطالبات بحق الحماية من حرية التعبير!

وعلى الساحة الإعلامية بدا وكأن المجتمع يتحول إلى جيوب متناثرة من الأقليات الحساسة دوما والتي يجب عدم خدش مشاعرها بتلميح عابر، وهذا يتضمن الأقليات العرقية والطائفية والجنسية (كالسود والمسلمين والمثليين)، كما يتضمن فئة يصعب وصفها بالأقلية وهن النساء.. تلك الفئات بدأت تتحول إلى ما يشبه أصنام مقدسة محصنة، ليس من القمع والظلم كما يفترض أن نكون كلنا، ولكن محصنة عن النقد..

ورغم أن القوانين في الغرب تحمي حرية التعبير بوجه عام، إلا أن هناك نصوص قانونية في عدة بلاد تجرم "خطاب الكراهية"، مستثنية إياها من حرية التعبير المباحة، وفي العام الماضي انتقل المفهوم عمليا إلى عالم الإنترنت حيث وافقت مؤسسات فيسبوك وغوغل ومايكروسوفت وتويتر على اتفاقية تلزمهم بحظر مداخلات الكراهية التي تنشر على خدماتهم..

هنا يجب تسجيل أن حرية التعبير ليست مطلقة في أي مجتمع، ولا يجب أن تكون.. ولكن ما يجب حظره - كما نقترح هنا- هي الكلمات التي تمثل اعتداءا أو تهديدا أو إيذاءا ملموسا ومباشرا لحقوق طرف آخر..

خذ على سبيل المثال حريتي في أن أقف وسط مول كبير وأصيح "حريق!"، مفزعا المئات من الرواد ومستنفرا الإجراءات الأمنية.. أو خذ حريتي الصحافية في أن ألفق معلومات تسيء إلى منتج تجاري ما وتشوه سمعته.. في الحالتين فإن تعبيري ليس فقط كاذب وإنما مؤذي، فإنه سيسبب خسائر مالية لطرف بريء..

مثال مشابه لكن أكثر حدة، لو أنني كتبت مقالا يطالب بقتل فلان، أو يطالب بهدم دور عبادة الطائفة الفلانية..إلخ، كل ذلك يعد تهديدا لفظيا يجب تقييده.. وهكذا قد نتفق على تجريم خطابات العنف والتحريض ضد الأفراد أو الجماعات..

ولكن المشكلة هي توسيع مفهوم الكراهية بشكل مبالغ ليشمل أي نقد أو تحليل قد يزعج أهل فئة معينة أو ممثلوها، كما ذكرنا..

وعمليا هناك أمثلة شهيرة لا تحصى على أناس لاحقتهم حملات اتهام مشينة وتعرضوا بالفعل لمتاعب في حياتهم وعملهم وصلت في بعض الأحيان إلى أحكام بالسجن، لمجرد أنهم تفوهوا بآراء "مسيئة" أو "غير صائبة سياسيا" أو تصنف في خانة "خطاب الكراهية".. وفي بعض الأحيان كانت تلك الآراء محض تذكير بحقائق معينة، صادف أنها لم تعجب النسويين أو المسلمين أو جمعيات الدفاع عن حقوق الأقليات..


يحضرني مثال معروف : لورنس سامرز، أستاذ اقتصاد كان نائبا لرئيس البنك الدولي ورئيس جامعة هارفرد، أجبر على الإستقالة من منصبه الأخير عقب قوله في إحدى المناسبات أن ضعف تمثيل النساء في مجالات العلوم والهندسة قد يعود إلى اختلاف في الإستعداد والكفاءة، وليس إلى أنهن مضطهدات..


مثال آخر : في السويد توجد أزمة حقيقية بسبب تدفق المهاجرين من خلفيات ثقافية مختلفة (خاصة أفارقة ومسلمين)، مما يتزامن مع ازدياد نسب الجرائم خاصة التحرش والإغتصاب المصحوب بالعنف.. ولكن يوجد ما يشبه الحظر الإعلامي حول الكلام في هذا الأمر، فإياك أن تفكر في ربط الظاهرتين معا (الهجرة والجريمة) وإلا فأنت يميني عنصري متطرف.. وتجتهد الحكومة اليسارية ومؤسساتها في التعتيم على الوقائع وإخفاء الحقائق التي قد تسيء إلى صورة البلد كجنة للتعددية الثقافية..


وحين كتب أحد الصحافيين- اسمه مايكل هيس- قائلا أن زيادة الإغتصاب والعنف منبعه بعض المهاجرين الذين جاءوا من خلفيات ثقافية تسمح لهم بإساءة معاملة النساء (يقصد المسلمين في تلميح واضح) تم اتهامه هو بالإساءة إلى الأقليات، وحكم عليه بغرامة وسجن مع إيقاف التنفيذ نظرا لكونها السابقة الأولى.. ورغم أن هيس عاش في الدول الإسلامية ولديه معرفة بالشريعة والثقافة التي اتهمها، وقدم ذلك في المحكمة، إلا أن المحكمة أعلنت أنه حتى لو كان كلامه حقيقيا فهذا لا يلغي التهمة!


هناك أمثلة أخرى كثيرة على كبح حرية الرأي في دول غربية، بدعوى حماية فئات بعينها.. من ذلك ما نعرفه من أنه في عدة دول أوروبية توجد قوانين تمنع التشكيك في وقائع الهولوكوست النازي لليهود، مما أدى لملاحقة عددا من المفكرين والمؤرخين قضائيا بسبب ذلك..

والأمر ليس قاصرا على المؤسسات الحكومية الغربية وإنما هو اتجاه عام، والأخطر أنه متفاقم في الأجيال الأصغر؛ فتقول الإحصائيات أن نسبا مرتفعة من شباب الجامعات الغربية بالذات صاروا أكثر ميلا إلى "وجوب حماية مشاعر الناس من التعبيرات المسيئة"؛ أي أن الأجيال الجديدة صاروا أقل قبولا لحرية التعبير..

حتى الأسماء يتم التلاعب بها، فمصطلح "الليبرالية" قديما كان يعني ببساطة الوقوف جوار حرية الفكر والتعبير، ولكنه الآن اختلط بمفاهيم "يسارية وتقدمية ونسوية"، وبات يعني الوقوف ضد الحرية إن كانت لا تتفق مع أفكار بعينها..

هذا عن الغرب، فما بالك بالشرق حيث الإستبداد والقمع والطائفية والقوميات بأنواعها؟ لا شك أن الامر أسوأ بمراحل..

الآن يمكنك أن تسأل: وما العيب في مراعاة مشاعر الناس وحمايتهم من خطابات الكراهية؟ وهل ستدافع الآن عن حرية التعبير التي تتضمن عنصرية وتحريضا ضد الأقليات؟!

لإجابة تلك الأسئلة يجب علينا الرجوع خطوة إلى الوراء، وتذكير أنفسنا بأسئلة أقدم: لماذا نريد حرية تعبير أصلا؟ هل لها فائدة؟ وهل هي شيء مقدس يجب تحصينه؟

حرية التعبير هي حق أساسي من حقوق الإنسان، كما جاء في المادة ١٩ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود)، وبالتالي فحرمان البشر من هذا الحق هو اعتداء مباشر لا يجب قبوله..

لكن الأهم هو أن حرية التعبير هي جزء أصيل من الديمقراطية، وضمان لها، وهي الأداة الأولى لمقاومة الإستبداد والطغيان، وهي الآلية الأنجح لتقويم العيوب المجتمعية وإصلاحها، وهي سلاح المواطنين ليطالبوا بحقوقهم وينادوا برفع الظلم دون خوف من البطش، وبالحرية تتقدم المجتمعات.. نعم أحيانا في بلد ما قد يمكن قيام إصلاحات اقتصادية ومجتمعية بدون حرية، ولكن لا يمكن استمرار الإصلاحات والحفاظ على المنجزات بدون حرية توجه وتقوم وتتيح مشاركة مجتمعية أوسع..

ولعلها ليست مصادفة أن المجتمعات التي تتمتع بحرية تعبير واسعة تتمتع كذلك غالبا بمستوى معيشة جيد وتعليم وصحة، مع معدلات فساد أقل..

إذن، فهل للحرية حدود؟ وهل يمكن أن تكون الحرية خطرا على المجتمع، حين تسمح بالتحريض والكراهية؟ وما المانع أن نقيد الحرية حفاظا على مشاعر الناس؟

حسن، لست ممن يقدسون الشعارات لذاتها، وإنما أميل إلى التقييم العملي للأمور وحساب الفوائد والخسائر، فالمصلحة العامة للمجتمعات هي المقياس، وليس الشعارات.. وهكذا فتأييدي السابق للحرية نابع بالأساس من فائدتها للمجتمعات البشري كما ذكرت..

على الجانب الآخر فلو حدث - جدلا- أن تسببت الحرية في إيذاء البشر أو تعريضهم إلى خطر الفناء، فالواجب إذن أن يتم تقييدها بالقدر الذي يحمي المجتمعات ويحفظ أمنها.. لذلك ذكرت سابقا أن المطلوب ليس حرية مطلقة، مع أمثلة..

وكمثال أوسع، فلو كنا نعيش في مجتمع طائفي متقسم يقل فيه الوعي والتسامح، فهنا تكون كلمة حمقاء من رجل دين كفيلة بإشعال فتن أهلية دموية.. فما العمل؟ هل نترك (كمجتمع ودولة) المجال مفتوحا لكل شخص يقول ما يشاء- إكراما لحرية التعبير- وليحدث ما يحدث؟ حتما لا.. فالحرية ليست صنما نعبده، والمبادئ ليست بديهيات تطبق بغض النظر عن سياقاتها والنتائج المترتبة عليها، وفي تلك الحالة أمن المجتمع وبقاءه له الأولوية..

هنا يجدر ملاحظة أن دائرة "مخاطر الحرية" تقل كلما ارتقى عقل المجتمع وقوته، فالمجتمع الواعي المستقر المتماسك لن تدمره كلمة أو رسمة، وستغدو فيه الأقاويل المتعصبة أو العنصرية أو الحمقاء مجرد زوبعات صغيرة لا تثير عنفا أو فوضى، وإنما يتم التعامل معها بالجدل والنقاش، الذي مهما بلغ في حدته فلن ينتج دماءا..

هذا يعني أن المجتمع كلما زاد عقله وقوته وشعوره بالأمن كلما كان أقدر على تحمل المزيد من جرعات الحرية، واحتواء سلبياتها، وبالتالي الإستفادة من ثمراتها سابقة الذكر، بشكل لن يحظى به المجتمع الجاهل الطائفي المنقسم الذي يشعر بالخطر، والذي قد يضطر لتغييب الحرية حفاظا على أمنه وتماسكه، إلا أنه سيدفع ثمن عجزه عن تحمل الحرية، ممثلا في سلطات أكثر استبدادا ومؤسسات أكثر فسادا ومواطنون أكثر جهلا..

هذا يذكرنا بالسلوك النمطي الذي تقوم به الدكتاتوريات، وهو خلق خطر وهمي، أو تضخيم خطر قائم، يكون محدقا بالدولة والشعب، ولفت الانظار إلى المؤامرات الشريرة التي تحيط بالأمة وتهدد بقاءها، مما يجعل المواطنون المساكين يخافون الحرية، ويصيرون أكثر ميلا للهروب إلى أحضان السلطة، وأكثر قبولا لإجراءات استبدادية لم يكونوا ليقبلوها في حالة الأمن والسلام..

وهذه سلبية أخرى من سلبيات تغييب الحرية؛ فحين نقبل بمبدأ وجود وصاية على حرية القول والفعل لدى المواطنين، فإننا نقبل ضمنا بوجود طرف يتحكم في الآخر ويتسلط عليه، ولأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، فإن النتيجة العملية هي أن الطرف المتحكم (السلطة) يستغل سلطته لا لصالح المجتمع وإنما لصالحه هو، وهو لا يكبح الحرية التي تضر الناس وإنما التي تضره هو أي تقاوم سلطاته المتضخمة..

لكن يبدو أن "ادعاء الخطر" ليس السلاح الوحيد لأعداء الحرية، أو أن هذا السلاح لم يعد ينفع في الدول الغربية، فظهرت حجة جديدة وهي محاولات كبح حرية التعبير تحت شعارات الإنسانية والليبرالية والتعددية واحترام الأقليات ومراعاة مشاعر الآخرين ومكافحة العنصرية، وذلك بتوسيع مفهوم "خطاب الكراهية" المجرم ليشمل أي نقد أو تحليل لا يعجب فئات بعينها تريد منح نفسها حصانة، كما ذكرنا..

أما لكي ندرك أن هذا الأمر (مراعاة المشاعر على حساب الحرية) خطأ أخلاقيا وضار بالمجتمع، فيستلزم أن نتذكر أولا أن حرية التعبير حق أصيل من حقوق الإنسان ومعترف به عالميا كما ذكرنا؛ لكن في المقابل لا يوجد شيء اسمه "حق مشاعري في أن لا تجرح"!

"جرح المشاعر" هو شيء ذاتي وشخصي جدا، يختلف من إنشان لآخر، وليس له مقاييس موضوعية بالمرة، وبالتالي فليس من المنطقي أن نجعل مدى حساسية فلان هي المرجع الذي يحدد مدى حرية فلان في الكلام!

والأهم هنا أن المتعصبين من أهل القوميات والطوائف والأيديولوجيات الدوغمائية لا يقبلون حرية التعبير أصلا (إلا لو كانت حريتهم هم بطبيعة الحال)، وهم لا يفرقون بين النقد والإزدراء، فمجرد اختلافك معهم في الرأي يعدوه إهانة لهم لا تغتفر!، وبالتالي ليس من المنطقي أو الأخلاقي أن نجعل حساسية هؤلاء (المرتفعة دوما) هي المرجعية لما يجب أو لا يجب أن يقال في دوائر النقاش وساحات الإعلام؛ بل إن ذلك سيكون وبالا على المجتمع يجعل الحرية في خبر كان..

ثم علينا أن نتذكر ثانية أن القبول بكبح الحرية، بحجة أنها مسيئة أو خاطئة، هو أمر كفيل بوضع سلطة قمعية في أيدي فئة معينة، مما سيؤدي لشيوع جو استبدادي كما ذكرنا..

بالتالي نلخص المسألة بأنه لا بأس من تقييد حرية التعبير، إن كانت تؤدي إلى اعتداء وضرر مباشر لطرف بريء أو للمجتمع ككل (مثلما في حالات التحريض الواضح أو تشويه السمعة عمدا)، وذلك بشكل ينظمه القانون ويكون في أضيق الحدود، ولكن لا يجب تقييد الحرية بدعوى الأخلاق أو الإنسانية أو مراعاة المشاعر..

هذا التقييد لا يؤدي فقط إلى خلل سياسي بخلق سلطة ذات طابع قمعي شمولي، وإنما يؤدي إلى خلل اجتماعي بتحويل الناس إلى أشباه أطفال أنانيين مفرطي الحساسية لا يتفهمون الخلاف ولا يقبلون النقد، ويسارعون بالصراخ بالشكوى كلما سمعوا ما لا يعجبهم، والأخطر أنهم مع الوقت يعتادون على مواجهة النقد لا بالرد والنقاش الندي، وإنما بالصراخ مستعينين بالسلطة الأبوية لكي تقمع الطرف المخالف، بحجة أنه يتجاوز ويسيء ويجرح..

هذا المناخ قاتل للحرية؛ فالمجتمع الحر يكون أفراده ناضجين متفهمين للتعددية والإختلاف باعتبارها من سنن البشر،ويكون لديهم قدرة عالية على سماع ما لا يرضيهم، ومواجهته بالكلمة، لا السيف أو الصراخ أو البكاء..

هذا يذكرنا بسمة أخرى من سمات الحرية، وهي أنها لابد وأن تشمل حرية الخطأ والحماقة والتفاهة، ولا مفر من ذلك.. فلو كنت تطالب بحرية "مسئولة" بمعنى أنها حرية تحتوي فقط وحصريا على ما تراه أنت هادفا وموضوعيا وصائبا وأخلاقيا، ويتم استبعاد ما عدا ذلك، فهذا يعني أن ما تريده فعلا هو قمع واستبداد، وإن حمل لافتة مكتوب عليها "حرية"..

نعم، يجدر بنا استيعاب أن الحرية ليست قيمة ملائكية مثالية، وإنما هي - كأي قيمة بشرية- لها عرض جانبي، أو لنقل ضريبة لا مفر من دفعها إن أردنا أن نجني ثمارها.. وضريبة الحرية هي أن نسمح - مضطرين- بالآراء الشريرة والغبية والمنحازة والمتعصبة والعنصرية والمزدرية.. وذلك لسبب وحيد هو أن التجربة علمتنا أن البدائل الأخرى أسوأ.. كما علمتنا أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض..

وهذا خطأ شائع يقع فيه الكثير من أصحاب المبادئ الراقية والنوايا الطيبة، وهو أنهم يخلطون بين "ما هو غير أخلاقي" وبين "ما يجب منعه".. وينسون أن القوانين لا تسن لحماية الأخلاق وإنما لحماية الحقوق، وفي مقدمتها الحريات؛ أما الأخلاق فمسألة تخضع للتفاعل المجتمعي وللإختيارات الشخصية للأفراد..

لهذا كله، أتمنى ان تكون قد فهمت لماذا أرى أن حساسيتك للنقد لا يجب أن تشكل حدودي في التعبير، كما أرى أن مشاعرك - مع كامل احترامي لها- ليست أكثر أهمية من حريتي..

رب البدو في اليابان





العبقري السماوي نسي اليابان، فلم يرسل إليها أي نبي يبدو أن اليهود كانوا يشغلون باله أكثر من اللازم..

لكن لا بأس؛ لابد أن أهل بلاد الشمس المشرقة كان لديهم مكانا ما في الخطة السماوية، فربما قرر الله هدايتهم بشكل غير مباشر عن طريق إرسال كتاب إلى الحجاز، بلهجة مضر، بلا نقاط أو تشكيل، يتم ترجمته بعد 1400 سنة إلى اليابانية..

(نعم: أول ترجمة للقرآن إلى اليابانية كانت عام 1920، وكانت عن الإنجليزية.. أما أول ترجمة عن العربية فكانت في 1945)..

لكن كما يقال: أن تصل متأخرا أفضل من أن لا تصل.. فعفا الله عما سلف، وأخيرا سيصل نور آخر رسالات الله إلى اليابانيين.. مرحى..

وكأني أرى مواطنا معاصرا نشيطا ضيق العينين يقوم وسط مصانع التكنولوجيا والروبوتات الذكية بفتح تلك الرسالة بكل شغف، ليقرأ ما فاته طوال تلك القرون..

أخيرا - ولله الحمد- سيقرأ الياباني عن العاديات ضبحا والموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا..

أخيرا سيعلم كل شيء عن أصحاب الفيل، وعن إيلاف قريش، وقصة الثلاثة الذين خلفوا، ويلعن أبا لهب اللعين وزوجته حمالة الحطب..

وسيعلم أنه مسموح له أن يأكل في بيته أو بيت أخيه أو بيت أخته أو بيت أبيه أو بيت أمه أو بيت خاله أو بيت زوج خالته أو بيت عمته أو بيت جدته.. إلخ..

وسيعلم أنه لا يجوز له أن ينادي محمدا من وراء الحجرات، ولا يرفع صوته على صوته، وأن ينصرف من منزله فور الإنتهاء من الطعام..

أخيرا سيعرف عن الثمانية أزواج إياها، وسيدرك الفارق بين البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وسيدرك أنه لابد من إعداد رباط الخيل للعدو دائما..

كما سيتعلم الياباني معلومات مهمة جدا ، مثل أن الله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع،

وسيكتشف أن الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وأن الفلك تجري في البحر بما ينفع الناس..

فيالها من نعمة إلهية عظيمة تستحق الشكر، وإن جاءت متأخرة قليلا..

الربوبية والأديان





لعل المشكلة مع لافتة الربوبية يمكن تلخيصها في ثلاث كلمات : التأثر اللاشعوري بالأديان..

لنركز قليلا على الإسم: ربوبية.. من أين جاءوا به؟!
فحتى لو قلنا أن الكون بنظرك مخلوق ومصمم، فلماذا يا ترى سميت الخالق ربا أو إلها؟ بل لماذا تستخدم صيغة المذكر المفرد أصلا؟ ولماذا تنسب له صفات بعينها كالكمال أو العدل أو الحكمة؟

لماذا لم تفكر (مثلا) أن من خلق الكون هم تسعة من الكيانات الأنثوية الروحانية السرمدية الغامضة والتي تتسم بالشر والشطارة والعبثية والجنون، وهوايتها التسلية بمراقبة البشر والضحك على أحزانهم؟؟

ألا ترى معي أن الكون لو كان مخلوقا، فالخالق (نظريا على الأقل) يحتمل أن يكون أي شيء وكل شيء؟

وألا ترى أن تسميتك للخالق "رب" وميلك لمنحه صفات الوحدانية والكمال والحكمة، هو انحياز لاواعي للأديان التوحيدية الإبراهيمية تحديدا، والتي صادف أنها تشكل محيطنا الثقافي الذي لا نكاد نرى غيره؟

أرجوك لا تخبرني أن وجود عدة خالقين هو أمر مستحيل، ربما لأنهم إن وجدوا سيتصارعون ويقتتلون فيفسد الكون (وهي الحجة التي استخدمها القرآن).. فهذا المنطق العجيب يلزمنا مسبقا بطبع مفترض للآلهة، وهي أنها كائنات نرجسية مغرورة عصبية المزاج غير قابلة للتفاهم أو التعاون، مثلها مثل الدكتاتوريين العرب مثلا!

ولكن لو افترضنا طبعا مختلفا للآلهة أنها كائنات منطقية قادرة على التعاون فيما بينها (كالبشر العقلاء العلماء مثلا) أو كائنات عقلانية متسامية مترفعة عن النزق والإختلاف (كما ينبغي للآلهة)، ففي تلك الحالات سيمكن وجود جماعة منها دون حدوث نزاعات بينية تفسد السماوات والأرض.. وبالتالي فالحجة ساقطة، ولا يوجد ما يمنع وجود آلهة متعددة أو ناقصة..

لعل النقطة التي يعجز أكثر "الباحثين عن الحق" عن فهمها، هي أن الآلهة فرع عن الدين وليس العكس.. فالمسألة ليست أن البشر آمنوا بالله أولا ثم صاغوا الأديان لعبادته كما نتصور ، وإنما الحقيقة التاريخية أن البشر نسجوا الأديان محتوية على عناصر عديدة ومن ضمنها الآلهة..

هذا يعني أنه حين تسقط الأديان تسقط معها كل عناصرها، بما فيها الآلهة..

ولو أنكرنا ذلك نصبح كشخص يدرك بشرية الأساطير المصرية واليونانية والفينيقية، ثم يظل مع ذلك يقول أن الشمس تشرق بأمر الإله رع، وأن الصواعق مصدرها قوة عليا تسمى زيوس، وأن المطر يهطل بفضل أوامر بعل!

وأن كنت ترى هذه الأمثلة سخيفة، فليتك تتفضل وتشرح لنا ما الفارق الجوهري بين نسبة الشروق لإله مصري ونسبة الصواعق لإله يوناني ونسبة المطر لإله فينيقي، وبين نسبة الخلق لإله سامي إسرائيلي عربي..

وهل حقا تتصور أن تغيير بعض صفات هذا الإله، بغرض تنزيهه، واستبعاد الأمور الدينية التي تراها أنت سخيفة، كفيل بحل المشكلة من جذورها، أم تظل المسألة مجرد تخرصات وإسقاطات بشرية نابعة من الدين ومتأثرة به في كل الأحوال؟

هل هذا يعني أن هذا الكون ليس مخلوقا، وأنه نشأ وحده بالصدفة؟

ليس بالضرورة، وإن كنت كملحد لا أؤمن بالخلق، وعندي أسبابي والتي ليس محلها هنا.. وإنما ما أريد قوله - ضد الربوبية- أنه حتى لو ملنا لأن الكون مخلوق، فالموقف المنطقي أن نقول أن هناك "جهة ما مجهولة" خلقته، من دون أن ننسب أي صفات ربوبية دينية إلى تلك الجهة..

وهذا بالمناسبة ما يقر به بعض الزملاء الربوبيين الذين حاورتهم، فهم يعتقدون بوجود قوة خالقة ولكن لا يتمسكون بأي من صفاتها بل يقرون أنها يحتمل أن تكون أي شيء.. مما يجعلهم أقرب إلى الملحدين (لو أخذنا بتعريف الإلحاد أنه عدم الإيمان بالآلهة الدينية)..

وذلك بعكس ربوبيين آخرين يفرطون في التأثر بالدين، حتى تجدهم يبالغون في تمجيد الإله والحديث عن عظمته وجماله، ويجتهدون في تنزيهه وتمجيده حتى يزايدون في ذلك على أهل الأديان..

محمد وزينب- قراءة مغايرة



هل تم اختراع القصة في إطار صراع خلفاء محمد على الحكم؟

(الموضوع مستلهم من أحد فصول كتاب روبرت سبنسر "هل وُجد محمد؟" والذي يستند بدوره إلى كتاب بروفيسور التاريخ الإسلامي دافيد باورز بعنوان "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم: صناعة النبي الخاتم")

أكثرنا يعرف القصة التي توردها المصادر والتفاسير الإسلامية، فلن أعيدها بتفاصيلها: رسول الإسلام يشتهي زينب، زوجة ابن بالتبني- زيد- وتنتهي المسألة بتطليق زيد لزينب ليتزوجها محمد.

تلك الواقعة الشائكة تثير عادة التساؤلات الأخلاقية والمنطقية مثل: هل يليق بنبي أن يتطلع إلى زوجة ابنه بالتبني؟ وألم يجد الله وسيلة أفضل من ذلك لتحريم التبني؟
ولكن البعض كان له قراءة مختلفة للآيات، حيث يربطها بمسائل أكبر سياسية، تتعلق بخلافة سلطة محمد النبوية بعد وفاته.

لنعيد قراءة القصة من سورة الأحزاب:
(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا- مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا- الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا- مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) الأحزاب 37-40.

لنبدأ بالآية الأخيرة ونسأل: ما الداعي لذكر ختام محمد للنبيين في هذا الإطار؟ وما علاقة ختم النبوة بزواجه من زينب؟!

ربما هذه العبارة تعطينا مفتاح فهم القصة كلها، من وجهة نظر مختلفة عن السائد.
ولنفهم السياق العام نتذكر أولا نقطتين هامتين:

الأولى - لو وضعنا محمد جانبا، فالواضح أن القرآن يربط النبوة بعلاقة النسب والقرابة؛ على سبيل المثال يقول (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ- "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ" وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) آل عمران 33-34، وفي موضع آخر يقول (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ- وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ "وَمِن ذُرِّيَّتِهِ" دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ- وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ- وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ- "وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ" وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الأنعام 83-87، وغيره من الآيات التي تجعل النبوة محصورة في ذرية خاصة، وكثيرا ما تورث- فالعديد من أبناء الأنبياء هم أنبياء أيضا.

الثانية - من ينظر في التاريخ الإسلامي الأول، فسيجد أن أكبر معضلة واجهت العرب بعد محمد هي مسألة الإستخلاف وشرعية الحكم، فمن أول النزاع الحاد في السقيفة بين المهاجرين والأنصار والذي انتهى بتولية أبو بكر ثم استخلافه لعمر، مرورا بالمنافسة بين علي وعثمان وفوز الأخير، ثم الحرب الضروس بين علي ومعاوية بعد خلاف على من الأحق بالإمارة، ثم خروج الشيعة على الأمويين، وخروج الخوارج على الإثنين معا، والحروب بين الثلاثة، وثورات آل البيت ثم العباسيين على بني أمية – تلك الصراعات التي سالت فيها دماء المسلمين، وتضمنت إبراز نصوص دينية وأحاديث عن محمد تزكي قريش عامة (الأئمة من قريش) ثم أسرة محمد خاصة (من كنت مولاه فعلي مولاه، غدير خم) وغيره، مما منح شرعيات مختلفة للراشدين ثم الأمويين ثم العباسيين، ولكن دائما كان هناك من يرفض تلك الشرعية ويعارضها، ولكل فريق نصوصه وتأويلاته الخاصة.
وهنا تخبرنا المصادر الإسلامية أن النبي محمدا أنجب في حياته ثلاثة أولاد ذكور (القاسم وعبد الله من خديجة، وإبراهيم من مارية القبطية) لكنهم جميعا ماتوا في عمر الطفولة، ورغم زيجاته الكثيرة إلا أنه لم ينجب ذكورا غير هؤلاء.

أما زيد ابن حارثة، بطل قصة زينب، فتخبرنا المصادر أنه ابن محمد بالتبنّي، حيث تبناه في مكة وكان ينسب له حيث يدعى "زيد ابن محمد"، وقيل أن الرسول كان يقف بين الناس قائلا "أشهدكم أن زيدا هذا ابني، يرثني وأرثه"، وكان يقول له "أنت مولاي ومني، وأحب القوم إليّ"، وكان يلقب زيد بين الناس بـ"حِب رسول الله" أي محبوبه- كما كان من أول الذين أسلموا، وحضر جميع الغزوات الرئيسية مع نبي الإسلام –كما أنه الصحابي الوحيد المذكور في القرآن بالإسم.

ينقل دافيد باورز (في الكتاب المذكور) عن واحد من أقدم مفسري القرآن، وهو مقاتل ابن سليمان، حيث قال أنه لو كان لمحمد عند وفاته ابن بالغ، لاعتبر ذلك الإبن نبيا أيضا.
ويرى باورز أن "توريث النبوة" هذا لا ينطبق فقط على الإبن المولود، وإنما ينطبق كذلك على الإبن بالتبني، مثل زيد، وكذلك أسامة (ابن زيد) – فالهالة النبوية التي امتدت من إبراهيم إلى ذريته إلى محمد، كان يمكن أن تمتد إلى زيد وأسامة (هذا المنطق يذكرنا نوعا بما حصل مع الشيعة، حيث جعلوا قدسية لأولاد فاطمة بنت محمد).

وهو بالتالي يرى أن زيدا كان أهم شخصية في المجتمع الإسلامي المبكر بعد محمد، وينقل لنا من المصادر الإسلامية قولا لعائشة مفاده أنه لو كان زيد حيا عند وفاة الرسول لكان استخلفه.

و على ذكر أسامة ابن زيد، نتذكر مشاهد أخرى أوردتها لنا المصادر الإسلامية عنه، حيث كان يلقب بـ"الحِب ابن الحِب"، كما أن أم أسامة (أم أيمن) هي حاضنة محمد، ونقرأ أن عمر ابن الخطاب في خلافته كان يقسم المال على المسلمين فيعطي أسامة نصيبا أكبر من ابنه هو نفسه!، والأهم من ذلك نقرأ أن الرسول وضع أسامة (وهو دون العشرين عمرا) على رأس جيش كبير يتوجه إلى الروم، فجعله قائدا متأمرا على أشخاص مثل أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب.

هنا يصل باورز إلى الإستنتاج الخاص بقصة زيد وزينب: وهي أنها قصة مفبركة بالكامل صيغت بعد موت محمد، لهدف خاص جدا، هو التأكيد على نفي أبوة محمد لزيد ، وذلك عن طريق الإستعانة بواحد من أكبر المحرمات عند العرب آنذاك: الزواج بزوجة الإبن- فطالما تزوج طليقته فهذا دليل قاطع ينفي أي علاقة بنوة معه.

أو بصياغة أخرى : حين كُتب التاريخ كان جعل محمدا يتزوج زينب هو مجرد وسيلة، أما الغاية فهي تأكيد ما ذكرته الآية بوضوح: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين- فالنبي لا أولاد عنده، وبالتالي لا نبي بعده يستحق وراثة النبوة ومعها الحكم و السلطة والخلافة؛ وذلك هو الغرض الأصلي من القصة كلها: تهميش أهمية زيد وإبراز أن محمدا لم يكن له أولاد يستحقون النبوة من بعده.

هذه القراءة – بالطبع- لن تعجب أتباع الفكر التقليدي، وشخصيا لا أقبلها بحماس ولا أرفضها بالكلية؛ وقد تكون الحقيقة في مكان ما وسط، خاصة والتجربة علمتنا أن القصص الديني عموما قد يكون له أصل واقعي، ولكن صياغة القصة مع ذلك تتم بشكل منحاز مع إضافات ونقائص تخدم أغراض الكتبة ومن ورائهم – ولكن يظل الحال أن هذه القراءة لو صحت (ولو جزئيا) فقد تفتح المجال بشكل أوسع لاحتمالية أن القرآن ليس كلمة محمد وحده، بل إن هذا الكتاب المقدس تعرض لعملية تنقيح وإعادة صياغة على أيدي أتباعه من بعد موته، وبالطبع لم تكن الأهواء السياسية بعيدة عن تلك العملية.

النبوة والجنون





Temporal lobe
الفص الصدغي (1)
هو واحد من الأربعة فصوص الرئيسية للقشرة المخية عند الثدييات، وهو مرتبط بالتعامل مع المدخلات الحسية واستخراج المعاني منها من أجل الإستبقاء الملائم للذاكرة البصرية، والفهم اللغوي، والربط العاطفي..
-----------------------------------------------
Epilepsy
الصرع (2)
هو اختلال عصبي ينتج عن اضطراب الإشارات الكهربية في خلايا المخ، ويتميز بحدوث ما يسمى بنوبات صرعية..
-----------------------------------------------
Temporal lobe epilepsy
صرع الفص الصدغي (3)
هو خلل مزمن في الجهاز العصبي يتميز بنوبات مركزية تنشأ في الفص الصدغي للمخ.. ومن أعراضه تشوش الذاكرة، شعور بالخوف أو القلق، هلوسة سمعية أوبصرية، وقد ينتج عنه تغيرا سلوكيا فيما يعرف بمتلازمة غيشويند..
-----------------------------------------------
Geschwind syndrome
متلازمة غيشوين (4)
هي مجموعة من الظواهر السلوكية التي تظهر عند بعض ممن يصابون بمرض صرع الفص الصدغي.. هذا النوع من الصرع ينتج عنه تغيرات مزمنة في الشخصية، تبدأ بسيطة ثم تزداد ببطء مع الزمن.. متلازمة غيشويند تتضمن خمس تغيرات رئيسية: فرط الكتابة، فرط التدين، سلوك جنسي غريب، الظرفية، الحياة العقلية المكثفة - ولا يشترط وجود الأعراض جميعها لنعتبر الشخص مصابا بالمرض.

Hypergraphia
1- فرط الكتابة (5) هي الميل للكتابة القسرية، وهي من سمات المصابين بصرع الفص الصدغي.. بعض المرضى يحتفظون بمذكرات تحتوي تفاصيل دقيقة حول حياتهم، أحيانا بشكل مبدع أدبيا، وبعض المرضى ركز على كتابة الشعر، غالبا بنغمة أخلاقية أو فلسفية، وبعض المرضى يختبرون عبارات مسجوعة في أذهانهم يشعرون بالحاجة إلى كتابتها، على الرغم من أن الكلام العادي للمريض لم يكن يحتوي الشعر، ولا هو كان يقرأ الشعر، وبعضهم قام بتكرار بعض العبارات والكلمات مرة بعد مرة، بينما بعضهم كان يميل إلى وضع القوائم بأشياء أو أشخاص، وفي أحيان كانت الكتابة مبهمة وغامضة وتحتوي أفكارا عشوائية غير منتظمة وغير مفهومة.. وفي بعض الحالات كانت تلك الكتابات تحتوي اهتماما مفرطا في الموضوعات الدينية.. وقد أظهر الأديب تيودور ديستوفيسكي علامات إصابة بمتلازمة غيشويند..

Hyperreligiosity
2- فرط التدين (6) بعض المصابين يظهرون مشاعر دينية مفرطة وقوية، واهتماما فلسفيا بالأديان والتجارب الروحية بشكل يتداخل مع حياتهم العادية.. ويتضمن فرط التدين معتقدات غير طبيعية وتركيز على الموضوعات الدينية بشكل يسيطر على العمل والعلاقات الإجتماعية، ويميل كثير من المصابين إلى إعلان تجارب وروحية أو دينية أو صوفية، وتفكير تشريعي، وأوهام وضلالات وربما هلوسات دينية.. ويحتمل أن كثير من القادة الدينيين كانوا مصابين بذلك النوع من الصرع..

Atypical sexuality
3- سلوك جنسي غير طبيعي: بعض المصابين بمتلازمة غيشويند يظهرون تغيرا في نمط حياتهم الجنسي، ففي نحو نصف الحالات يظهر انخفاضا في الأداء الجنسي، وفي حالات أقل شيوعا يظهر المريض نشاطا جنسيا مفرطا..

Circumstantiality
4- الظرفية (7) ويقصد بها الإندماج في الحديث والحوارات بشكل مطول.. ويمتاز صاحب الحديث الظرفي بنمط تفكير "غير خطي" أي تكرار الإستطراد والإنتقال من مركز النقاش إلى موضوعات جانبية قبل العودة العودة مرة إلى الموضوع ، مع إضافة ملحوظات جانبية غير ضرورية وليس لها صلة بلب الحوار، مما يؤخر الوصول إلى الهدف النهائي من الكلام.. هنا المتكلم يبدو وكأنه يلتف حول الموضوع ولا يقفز إلى المطلوب بشكل مباشر..
-----------------------------------------------
إيلين وايت (8)
Ellen Gould White
1827-1915
هي مؤلفة أمريكية ساهمت في تأسيس إحدى طوائف "السبتيين"
Seventh-day Adventist Church

وقد وصفها بعض المؤرخين بأنها واحدة من أهم وأبرز الشخصيات في التاريخ الديني، كما اعتبرها مجلة سميثسونيان ضمن أحد أكثر شخصية مؤثرة في التاريخ الأمريكي..

اختبرت وايت نحو 200 رؤية مزعومة عبر حياتها، حيث أخبرت أتباعها عن تلك الرؤى والتي اعتبروها هبات نبوية كما ورد في سفار الرؤيا بالكتاب المقدس المسيحي، كما نشرت محتواها مكتوبة، حيث تم ترجمة أحد كتبها "خطوات نحو المسيح" إلى أكثر من 140 لغة.. .وقد غطت كتاباتها الغزيرة طيف كامل من المواضيع، منها الأديان واللاهوت ونمط الحياة المسيحي والتبشير والنبوءات والعلاقات الإجتماعية والتعليم والتغذية والصحة، وكتبت عبر حياتها أكثر من 5000 مقالة دورية و40 كتاب، بما مجموعه نحو مائة ألف صفحة صارت مرجعا مهما شبه مقدس لأتباع طائفة الكنيسة التي ساهمت في تأسيسها ، وكانت إيلين تروج للنباتية كما كان لها دور في الترويج والتأسيس لعدد من المدارس والمؤسسات الصحية..

ولدت إيلين في أسرة عادية لأب مزارع، وفي عمر التاسعة أصيبت بحجر في وجهها أسقطها أرضا فاقدة الوعي وظلت متوعكة لثلاثة أسابيع كاملة، وأثرت بها الحادثة إلى درجة أنها منعتها من إكمال تعليمها المدرسي.. وكما تحكي فإن تلك الحادثة كانت بداية التحول، حيث جعلتها - على حد تعبيرها- ترى السماء، وتعرف يسوع المسيح.. وفي عمر الثانية عشر تأثرت بالنشاط الديني لأسرتها وحضورها لمحاضرات الواعظ البروتستانتي ويليام ميلر (وهو زعيم حركة مسيحية كانت تتوقع عودة المسيح في 22 أكتوبر 1844)، ونتيجة الوعظ انتابت إيلين حالة من الندم وقضت - كما تحكي- ليالي من البكاء والصلاة لعدة شهور..

وذات صباح في أواخر عام 1844 كانت إيلين مجتمعة للصلاة مع بعض النساء في بيت أحد الأسر، فتحكي "وفي أثناء الصلاة شعرت بقوة الله تهبط فوقي بشكل لم أشعر به من قبل، وتم غمري بداخل رؤية مجد الله، وبدا أنني أصعد أعلى فأعلى من الأرض" وتكمل أنها وجدت ملاكا مصاحبا لها، جعلها ترى رحلة شعب السبتيين إلى الأرض المقدسة، أورشليم الجديدة السماوية، بتشجيع من يسوع المسيح في مجيئة الثاني، وانتهت الرؤية بعودتها- مذهولة ومضطربة - إلى الدنيا..

كانت تلك هي الرؤية الروحانية الأولى، وبعدها توالت الرؤى، والتي شاركتها في البداية مع الأقربين فقط.. حتى ذات يوم جابهت ما اعتقدت أنه "تأكيد لرحلتها الدعوية"، كما تحكي "حينما كنت أصلي فإذا بالظلمة حولي تتشتت، وإذا بنور باهر، ككرة من النار، يتقدم نحوي ويسقط علي سالبا قوتي، وشعرت بأنني في حضور يسوع والملائكة، وسمعت كلاما يتكرر على ذهني "اعلني للآخرين ما أعلنته لكِ"..

وهنا بدأت إيلين في تنظيم اجتماعات تعلن فيها رؤاها لمن حولها، ولاحقا انطلقت في رحلات وأسفار تحكي فيها عن الأنباء العظيمة التي جاءتها.. ولاحقا بدأت في تدوين وطرح تجاربها الروحية في رسائل وكتب منشورة.

تصف إيلين الرؤى، والتي كانت تأتيها في أماكن خاصة أو عامة، على أنها تتضمن نورا باهرا يحيط بها، وتشعر بنفسها في حضور يسوع أو ملاك، والذي يريها أحداث (تاريخية ومستقبلية) وأماكن (على الأرض أو في السماء أو في كواكب أخرى)، وفي بعض الرؤى تلقت تعاليم لأتباع كنيستها.. وأما روايات شهود العيان فتصف الرؤى بعدة ملامح متكررة، منها أنها تتراوح ما بين الربع ساعة إلى الساعتين، وأن إيلين تحدق إلى الأعلى ويظهر عليها شعور بالرضا ولا تغير من تعبير وجهها، وعادة تصيح بكلمة "المجد" ثلاثة مرات، وأحيانا كانت تتعرض لإغماء وتخور قواها، وبعدها كانت تمتلئ بالقوة الشديدة فتقوم من مكانها، وأحيانا تحرك أيديها بقوة لا يقدر على وقفها أشد الناس.. وهناك أوصاف مدهشة حكاها أتباعها منها أنها تتوقف عن التنفس والرمش طيلة فترة الرؤى، ولكنها دوما تشعر بأنها غائبة عن الوعي منفصلة عن محيطها..

وبينما يرى أتباع إيلين أن كتاباتها وحي سماوي، ويؤكدون أنها لم تتلق تعليما كافيا يؤهلها لتكتب في المجالات التي كتبت فيها، إلا أن السيدة قد تعرضت إلى تشكيكات في صدق رؤاها وتجاربها الروحانية، بل اتهمها البعض بأن كتاباتها - خاصة فيما يتعلق بالتغذية والتعليمات الصحية- هو مسروق من خبراء صحة آخرين، وبالتالي ليس وحيا إلهيا.. وقد اعترفت هي في إحدى كتاباتها أنها تقتبس من بعض المؤرخين دون ذكر المصدر.. وقد لاحظ آخرون أن كتابات إيلين وايت الأخروية (حول نهاية الزمان) مرتبطة كثيرا بتعاليم الكنيسة البروتستانتية في زمنها وبيئتها..
-----------------------------------------------

تقول التحليلات (9) أن صدمة الرأس التي أصيبت بها إيلين وايت نتج عنها نوبات صرعية (وهو ما يحدث في 10% من الحالات المشابهة)، وأن تلك النوبات قد تستمر لعدة دقائق أو أطول من ذلك، وقد تتضمن هلوسات سمعية وبصرية تحتوي تلاعبات بالنور والظلام، وقد تتراوح ما بين أشكال بسيطة إلى سيناريوهات محبوكة.. وبما أن عقل المريض هو المسئول عن إنتاج الأوهام والهلاوس، فالمحتوى عادة مرتبط بالمعلومات المخزنة مسبقا، أو يتم منحها معنى بناءا على وعي المريض، وفي حالات كثيرة تكون تلك الهلوسات دينية..

وقد تم تسجيل حالة مراهق في الثالثة عشر مصاب بنوبات صرعية، ألقى نظرة على كتاب اشترته أخته عن عبادة الشيطان، وبعد فترة قصيرة من اطلاعه على الكتاب مر بنوبة هلوسة رأى فيها خاتما من النار ذا ألوان زاهية، مع كائنات شبه آدمية بلا وجوه على حافة الخاتم، وقد رأى تلك الكائنات تقترب منه وتحاول قتله، وقال بأنه شعر بحرارة النيران، ووصفته أمه حينها بأنه كان يصرخ ويتصبب عرقا، وبعدما أفاق ظل مقتنعا أنه يتلبسه شيطان..

وأما بخصوص إيلين وايت، فقد جاءت من خلفية ميثودية، كما كانت منخرطة في حركة ميلر- رؤاها جاءت متوافقة مع تعاليم الميثودية والميلرية.. ترى كيف ستكون رؤاها لو أنها جاءت من خلفية دينية مختلفة؟ وقد لاحظ البعض منذ البدء أن محتوى رؤاها لم تكن سوى أصداء لخطب ومواعظ المبشرين المشاهير في زمانها..

الخوف هو سمة أخرى متكررة في تلك النوبات، فكثيرا ما يشعر المريض بالرعب والهلع والإحساس بحدوث كارثة قريبة، أو يتصور بأنه سوف يصاب بالجنون التام.. في إحدى الحالات انتاب المريض شعورا قويا بأن شخصا ما يقف خلفه.. مريض آخر رأى رجلا وكائنين أصغر منه يقفان أمامه وشعر بالخوف منهما وبأنه مكبل تحت سلطة قاهرة لا يقوى على الإفلات منها.. وبشكل عام فإن النوبات قد ترتبط ببعض المشاعر (وليس بالضرورة كلها) مثل الإحباط والتهيج الجنسي والغضب والميل للعنف وكثرة الشك التخوف من المؤامرة وانعدام روح الدعابة وفرط الكتابة والإحتفاظ بسجلات وأراشيف تفصيلية وفرط التدين والإهتمام بالفلسفة والأخلاقيات والعالم الميتافيزيقي وغيرها..

ومن الواضح أن كثير من تلك الأعراض ينطبق على إيلين وايت، والتي تسببت الضربة - التي تلقتها قرب الأنف- في حدوث نوبات صرعية لها أنشأت لديها تلك الأعراض، دون أن تدرك هي أبعاد ذلك، أو حتى يدركه معاصروها.. مع ملاحظة أن الفص الصدغي يقع في قاعدة المخ بين تجويفي العينين، مما يفسر سبب أن صرع الفص الصدغي هو أمر منتشر إلى حد ما..

من الأعراض الأخرى الشائعة هي شعور وهمي بشم شيئا ما، وهو ما كانت تمر به إيلين وايت والتي كانت كثيرا ما تعلن أنها "تشم رائحة الورود" حتى تحت سريرها، وكانت تعتبر ذلك مقدمة لدخولها في إحدى نوبات الوحي والرؤى حين تبدأ في رؤية الأنوار الباهرة، وهو عرض آخر شائع جدا في النوبات الصرعية..

وبالطبع فإن أهم الأعراض الظاهرة هي فرط الكتابة، وهو ما كانت تمر به إيلين وايت.. ويصف الأطباء حالة امرأة في الرابعة والعشرين من العمر، أصيبت منذ الطفولة بنوبات صرعية، فصارت متدينة بعمق، وتحولت عقائديا على الأقل أربع مرات، وكانت ترى هلوسات لأنوار متذبذبة زرقاء وخضراء، كما كانت تقضي عدة ساعات يوميا تكتب، تحديدا أبيات شعر ذات محتوى أخلاقي أو فلسفي، وقامت بنسخ أغنية حفظتها لمئات المرات، وأسفرت الفحوصات عن تعرضها لإصابة في الفص الصدغي الأيمن..

ويصف نورمان غيشويند بنفسه (العالم التي سميت المتلازمة بإسمه) تلك الأعراض فيقول أن فرط الكتابة في أولئك المرضى مذهل، فيكتبون بانتظام المقالات أو الخطب، وأحدهم كان لديه حقائب ممتلئة بكتاباته، وأخرى قدمت لطبيبها نحو عشرين مجلدا من كتاباتها المنزلية.. كما يحكي عن شخص كان يعيش حياة عادية ولم يكن لديه أي اهتمام فكري، ولكن ما أن أصيب بصرع الفص الصدغي (من جراء إحدى العمليات الجراحية) سيطرت عليه فكرة مفادها أنه مكلف بمهمة أن يكتب شيئا ذو أهمية كبرى.. وهذا يشبه تماما ما كانت تمر به إيلين وايت حيث كانت تستيقظ وسط الليل لتكتب "شهادات مهمة"..

وهذا النداء "اكتب اكتب اكتب" قد يتحول بسهولة إلى "اقتبس اقتبس اقتبس" فتحت الضغط الديني القوي، فإن الكاتب يمكن أن يقنع نفسه أن الله هو من ساعده على إيجاد المحتوى المراد نقله، وأن نقل كتابات الآخرين وتدوينها ونسبها لنفسه هو أمر إلهي وفريضة يجب أن تطاع..

والملاحظ أن الكاتب هنا يشعر بأنه مكلف بإصدار كمية كبيرة من الكتابات، فلا يكون أمامه سوى أن ينقل عن الآخرين، كما تمتلئ كتاباته بتكرار الجمل والعبارات، فهي سمة أخرى للمصابين، وهو ما ينطبق على إيلين تماما، حيث كانت تكرر كلمة (المجد) ثلاث مرات، وهي كلمة كانت تستخدم بكثرة في الإجتماعات الدينية التي تحضرها في سنوات مراهقتها.. وفي كتابات كثيرة كانت تكرر الكلمة ثلاث مرات، كما في مرة كتبت أنها تكلمت مع ملاك سألته "هل يمكن لفلان أن يدخل الملكوت؟" فأجابها الملاك "أبدا أبدا أبدا".. وفي مدونة أخرى مبكرة حكت عن ملاك قال لها كلمات صارت ترن بأذنيها "استعدي استعدي استعدي، لقد كاد الزمان ينتهي، كاد ينتهي، كاد ينتهي، اهتفي اهتفي اهتفي".. وفي أول كتابتها كررت إيلين عبارة "أنا رأيت.." 16 مرة، وفي مرات أخرى كررتها أكثر من ثلاثين مرة.. تلك العبارة صارت لازمة متكررة في أكثر كتابتها حتى أن كثير من صفحاتها تبدأ بها..

سمة أخرى للمرضى هي أنهم دوما يجتهدون في الحصول على الطمأنينة والقبول والمديح من الآخرين، ولا يشعرون بالراحة في أي موقف لا يكونون فيه مركز للأهمية.. ولا تخلو المسألة من مبالغات درامية، فعلى سبيل المثال تصف إيلين وايت بعد إحدى رؤاها عن صراع المسيح والشيطان، فتقول أن الشيطان أراد قتلها لوقف مشروعها ومنعها عما كانت تنوي كتابته، ولكن الله أرسل ملائكته لإنقاذها..

وقد استخدمت وايت سلطتها الروحية النبوية تلك للسيطرة على أتباعها، فحين قامت إحدى مساعداتها في الكتابة، فاني بولتون، بالتشكيك في ما تكتبه، أعلنت وايت عن وحي جديد أتاها قائلا: "احذري ولا تضعي ثقتك في فاني لتحضر لك المقالات أو الكتب، إنها عدوتك، إنها غير مخلصة في واجباتها رغم أنها تزكي نفسها لتقتنع أنها تؤدي عملا مهما".. وقد جاءت تحذيرات مماثلة فيما يخص كل خصومها والأنبياء المنافسين لها، فقالت "لقد تم إخباري أنه سيكون هناك آخرون يزعمون أنهم تعلموا من الله، وسيحاولون قيادة آخرين، وسيقومون بعملهم من خلال أفكار خاطئة عن الواجب الذي لم يقم الله أبدا بتكليفهم به، وستكون النتيجة هي التشويش"، مما أغلق الباب أمام الأنبياء الآخرين من بعدها..

ومن الجدير بالذكر أن الإعلانات ذات الصبغة الدينية والروحانية تقل اليوم عن مثيلتها في الماضي، نظرا لاختلاف السياق الثقافي، ففي الماضي كانت الأفكار الدينية أشد رواجا وأكثر قبولا وأسهل انتشارا، ولهذا نجد الكثير من الزعامات الدينية والروحانية بأكثر من اليوم..

والجدير بالذكر أن أحد الاطباء قد توقع سرا أن رؤى إيلين وايت سوف تتوقف مع بلوغها ما يعرف بسن اليأس- توقف الطمث- والغريب أن هذا ما حدث بالفعل، فقد توقف الوحي عن وايت، تقريبا وباستثناءات قليلة، نحو عام 1870..

شخص آخر معاصر لوايت، د. ويليام سادلر، كتب في 1912 قائلا "ليس من النادر على الأشخاص الداخلين في نوبات نشوة أن يتخيلوا أنفسهم في رحلات إلى عوالم أخرى.. في الحقيقة إن شهادات تجاربهم الرائعة، والتي يكتبونها بعد انتهاء النوبات، تكون مميزة وبديعة إلى درجة وضع الأسس لإنشاء طوائف ومذاهب وأديان جديدة.. إنها دراسة مشوقة في علم النفس أن نلاحظ أن وسائط تلك النوبات دائما يرون رؤى تتماشى مع معتقداتهم الدينية الخاصة.. تقريبا جميع ضحايا تلك النوبات العصبية يبدأون- عاجلا أو آجلا- في تصديق أنهم أنبياء لله ورسل من السماء، ولا شك أن كثير منهم صادقين في معتقدهم.. غير فاهمين للجوانب الفسيولوجية والنفسية لما يحدث لهم، فإنهم ينظرون لتجاربهم العقلية الخاصة على أنها أمور خارقة، بينما أتباعهم يصدقون- بشكل أعمى- أي شيء يقولونه، نظرا للطبيعة الإلهية المفترضة لتلك المزاعم من الوحي"..

-----------------------------------------------
المصادر : 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8


النبي الشاذ





تحذير +18 جنس وقرف..

بالإضافة إلى كثرة الزيجات و اغتصاب أسيرات الحرب و الإنجراف وراء الشهوات بشكل غير منضبط ، نجد في المصادر الإسلامية العديد من الروايات الغريبة جدا و التي تنقل لنا ممارسات جنسية شاذة و مقززة قام بها محمد، تجاه ابنته و تجاه أحفاده.

في "سنن أبي داود" 5217 و "صحيح الترمذي" 3872 و غيره، نسمع عائشة تحكي أن محمدا كان يكثر من تقبيل ابنته (.. كانت إذا دخلتْ عليه (فاطمة) قام إليها ، فأخذ بيدِها وقبَّلها وأجلسَها في مجلسه ، وكان إذا دخل عليها قامتْ إليه ، فأخذتْ بيدِه فقبَّلتْه وأجلستْه في مجلسِها).

إلى هنا يبدو أن الأمر عاديا، فهي مجرد قبلات بين أب و ابنته؛ و لكن في مصادر أخرى نفاجأ أن تلك القبلات كانت في الفم!

في "المستدرك" 3\156 نقرأ (كان رسول الله إذا رجع من غزاة أو سفر أتى المسجد ، فصلى فيه ركعتين ، ثم ثنى بفاطمة رضي الله عنها ، ثم يأتي أزواجه، فلما رجع خرج من المسجد تلقَّتْه فاطمة عند باب البيت تلثم فاه) ؛ و في "فيض القدير" للمناوي 1\105 (و كانت فاطمة من فضلاء الصحابة وبلغاء الشعراء، وكانت أحب أولاده إليه، وإذا قدمت عليه قام إليها وقبَّلها في فمها).

و في نفس المصدر السابق ("فيض القدير" 5\174) نجد إضافة أن النبي كان يمص لسانها أيضا!

و في كتاب "ذخائر العقبى" للطبري 1\36 نقرأ أن عائشة استغربت من كثرة تقبيل النبي لابنته، فيذكر لها تبريرا عجيبا، مفاده أن رائحة فاطمة تذكره بثمار الجنة التي كان قد سبق و أكلها!

(عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي يكثر القبل لفاطمة، فقالت له عائشة: إنك تكثر تقبيل فاطمة! فقال : إن جبريل ليلة أسرى بي أدخلني الجنة، فأطعمني من جميع ثمارها، فصار ماءاً في صلبي، فحملت خديجة بفاطمة، فإذا اشتقت لتلك الثمار قبَّلت فاطمة، فأصبت من رائحتها جميع تلك الثمار التي أكلتها).

و نفس المشهد نقرأه في نفس المصدر، حيث تستغرب عائشة من قيام محمد بإدخال لسانه في فم ابنته و مص لسانها (ذكر ما جاء أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقبلها في فيها ويمصها لسانه. عن عائشة رضى الله عنها قالت: قلت يارسول الله مالك إذا قبلت فاطمة جعلت لسانك في فيها كأنك تريد أن تلعقها عسلا؟ فقال صلى الله عليه وسلم إنه لما أسرى بى أدخلني جبريل الجنة فناولني تفاحة فأكلتها فصارت نطفة في ظهرى فلما نزلت من السماء واقعت خديجة ففاطمة من تلك النطفة كلما اشتقت إلى تلك التفاحة قبلتها) – و الرواية وردت في "تاريخ بغداد" 5\87 و "الفضائل" 3\124 – و بالطبع لكل شخص أن يحكم على مدى وجاهة التبرير المحمدي لسلوكه!

و في نفس المصدر ("ذخائر العقبى" 1\36) نجد أن النبي كان يقبل أيضا عنق فاطمة، و يستخدم مبررا مشابها (وعن عائشة رضى الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قبل يوما نحر فاطمة)، (فقلت له يارسول الله فعلت شيئا لم تفعله؟ فقال يا عائشة إنى إذا اشتقت إلى الجنة قبلت نحر فاطمة).

و في مصادر أخرى- شيعية- نقرأ أنه كان يقبل وجهها و يضع وجهه بين ثديهها ؛ فيي "بحار الأنوار 43\44 (كان رسول الله لا ينام حتى يُقَبِّلَ عرض وجه فاطمة)، و في نفس المصدر 43\78 (وكان يَضعُ وجهَه بين ثَدْيَيْها).

بل إن ذلك الشذوذ سيمتد حتى يصل إلى أبناء فاطمة، أحفاد محمد أنفسهم.

ففي "ذخائر العقبي" 126 نجد أن محمدا كان يمص لسان الحسن؛ و كذلك في "مسند أحمد" 16848 نقرأ رواية تقول بأن محمدا كان يمص لسان الحسن أو شفته (رأيت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يمص لسانه ‏ ‏أو قال شفته ‏ ‏يعني ‏ ‏الحسن بن علي ‏ ‏صلوات الله عليه. ‏وإنه ‏ ‏لن يعذب لسان أو شفتان مصهما رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم)؛ و نفس الشيء في "مجمع الزوائد للهيثمي 14371 و في "تاريخ ابن عساكر" 4\169- و لا ندري ما علاقة المص بالجزاء الأخروي على الأعمال!

و في "كنز العمال" للمتقي الهندي 37648 (عن أبي هريرة قال: رأيت رسول الله صلعم يمص لسان الحسن كما يمص الرجل التمرة).

و لكن الكارثة الأكبر أن تقبيل رسول الله للأحفاد لم يتوقف عند الفم و اللسان، بل نزل إلى أماكن أخرى أكثر خصوصية؛ حيث نقرأ في بعض المصادر - السنية و الشيعية- أن محمدا كان يقبل العضو الذكري للحسن و الحسين!

ففي "مجمع الزوائد" للهيثمي 9\189نقرأ (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل زُبّ الحسين)- وفي لفظ زُبيبة).

و في نفس المصدر (وعن إبن عباس قال رأيت رسول الله فرج ما بين فخذي الحسين وقبل زبيبته).

و نفس النص نجده في "المعجم الكبير" للطبراني 3\45 و 12\108 و "الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة" 9\555 و "الإصابة" 1\611 و "مجمع الزوائد" 14431و "سير أعلام النبلاء" 253 و غيره (عن ابن عباس أنه قال: رأيتُ رسول الله فرَّج فخذي الحسين وقَبَّلَ زُبَيْبته).

و في "السنن الكبرى" للبيهقي 1\137 (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنا عند النبي ، فجاء الحسن، فأقبل يتمرَّغ عليه، فرفع عن قميصه، وقبَّل زُبَيْبته).

و نفس الكلام موجود في المصادر الشيعية؛ فف "بحار الأنوار" للمجلسي 43\317 و 77\224 و في "مستدرك الوسائل" للنوري 1\236 و في "الجعفريات" لمحمد الأشعف الكوفي 19-30 (أَنَّ النَّبِيَّ قَبَّلَ زُبَّ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كَشَفَ عَنْ أُرْبِيَّتِهِ وَ قَامَ فَصَلَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَضَّأَ).

و في "المبسوط" 12\375 (أن النبي كان يقبل زب الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وهما صغيران).

وقد استدل فقهاء سنة و شيعة بذلك الحديث على أن الطفل الصغير ليس له عورة!

كما نقرأ في "المغنى لابن قدامة 5341 (فأما الغلام الذي لم يبلغ سبعا فلا عورة له يحرم النظر إليها. وقد روي عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال : "كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال : فجاء الحسن فجعل يتمرغ عليه فوقع مقدم قميصه، أراه قال : فقبل زبيبته" رواه أبو حفص).

و في كتاب "نصب الراية لأحاديث الهداية" للزيلعي- مع حاشية "بغية الألمعي في تخريج الزيلعي"- باب شروط الصلاة الحديث الرابع (واستدل الشيخ في "الإمام" على أن الصغير ليس له عورة بحديث رواه الطبراني في "معجمه الكبير" :أخبرنا الحسن بن علي عن خالد بن يزيد عن جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: رأيت رسول اللّه يفرّج ما بين فخذي الحسن وقبَّل زبيبته).

و في "نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار" للشيخ الشوكاني - الجزء الأول- باب من لم ير الفخذ من العورة وقال هي السوأتان فقط، نقرأ (والإلزام أن ذكر الرجل ليس بعورة لما روي أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قبل زبيبة الحسن أو الحسين أخرجه الطبراني والبيهقي من حديث أبي ليلى الأنصاري قال البيهقي وإسناده ليس بالقوي وروى أيضاً من حديث ابن عباس بلفظ (رأيت رسول اللّه صلعم فرج ما بين فخذي الحسين وقبل زبيبته. أخرجه الطبراني وفي إسناده قابوس ابن أبي ظبيان).

عن المرأة





لا.. هي ليست جوهرة وليست قارورة وليست وردة وليست زجاجة عطر وليست متاعا
وليست سلعة وليست عورة وليست عارا وليست شرفا وليست شيطانا وليست إلها وليست عبدة وليست سيدة وليست ملكة وليست ملك يمين وليست نجسة وليست مقدسة وليست لعنة وليست فتنة..

هي ليست شبه إنسان تملكها وتضربها وتأمرها فتطيع كما أخبرك دينك،

وهي ليست ربة متسلطة في عينيها سر الوجود يرقص الكون إذا تبسمت كما اخبرك الشعراء..

هي مثل هو، إنسان عادي، بكل ما يتصف به البشر من عقل ووعي ومزايا ونقائص، وحقوق.. هي شخص مثلك وتشبهك كثيرا في تكوينك ورغباتك وطموحك وطمعك وغباءك وسخافتك وأنانيتك، في خيرك وشرك..

ولن تنصلح أمورنا بدون إصلاح نظرتنا للأمور، والتوقف عن التعامل مع المرأة بمبالغة كاريكاتورية سخيفة، وكأنها كائن منفصل عن الرجل، وكأنها مخلوق فضائي صعد علينا من أرض الدنس أو هبط علينا من سماء القداسة.. ارحمونا قليلا..